تأخذك إلى أعماق الفكر

رباعية نابولي: صــداقة ولـكن!

“قالت لي مرارًا، خلال أكثر من ثلاثين عامًا، أنّها تريد أن تختفي دون أن تترك أثرًا، لم يخطر في بالها أن تهرب أبدًا، ولا أن تغير هويّتها، ولم تحلم بأن تبدأ حياةً جديدة في مكان آخر، ولم تفكر في الانتحار إطلاقًا، كانت نيّتها في أمرٍ مختلف كليًا؛ كانت تريد أن تتبخر، أن تتلاشى كل خلاياها، حتى يستحيل أن يعثر أحد على أي شيءٍ يخصها”.

كانت تلك الكلمات هي بداية معرفتي بالكاتبة، مجرد اقتباس عابر أثار فضولي حولها، جعلني أبحث عن “إيلينا فيرانتي” تلك الكاتبة الإيطالية المجهولة صاحبة الاسم المستعار، صاحبة “رباعية نابولي” التي أثارت ضجة كبيرة في الأدب الإيطالي، والتي ترجمت للعديد من اللغات، كما أنها اختيرت من أكثر الشخصيات تأثيرًا في إيطاليا عام 2016.

كل ما قرأته في ذلك الوقت يثير الفضول حول تلك الكاتبة المجهولة ولماذا نالت رباعيتها كل هذه الشهرة؟!

مجرد فضول كان البداية لأعيش عدة أشهر مع تلك الرباعية الفريدة والتي لا أدري حقًا لماذا تعلقت بها إلى هذا الحد، فربما يراها البعض قصة عادية لا جديد فيها، والكثير الكثير من التفاصيل التي لا تنتهي، والتي قد تصيبنا بالملل بسهولة في أعمال أخرى، ولكن الحقيقة أنك تعيش مع تلك التفاصيل من سطر لآخر، وتفكر فيها حتى عندما تتركها لموعد اللقاء القادم لتكمل القراءة، وتتساءل عمّا سيحدث بعد ذلك، ولكن الكاتبة لا تتركك أبدًا لتتوقع ما سيحدث فتزهدها، فدائمًا لديها المزيد.

صداقة، ولكن!

نحن أمام حكاية عن الصداقة، ذلك النوع من الصداقات الذي يستمر لأعوام دون أسباب، صداقة غريبة في بدايتها، وغريبة لاستمرارها رغم الاختلافات الكثيرة بين الصديقتين، فعلى الرغم من النشأة المتشابهة لهنّ في أحد أحياء نابولي الفقيرة والتي تدور فيها أغلب الأحداث، إلا أننا كلما تقدمنا نكتشف اختلافات كثيرة تجعلك تتعجب لماذا تستمر، صداقة كانت بدايتها الغيرة والتنافس وبعض الفضول، واستمرت يتخللها الكثير من المكائد والغيرة والمشاكل، وعلى الرغم من ذلك كنت دائمًا أشعر أن كل واحدة منهنّ في حاجة إلى الأخرى، ولكن احتياجٌ مختلف، إحداهن تحتاج لأن تقترب من صديقتها لتشعر أنها الأفضل، والأخرى تقترب لتشعر أنها الأقوى، وأحيانًا لتتأكد أنها الأضعف، احتياج يضر في بعض الأحيان، فالصديقة هنا في وقت من الأوقات تتمنى لصديقتها الموت!

“من المؤكد أنها كانت باطلة، وناكرة للجميل، وأنّي على الرغم من كل التغيرات التي أحدثتُها، ما زلتُ تابعة لها، شعرتُ بأن خلاصي من التبعية لن يحين أبدًا، ما بدا لي أمرًا لا يُحتمل حقًا، رغبتُ –وأخفقتُ في خنق رغبتي هذه- في أن يكون طبيب القلب مخطئًا، وأن يكون أرماندو محقًا، رغبت في أن تمرض فعلًا وتموت!”

علاقة لا تستمر على وتيرة واحدة، ذكرتني بحديث “كولن ولسون” عن نوعية العلاقات بين البشر في كتابه (سيكولوجية العنف: التاريخ الإجرامي للجنش البشري) والتي تحدّث فيها عن هيمنة أحد طرفي العلاقة على الآخر وكيف يؤثر ذلك على علاقتهم، فربما ترى شخصًا ذا شخصية قوية يصبح أضعف ما يكون أمام شخص آخر، وربما يتحمل الأذى منه بطريقة تعجب لها، وأحيانًا يحدث العكس.

العلاقات بين البشر لا نستطيع تصنيفها بسهولة، وعلاقة “لينا” و”ليلا” تستحق أن نتأمل فيها كثيرًا، ليس فقط لنحاول فهم طبيعة تلك العلاقة فقط، ولكن لأنهم مثال لعالم “النساء” في أعمار مختلفة سواء في التعامل مع بعضهم البعض أو تعاملهم مع العالم المحيط بهم، والكشف عن نفسياتهم المضطربة والتي تتغير وتتأثر وتتطور بشكل مستمر.

إعلان

لنهرب من هنا

كانت الفتاتان تتمنيان أن تهربا من الحي، كانتا تحلمان بأي طريق يخرجهم من الفقر المحيط بهم، ليس الفقر فقط ولكن أحوال الحي بأكملها، من صراعات ومشاكل وأحوال متردّية، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، حلم الهروب الذي يتمناه الجميع، فتشعر في حديثها عن نابولي وكأنها تتحدث عن العالم بأكمله.

ورغم محاولاتهم للهروب من الحي إلا أنه لعب الدور الأساسي على امتداد حياتهم، فرحلوا وعادوا إليه من جديد برغبتهم أحيانًا، وأحيانًا مجبرين، أصبحتا شاهداتٍ على كل ما حدث ويحدث، ليس في الحي فقط، ولكن في إيطاليا كلها، فكانت الرواية ذاتها شاهدة على عصر الاضطرابات السياسية التي شهدتها إيطاليا في الستينات والسبعينات بين الشيوعين والفاشستيين، والتي وصلت لحد القتل في الشوارع، ففردت لها فقرات كاملة تبيّن فيها ما آلت إليه الأمور من وجهة نظر أصدقائهم وتوجهاتهم السياسية المختلفة.

المسلسل أم الرواية؟

مع كل تلك التفاصيل والأحداث تمنيتُ كثيرًا أن يتم تحويلها لعمل درامي، وفي نفس الوقت كنت أخشى أن يحدث ذلك، فبعض الروايات تتشوّه وتُدمّر ويضيع جمالها سواء باختصارها أو باختيارٍ سيء للشخصيات التي تُجسدها، ولكن قامت شركة HBO بتحويله لمسلسل إيطالي في نهاية 2018، وكان مميز فعليًا، تم تحويل أول جزأين لـثمانِ حلقاتٍ مدة كل واحدة ساعة كاملة.

كانت الشخصيات معبرة عن الرواية بشكل كبير، والتفاصيل بارزة في كل مشهد، لدرجة تذكري للتفاصيل التي كانت تكتبها ووصفها الدقيق له، أحببته كما أحببت الرواية.

حقيقة أم خيال؟

هذه الرواية ذات سردٍ بديع وسلس يأسرك، ويجعلك تتسائل في نفس الوقت؛ هل أنا أمام كاتبة قادرة على رسم الأحداث من الخيال بهذه الدرجة المدهشة، أم أن حكايتها حكاية حقيقية حدثت لها أو معها أو حولها وجسدتها ببراعة متخفية خلف اسمٍ مستعار؟

فإذا كانت الكاتبة قد كتبت ببراعة، إلا أنني يجب أن أشيد هنا بالترجمة المميزة لـ”معاوية عبدالمجيد” والتي لولاها لكان قراءة عمل بهذا الحجم -4 أجزاء، كل جزء لا يقل عن 600ص- وبهذا الكم من التفاصيل نوعٌ من أنواع التعذيب الحقيقي لأي قارئ، كما أن توضيح الشخصيات وعلاقاتها في بداية الأجزاء يجعل القراءة أسهل بكثير، وذلك لكثرة الأسماء وعلاقتهم ببعضهم البعض وصعوبتها في بعض الأحيان.

رباعية نابولي عمل فريد من نوعه، عمل معقد وبسيط في آن واحد، عمل مجرد الحديث عنه وعن محتواه ليس أمرًا سهلًا؛ لاحتواءه على الكثير والكثير.

كل ما تحتاجه الآن أن تقرر أن تقرأها وحسب.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.