ذنب النجاة: الفلسطينيون في الشتات

خلال شهر يونيو، تطرّقت المحللة السياسية الفلسطينية نور عودة إلى شكل استثنائي من ذنب النجاة يعتري الفلسطينيين في الضفة الغربية إبان الحرب الجارية على غزّة، خلال مؤتمر مشروع بلفور المنعقد في لندن. تشهد الضفة أحداثًا قمعية أيضًا، لكن العنف لم يستشرِ بها بقدر غزّة (حتى الآن). يثير ذلك تساؤلات وجيهة حول الشتات الفلسطيني بمفهومه الأوسع: كيف يبدو الأمر من منظور من نجوا منّا نجاةً أبدية من المخيمات وأوقات حظر التجوّل؟ هؤلاء الذين ترعرعوا في ضواحي لندن الخضراء أو وحدات “تاون هاوس” السكنية في نيويورك، مَن منهم بوسعِه أن يحظى بهوية فلسطينية خالصة رغمًا عن أصوله الهجينة؟
يُعد ذنب النجاة شكلًا من أشكال الضغط النفسي الذي يعاني منه من تجاوزوا الصدمات النفسية التي لم ينجُ منها الآخرون. لا تزال صدمتنا النفسية مستمرة، ألا وهي النكبة؛ تلك الصدمة التي لم نتمكن نحن أبناء الشتات من النجاة منها، بل إننا نعيشها في صورة أخرى. تفرّقت عائلاتنا في كافة بقاع الأرض. شعرنا بالغربة في البلاد التي اتخذناها وطنًا لنا. حالف بعضنا الحظ ليعودوا إلى أوطانهم بتأشيرة سياحية مُهينة، بينما لم يُسمح للآخرين بالعودة لمجرد الزيارة. بل إنّ أغلبنا في الشتات قد ترعرع في ظلّ حرية شبه مطلقة، بينما تشقّ على الآخرين النجاة في غزة، وما نتجَ ذلك إلا عن قدر ميلادهم.
هؤلاء اللاجئون والمنفيون الفلسطينيون الذين تشتتوا في كافة بقاع الأرض، يتجلى في تجاربهم تشابك فريد من نوعه مع التهجير التاريخي والصراع الجاري والهوية الثقافية، وكلها عوامل تُعمّق من حدة ذنب النجاة.
هؤلاء الذين فرّ والداهم أو أجدادهم أو نُفوا خلال حروب 1948 أو 1967 أو أي فترة أخرى، يعون وعيًا متقدًا بأننا كنّا سنعيش حياة مختلفة للغاية إن ترعرعنا في مسقط رأسنا في فلسطين، أو في مخيَّم في غزّة أو لبنان. كان حظر التجوّل الوحيد الذي عشته بيد والديّ متساهلًا، وطالما اخترقته دون أدنى حسبانٍ للعواقب. لم تكن تحركاتي خاضعة لنزوات بعض الحراس المسلَّحين المراهقين في نقاط التفتيش، ولم أخاطر بأن يُطلق جندي ما عليّ النار لأنني اخترقت الحظر.
لقد نشأنا على حكايات الفقد والنجاة، وأورثَنا والدانا شعورًا بالواجب وعبئًا نفسيًا. شكَّلت هذه الصدمة العابرة للأجيال وذنب النجاة هوياتنا وقراراتنا الحياتية. كيف يتجلى ذلك في عقلنا الباطن؟ كانت بؤرة اهتمام رسالة تخرجي الجامعية هي تناول مفهوم الهوية الوطنية بين أبناء الشتات الفلسطيني. ولا عجب في أنني توصلتُ إلى أن فلسطينيتنا متجذرة فينا. نحن نعرّف أنفسنا كفلسطينيين قبل أي شيء، بغضّ النظر عن الجنسية التي نحملها أو إن كان أحد والدينا ذا أصول فلسطينية.
إعلان
تُثقل كاهلنا حقيقة أن أبناء وطننا في الداخل محرومون من الرفاهية والفُرص التي نحظى بها. تُورثنا هذه الحقيقة صراعًا داخليًا يُشعرنا بأن إنجازاتنا وراحتنا امتياز لا نستحقه. نتعايش مع حقيقة أنّ ثمّة تعارضًا شديدًا بين أمانهم والفرص المتاحة لهم وتلك المتاحة لنا. إنّ مجرد حياتهم في فلسطين التاريخية مع القيود الاستعمارية الإسرائيلية هي شكل من أشكال المقاومة، وتخضع فُرصهم لقيودٍ مشابهة. إنّهم يتكبدون ثمنًا أكبر للتشبث بهويتهم الفلسطينية مقارنةً بالذي سوف يتكبده أيّ منّا في مجتمع الشتات.
يشقّ علي التأقلم مع الصور والقصص الواردة من الداخل. أشعر وكأني لم أنَم ليلة كاملة منذ 7 أكتوبر؛ أصبحت مهووسة بالتصفح المستمر للأخبار السلبية على مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة قناة الجزيرة. كان التدفق المستمر للأخبار المؤلمة من فلسطين؛ كصور الدمار، وقصص الفقد، والتقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان عصيًا على التحمل. يُخجلني ذكر الأرق لأنه لا يُقارن بما يعايشه الناس في الداخل طيلة الوقت. إن الدمار هائل لدرجة أنّ جميعنا تقريبًا قد تعرّض لتجربة فقدٍ شخصية أو تكبد أصدقاؤه خسائر. تفوق الأحداث قدرتنا على التحمل، حيث إنه من المُفجع التخيُّل أنك تعيش في غزة الآن.
هل من السهل أن تكون مهاجرًا؟ بالطبع لا. لكن هل صار البقاء على قيد الحياة للتيقّن من أن عائلاتنا في أمان -كما هو الحال في غزّة اليوم- مهمّة شاقة لهذا الحد؟ لا. يواجه كل المُبعدين عن وطنهم الأم تحديات؛ فأخبار الوطن إذا نُشرت أصلًا، غالبًا ما تُحرّف أو تُقتطع من سياقها. تعرّضتُ للعنصرية في لندن، وللمفارقة، للإسلاموفوبيا؛ لا يتقصّى المتعصبون الحقائق قبل الكشف عن جهالتهم. قد يكون من المزعج مجابهة ذلك بصورة متكررة.
نحنُ في الشتات يخيب أملنا بشدّة، بل وتُغضبنا ردود أفعال دول المهجر أو عزوفها عن الرد. يجب أن يكون الاستماع إلى نقاش أعضاء البرلمان البريطاني حول ما إذا كان يجب تطبيق القانون الإنساني الدولي على مجموعة بعينها من البشر أم لا مدعاةً للقلق حقًا. إنّ القيود على حرية التعبير التي فرضتها بعض الحكومات من خلال حظر الحق في مقاطعة منتجات المستوطنات، تُعدّ انتهاكًا للحقوق المدنية ينبغي أن يكون ناقوس خطرٍ لكل مواطن، حتى هؤلاء الذين لا يبالون بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
كيف يُمكننا التعامل مع هذا الذنب؟ بعضنا يعاني ولا يفعل شيئًا، بينما يعجز الآخرون الذين تُثقل همومهم الشخصية كاهلهم عن التفاعل. على الرغم من ذلك، يجد الكثير منّا نفسه ملزمًا بما باستطاعته تجاه هؤلاء العاجزين. ينبُع نشاطنا من الإيمان بأن نجاتنا مرهونة بكفاحنا من أجل العدالة وحقوق الفلسطينيين. هذا الإجراء البنّاء ضروري للحفاظ على وجودنا. ويجِد الكثير منّا، في الداخل والخارج، سلواه في هؤلاء الذين يُعربون عن تضامنهم من غير الفلسطينيين، عبر الكلمات اللطيفة، والمسيرات، وأشكال النشاط الأخرى.
لا أريد الاختتام بنبرة وعظية، ومع ذلك سأفعل. يقع علينا واجب الاستفادة من جميع الفرص التي تُهدينا إيّاها الحياة لنجعل العالم مكانًا أكثر ترحابًا بنا جميعًا. إن كان هناك ما هو غير مستحق، فهو الاحتلال والقمع، وليس امتيازاتنا، وما أظن أن محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية سوف تؤكده هو الإبادة التي تعرّض لها شعبنا في الداخل. ينبغي علينا استخدام امتيازاتنا من أجل يوم نتمتع فيه جميعًا بحق الحياة والحرية والسعي وراء السعادة.
إعلان
