تأخذك إلى أعماق الفكر

رواية “حمام الدار” أُحجية الفقد!

الفقد هو الشعور الإنساني الأكثر بعثًا على الحيرة والتساؤل في النفس. لا ندري كيف يتم، ولماذا نفقد ما قد أحببنا يومًا؟ نحن أحيانًا لا نتذكر حتى كيف، ولا متى تم الفقد، كل ما نذكره أننا نعاني من وجع ما، ونقع تحت سطوة فيض من التساؤلات، والحيرة والقلق اللذان لا ينتهيان أبدًا.
في هذه اللحظة نصير جميعًا كُتاباً، ومؤلفين بارعين؛ فنصير نكمل القصة من خيالنا، ونصير نسردها بألف سيناريو وحوار محتمل، ونختمها بألف نهاية ونهاية. تارة نعود بالزمن حيث قبل الفقد ونكمل القصة على أن شيئًا لم يكن مُنكرين فجيعتنا، وتارة أخرى نقفز بالزمن حيث ما بعد الفقد وحيث عاد كل شيء إلى أفضل مما كان. الوحي حينها لا ينقطع عنا أبدًا، ولا شيء حينها يستطيع أن يوقف استيقاظ عقولنا، وشرود ذهننا ، لا شيء حتى الزمن. الزمن الذي نفجع به هو الآخر مر بنا دون أن ندري في أي محطة تركناه وجلسنا على عتبات الماضي لا نبرحها.
ماذا لو كان من عانى الفقد وكابده كاتب بحق؟ نحن إذًا أمام شخص بارع في سرد القصص، من المؤكد أنه لن يسرد قصته مع الفقد كما نحن العاديون.

حمام الدار” هي ترنيمة كل الفاقدين يرون فيها حيرة التساؤل، ولوعة الإجابة التي لا تأتي أبدًا، وشرود البال الذي لا يهدأ ولا يستريح.

أي الروايتين صحيح؟

كثيرون وقعوا في هذا الفخ مُتجاهلين التيمة الفنية للعمل، والمعنى الإنساني للنص. والحقيقة إننا أمام كاتب يحب اللعب بالأساليب الكتابية ويجيد فعل ذلك إلى حد كبير؛ رغم أنه يكتب الرواية الواقعية، إلا أنه يكتبها على طريقة كتابة الروايات البوليسية: سرد متداخل، أبطال متعددون لا ندري من منهم يمسك بخيط الحدث الرئيسي، أكثر من راوٍ لنفس القصة، وأكثر من قصة في نفس العمل الذي هو الآخر قصة يرويها كاتبنا.
نحن في “حمام الدار” أمام روايتين لقصة واحدة، وكل واحد يظن أنها قصته، وكلٌ يسرد فجيعته على طريقته. “عرزال” بطل الرواية الأولى التي تعبر عن الفقد برمزية، هو ليس مجرد بطل عصي في رواية كاتب لا نعرفه، نستيقظ على عرزال في رواية الكاتب المجهول رجل خمسيني وحيد، فقد كل شيء تقريبًا: زوجته، أبناءه، ويستعيد أطيافاً من ماضٍ بعيد لطفولة مليئة بالفقد هي الأخرى، فقد اختبرناه جميعًا مع حيواناتنا التي نُحب.
عرزال الخمسيني ما زال قلبه مكلومًا بفجيعته الأولى التي فقد فيها حمامتيه “رحال” و”زينة”. يظل عرزال طوال الرواية يستحضر أطياف الغائبين ويُمني نفسه بعودتهما؛ ترى هل يعود الغائبون؟ كان يردد مقولة يؤمن بها دومًا “حمام الدار لا يغيب، وأفعى الدار لا تخون” لن يغيبا، هما فقط رحلا، وربما ضلّا طريقيهما وسيعودان عما قريب. كان هذا صوت قلبه بينما صوت والده صوت العقل يقول: “ابك يا ولد! ابك وانتظر ما لن يعود! “وقع الأب كذلك ذات يوم أسيرًا لصوت قلبه لكنها ما غدت عن كونها لحظة عابرة وحسم أمره وخضع لصوت العقل.

طال انتظارنا ووالدي في وقفته ثابت مثل نخلة، يمشط السماء بنظره بين ظلمة ونور. ألم تقل إنهما لن يعودا؟ انتفض حينما قطعت شروده بسؤالي. تنبه إليّ أجلس وراءه، استدار يلتفت بوجه لا يحمل تعبيرًا، أشار بسبابته إلى رأسه هذا يقول لن يعودا، هبطت سبابته على قلبه إلى صدره وهذا يقول ربما!.

طيفا رحال وزينة يلازمان بطل القصة في جميع أحلامه؛ فنجده لا يريد لهذه الأحلام أن تنتهي حتى وإن كانت موجعة” أغمض عينيه بشدة يتظاهر بالنوم ، هو لا يريد لهذا الكابوس أن ينتهي. هذا شيء يشبه الابتزاز! أن يصير لقاؤك بمن تحب في إطار كابوس؛ يعني أن تعقد صداقة مع كوابيسك بصفتها أحلامًا!”
يظل عرزال- بطل الرواية- تائهًا في أروقة الماضي. عرزال الخمسيني لم ينس، ولن ينس ما أفجعه قديمًا؛ وها هو يُعيد بعثه من جديد في فرخي الحمامة الغريبة التي حطت على نافذته، أسماهما زينة ورحال. في هذه الرواية كان عرزال هو المروي عنه، أو بمعنى أدق البطل، بطل في عمل عجز كاتبه عن إتمامه.
عرزال ذاته كاتب في رواية أخرى ويصيغ القصة من وجهة نظر أكثر قربًا للواقع من سابقتها؛ فلا أحد يُفجع طيلة هذه الأعوام بفقد فرخي حمام. ستكون رواية عرزال عن رجل فقد طفليه زينة ورحال أيضًا. في البداية يشب منوال بطل رواية عرزال على فقد فراخ أمه: إخوته الأربع.

ظلت الأم أعوامًا تمني نفسها بعودة أبنائها الأربع من حيث ذهبوا مع أبيهم، وكانت تردد على مسامع ابنها الذي بقي لها “منوال” قصة فراخها الأربع مؤكدة له أنهم سوف يعودون” يعود المولاف”. تقضي الأم نحبها ويفجع منوال لثاني مرة بعد فقد فراخ أمه” أخوته” بفقد أمه. يكبر منوال وجرح فقده لا يزال نازفًا؛ لكنه يُمني نفسه بأنه لن يفجع بالفقد مجددًا في عائلته الجديدة.

كنت أشعر بعناقي لمنيرة أني أعانق عائلة توشك أن تكون، متحررًا من كل خسارات عائلة كانت!.

إعلان

لكن أنيّ للحياة ألا تفجعنا مرارًا وتكرارًا حتى نفقد إيماننا ببقاء أي كان؛ لقد خُلقنا لنَفقد، ونَفقد ثم نُفقد في النهاية ونفجِع من أحبونا كما فُجعنا سابقًا فيمن أحببنا. يفقد منوال طفليه زينة ورحال رغمًا عنه، وخوفًا من البحر وزُرقته التي تخنقه كما يخنقه كل ما هو أزرق؛ ولأن والده يدعى أزرق، والبحر الذي يخشى أزرق. لم يُفلح منوال في تعلم السباحة صغيرًا ، وابتلع بقدر وزنه ماءً مالحًا. أخبره والده يومها أنه جبان، لم يكن ليدري أن قصته مع الخوف لن تقف عند هذا الحد وستفقده صغيريه مستقبلًا. خيبات الطفولة لا تُنسى ، وهزائم الشباب لا تُمحى ، وبهما يحل الشيب ونقضي ما تبقى من العمر في رثاء.
الأصعب من الفقد أن تظل عالقًا هناك لا تبرح. وهكذا ظل كل من منوال وعرزال، كلٌ في روايته أسيرًا لحزنه وفقده، في انتظار ما لا يجيء وعلى أمل عودة من لا يعودون ، تفشل كلا الروايتين في تسطير نهاية تخرج بطلاها من فجوة الزمن، وفوهة الفقد. “حمام الدار قد يغيب، وأفعى الدار قد تخون“.

السرد بالأحجية

تبدو رواية حمام الدار سريالية لمعظم من قرأها. ألغاز ورموز كثيرة قد تختلط على القارئ. ترى لماذا صاغ الكاتب هذه الرواية على هذا النحو؟ لماذا هي قصتين في قصة وكلاهما غير مكتمل؟ لمن لم يقرأ لسعود السنعوسي من قبل هذا هو أسلوبه الذي يستخدمه في كل أعماله بدءًا من “ساق البامبو” وحتى “ناقة صالحة”. الخلط بين الحاضر، والماضي، والمستقبل في ومضات تبدو سريالية لن تفهما إلا حين تنهي العمل، وقد لا تفهمها على الإطلاق! سرد الحكاية بواسطة أكثر من راوٍ؛ وقد يكون أحد الراوة مجهول، وقد لا يُفصح حتى عن روايته كما في ناقة صالحة ، كل هذه الأمور تبدو كلغز لمن ركز على ظاهر الكلمات وترك باطنها.

في حمام الدار كانت هذه السريالية في السرد على مستويين في محلها بالضبط؛ حيث نقل لنا الكاتب صورتين يمكن للكاتب أن يُعبّر بهما عن الفقد: الترميز، والتصريح.

الكُتاب في رواياتهم ينقسمون لقسمين: قسم يستخدم الرمز والإسقاط، وآخر يستخدم أسلوبًا مُباشرًا وشخصيات غير مزدوجة، وكلاهما يرثي ألمه على طريقته. نحن في “حمام الدار” أمام طريقتي سرد في عمل واحد: تارة يعرض لنا الكاتب الفقد وآلامه في قصة عرزال الرمزية، وتارة أخرى ينقلها لنا بصورتها المُباشرة على هيئة فقد منوال لطفليه، ونجح في إيصال الحالة الشعورية لكليهما. الفقد هو الفقد، وما يبعثه فيك “العهد القديم” أو النص اللقيط كما أسماه سعود في نصه، هو ذاته ما يبعثه فيك “العهد الجديد” أو النص النسيب. نفس المشاعر المُختلطة بين الأمل واليأس، والنفس المختنقة، والروح الثكلى هم ذاتهم في العملين.

حمام الدار” هي تلك الحالة من التشتت والجنون والرفض التي نحياها جميعًا حينما تفجعنا الحياة بما لم نكن نتوقع، حين ينفلت من بين أيدينا ما كان لنا أمس، ويأتي غد لا ندري ماذا نفعل فيه ولا كيف نبدأ، ولا من أين؟ قد لا نجد في هذا العمل إجابة لأسئلتنا عن الفقد؛ لكننا سنجد فيه رثاءً يعبر عنا، ويليق بألم الفقد.

نرشح لك: حمام الدار وسيكولوجيّة الأَلْوَان في رِوايات سعود السنعوسي. وكيف تَحَوَّل الأزرقُ من الأمَان إلى الوَحْشة؟

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.