تأخذك إلى أعماق الفكر

ديفيد هيوم والسببية (الجزء الثاني)

1- استحالة الصدفة وتداعي المعاني

يقول الدكتور محمد علي خاني في كلامه عن هيوم: يعتقد هيوم أنه لا صدفة في العالم، إذا سمينا وقوع ظاهرةٍ من الظواهر بأنها صدفة نكون في الواقع قد عبرنا عن جهلنا بعلة الظاهرة. ونرى بوضوح أن هيوم يعتبر العالم الواقعي مكانًا لتيار العلاقات العلية الضرورية، إذن كيف ينقل في تعريفه للعلة الضرورة من العالم الواقعي إلى ذهن الإنسان، حيث يقول :” العلة شيءٌ يأتي عقبًا له شيءٌ آخر، وظهورٌ يَصرف الذهن دائمًا إلى ظهور شيء آخر”؟ يحصل هذا الانتقال نتيجة العادة وتداعي المعاني (الادعاء رقم 3)، والضرورة العلية ليست سوى الانتقال الذهني. هذا التعريف للعلية طُرح بهدف تفسير تجريبي للعلية. والآن نسأل: هل تستطيع العلية بهذا المعنى أن تكون ذلك الشيء الذي يجعل الصدفة في هذا العالم أمرًا مستحيلًا (الادعاء رقم 1)؟ هل العلية بهذا المعنى يمكنها أن تشكل فحوى ذلك المبدأ الذي منحتنا الطبيعة إياه (الادعاء رقم 5)؟

للإجابة عن هذه الأسئلة يقول الدكتور محمد خاني: ينبغي أن ندرس الادعاء رقم 3، وبعبارة أخرى لا بد من دراسة تعريف العلية على أساس تداعي المعاني.

هل بمقدور الانتقال الذهني من انطباع أو تصور إلى تصور آخر أن يبين مبدأ العلية؟ مبدأ العلية والضرورة الكامنة فيه هو حُكم بوجود علاقة بين شيئين، والحال أنّ تداعي المعاني ليس مصحوبًا بحكمٍ بالضرورة، ففي كثير من الحالات هناك تداعي معاني ولكن لا يوجد حكم. ربما يتداعى إلى ذهن كل إيراني تصور عن العدالة بسماعه اسم “كسرى الأول” أو “أنوشيروان”، ولكن ما أكثر الذين لا يعتبرون أنوشيروان عادلًا، أي لا يحكمون بعدالته، وليس هذا وحسب؛ بل يحكمون بأنه كان ملكًا ظالمًا. أو يتداعى إلى ذهن أي متكلم بالفارسية تصور “البطولة والفروسية” بسماعه اسم رستم، ولكنه قد يحكم بعدم وجود شخص اسمه رستم أساسًا. النقطة الأهم هى أنه في حالات عديدة يوجد حكم بعلاقات علّية، في حين لا يوجد أي نوع من تداعي المعاني.

النقطة الأخيرة على جانب كبير من الأهمية، لأن قصد هيوم من تنسيق منهج الاستنتاج العلي التوصل إلى علم الطبيعة البشرية، إذًا لم تكن العلية باعتبارها أساس منهج الاستنتاج العلي شيئًا سوى التداعي الحتمي للمعاني؛ كأنما: متى ما كان استخدام منهج الاستنتاج العلي ممكنا لم يكن ثمة مجهول أمامنا، بحيث يهتدي ذهننا نحو استنتاج شيء من شيء آخر بدون أي بحث وتمحيص، وبمجرد مساعدة الطبيعة وحدها، هذا في حين أنه لا شك في أن هيوم يفكر في استخدام منهج الاستنتاج العلي لمعرفة أشياء ليست غير مكشوفة لنا بمجرد التوكّؤ على الطبيعة وحسب، بل هى غائبة عن حواسنا إلى درجة أن الكشف عنها يستلزم القيام ببحث ممنهج. وعليه، فالعلية بمعنى تداعي المعاني لا يمكنها أن تمثل أساسًا لمنهج يفضي إلى الكشف عن المجهولات، وأن تكون ركيزة لعلم مثل على الطبيعة البشرية.

إعلان

إذا لم نعتبر العلية شيئًا سوى تداعي المعاني والعادة الذهنية لن يتوفر أبدًا أساسٌ متين للعلم كما قال الطبطبائي.

فإذا كانت العلية معبرةً عن علاقة واقعية بين الأمور الواقعية فسيمكنها إرساء أساس العلم، ولكن إذا كانت مجرد علاقة ذهنية بين تصورات تحصل عن طريق التداعي فلن يعود بإمكانها أن تمثل رصيدًا للعلم. التجربة غير قادرة على إثبات مثل هذه العلاقة في العالم. وربما لهذا السبب يذهب هيوم إلى أن مصدر الاعتراف بمبدأ العلية هو طبيعة الإنسان، إذ أن مبدأ العلية بمعنى وجود علاقات ضرورية خارجية مبدأ حيوي ولازم للعلم. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ ثانية لا يمكن إقامة دليل تجريبي عليه.

2.مبدأ العلية والقوانين العلية

لا مفر أمامنا من إيضاح الفرق بين مبدأ العلية والقوانين العلية. مبدأ العلية أو قانون العلية العام يعبر عن وجود علاقات ضرورية بين الموجودات في العالم الواقعي، بحيث أن أي حادث أو أي ممكن بحاجة الى علة. هذا المبدأ لا يراد منه أي علة أو معلول معينين، وإنما هو بيانٌ عام حول نظام الموجودات، أما قوانين العلية فهي في الواقع مصاديق قانون العلية العام، وتخبر عن علاقة علية بين موجودين أو ظاهرتين معينين. يرى هيوم أن إثبات مبدأ العلية غير ممكن عن طريق التجربة، لذلك يعتبره مبدأ تفرض الطبيعة علينا قبوله والتسليم له. كما أنه يرى تعذر إثبات العلاقات العلية الخاصة عن طريق العقل والاستدلالات القبلية، لكنه يعتقد بإمكانية إثباتها عن طريق التجربة. بمعنى أن تشخيص مصاديق العلل والمعلولات غير متاح إلا عن طريق المشاهدة والتجربة، مع أن إدراك ضرورة العلاقة بينهما من ثمرة بنيتنا الطبيعية ليس إلا.

يقرر هيوم أن من غير الممكن إثبات العلية عن طريق الاستدلال العقلي القبلي، لأن إنكار قضية (لكل حادث علة، أو بتعبير الحكماء المسلمين لكل ممكن علة) لا يستلزم التناقض. نقيض هذه العبارة (أو القضية) قضية سالبة جزئية تقول: (بعض الأمور الحادثة لها علة). وبكلامٍ آخر: يمكن تصور أن ينوجد أمر من العدم من دون أن تكون له علة، ومن دون أن يستلزم هذا التصور أي تناقض. وعليه يعتقد هيوم أنه لا يمكن إثبات مبدأ العلية عن طريق الاستدلال القبلي.

مبدأ العلية. مع أنه قانون حول الأمور الواقعية وبغير ذلك لا يمكنه أن يمثل أساسًا للعلوم، فهو يعتبر أساسًا للعلوم، لكنه غير ممكن الإثبات عن طريق التجربة كما يزعم هيوم، فأولًا: ليست العلية كما رأينا وصفًا محسوسًا ليمكن التأشير على حالات من الأمور الحادثة يفرزها أمر آخر باعتباره علة لها، ونحس بهذا الموجود بوصفه علة.ثانيًا: الحادثية (أو الحدوث) بدورها ليست صفة يمكن مشاهدتها بالحواس -لا يمكن الإحساس بكون الظاهرة حادثة- أي لا يمكن الشعور بالطابع الحادثي للظاهرة.

الحادث هو الموجود المسبوق بالعدم، وهذه المسبوقية بالعدم ليست أمرًا محسوسًا؛ لأن أقصى ما نستشعره عن طريق الحس هو أننا نشعر الآن بشيء لم نكن نشعر به سابقًا، لكن هذا لا يعني مسبوقية الأمر المحسوس حاليًا بالعدم، عدميته في السابق شيء لا يمكن إحساسه ولا الشعور به. فأولًا: العدم لا يُحس، ثانيًا: الحكم بعدمه في الماضي استنتاجٌ منطقي وليس إدراكًا حسيًا. الاستنتاج المنطقي المذكور هو أن نجمع بين مقدمة من قبيل (ما لا يُحس معدوم) وعبارة (الأمر المحسوس الحالي لم يكن محسوسًا في الماضي)، ثم نستنتج: الظاهرة المحسوسة الحالية كانت معدومة في السابق. وعليه لا يمكن أبدًا بواسطة الحس وحده، ودون مساعدة العقل، ملاحظة حالة لحاجة ظاهرة من الظواهر إلى علة، ولأنه لا توجد أي حالة للحاجة العلية ممكنة الحس (أي يمكن الحس بها)، فلا يمكن افتراض ظروف يمكن فيها عن طريق استقراء حالات حاجة الحادث إلى علة استنتاج حكم استقرائي، والقول: (كل حادث بحاجة إلى علة). نعم، لا يمكن إثبات مبدأ العلية “لكل حادث علة أو لكل ممكن علة” بطريق تجريبي لكن عن طريق الاستدلال العقلي القبلي ممكن، والرأي الذي سلف ذكره من هيوم حول تعذر إثبات مبدأ العلية بطريقة قبلية رأي غير مقبول، ولأجل أن ندل على إمكانية إثبات مبدأ العلية بأسلوب عقلي ومنطقي يجب أولًا إيضاح فحوى مبدأ العلية.

3.فحوى مبدأ العلية وإثباته

سبق وأن عرضنا مبدأ العلية بالقول أنه يفيد أن (لكل حادثة علة بعيدًا عن نظرة الحكماء أن لكل ممكن علة). وقيل كذلك أنه لا يمكن معننة هذا المبدأ بحيث يكون القصد من العلة فيه نفس المعنى الذي أورده هيوم في تعريفه الحسي للعلة. أي أن المراد ليس أن كل أمر حادث مسبوق أو مقترن بموجود آخر، وبسبب الاقتران أو التعاقب الدائمي بينهما فإن انطباع وتصور أحدهما يستدعي في الذهن بشكل حتمي تصور الآخر، لأننا نعرف الكثير من الأمور الحادثة ولا نعرف لها أي أمر سابق أو مقارن لها باعتباره علتها، أي أننا لا نعرف أي موجود آخر مرتبط ارتباطًا دائميًا بهذه الأمور الحادثة بحيث يخلق فينا عادة تجعلنا نتصور أحد الطرفين بتصور الطرف الآخر. إذن لو أردنا ترجمة مبدأ العلية طبقًا للمعنى الحسي للعلة فسوف يُنقَض هذا المبدأ من قبل حالات متعددة. ومن هنا إذا أردنا أن لا نعتبر هذا المبدأ منقوضًا، فينبغي أن نفهم بالمعنى الذي فهمه هيوم بنحو ارتكازي، لذلك كان يقول مؤكدًا أنه لا يوجد في الطبيعة أي أمر تصادفي.

بعد هذه المقدمة نعرج الآن على فحوى مبدأ العلية. الموجود الحادث موجود ينوجد في لحظة من لحظات الزمان في حين لم يكن موجودًا قبل تلك اللحظة، مجرد أن لا تكون الماهية قديمة فهذا يكفي لأن لا تكون نسبتها للوجود نسبة ضرورية. بمعنى أنها ليست ضرورية الوجود. كما أن نسبتها إلى العدم أيضًا لن تكون ضرورية؛ لأن ضروري العدم أو ممتنع الوجود لا يمكنه أن يكون موجودًا في أي لحظة من اللحظات. إذن نسبة هذه الماهية أو هذا الشئ الحادث إلى الوجود والعدم نسبة متساوية، فلا هو ضروري الوجود ولا هو ضروري العدم. وبكلمة ثانية: إنه ممكن الوجود انوجاد الماهية الممكنة، يعني خروجها من حالة التساوي تلك ورجحان حالة الوجود، والرجحان بلا مرجح مستحيل ببداهة العقل. بمعنى أن من أحكام العقل البديهية استحالة الرجحان بلا مرجح، إذن انوجاد أية ماهية ممكنة بحاجة إلى مُرجح، واسم هذا المُرجح هو العلة.

والنتيجة هى أنه من المستحيل انوجاد أي ممكن -ومن ذلك جميع الحوادث- من دون علة. لذلك نقول أن لكل موجود حادث علة، والأفضل أن نقول أن لكل موجود ممكن علة. إذا قلنا أن موجودًا حادثًا لا علة له، فكأننا قلنا أن الماهية المتساوية في نسبتها إلى الوجود والعدم خرجت من حالة التساوي بدون خروجها من حالة التساوي، وهذا تناقض واضح. لأن السالبة الجزئية المذكورة كاذبة فنقيضها، أي الموجبة الكلية لكل موجود حادثة علة، ستكون صادقة.

حسب المكتوب أعلاه، فقد تم إثبات مبدأ العلية الذي يتحدث عن العالم الواقعي عن طريق الاستدلال القبلي. ويعارض هيوم هذا البيان معارضة أساسية، فمن وجهة نظره لا يمكن إثبات أيٍ من القضايا المتعلقة بالأمور الواقعية عن طريق الاستدلال العقلي المحض.

ويوافق هيوم في بحثه عن”الاحتمالات المبتنية على المصادفة” في القسم الحادي عشر من القسم الثالث من الفصل الأول لـ”رسالة في الطبيعة البشرية” مبدأ استحالة الرجحان بلا مُرجح، لأنه يقول في مقام إنكار المصادفة: اللافرق صفة ذاتية للمصادفة، لذلك لا رجحان لأي صدفة على صدفة أخرى. إذا اعتبرنا صدفة ما أرجح وأولى من صدفة أخرى فيجيب أن تذكر وجه الترجيح والأولوية، ونقول ما الذي جعل وقوع أحدهما أرجح من وقوع الثانية. أي يجب أن نتقبل وجود علة ستعني إنكار الصدفة.
على كل حال، هيوم يوافق مبدأ العلية باعتباره هدية من الطبيعة، وأنه يوافق هذا المبدأ بدون استدلال. يمكن تفسير هذه الموافقة على نحوين: الأول هو أن قبول هذا المبدأ بلا أي استدلال تجريبي، في هذه الحالة سيكون هيوم قد وافق ماعدا مبدأ امتناع التناقض مبدأ آخر من دون توسط التجربة، وهذا بحد ذاته خروج من ادعاء أصالة التجربة. التفسير الثاني هو أن هيوم يوافق مبدأ العلية كبنية للذهن البشري.

فريق الإعداد

إعداد: خالد أبو الخير

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...