تأخذك إلى أعماق الفكر

محمد مهدى عبد النبى يكتب: خواطر رقمية …

العجله والورق والكهرباء، أهم ثلاثة اختراعات بشريه عبر التاريخ، هم الأصل والباقي مشتقات مهما تنوعت ثورات العلوم واختلفت درجات التقدم والتطور . “راجع أي اختراع حولك حتما ستجد أصل مشارك و ظل مؤثر منهم”، وبتآمل الثلاثة نصل لحقيقة (الكثافة والقوة)، فكلما قلت الكثافة زادت القوة والعكس صحيح، وكذلك الظواهر المادية تقل كلما ارتفعنا من حاله العجلة إلى الورقة وصولا للكهرباء التي يعيش العالم الأن أدق ظواهرها المعنوية المتمثلة في الثورة الرقمية.

تبث الثورة الرقمية الآن نوعا جديدا من التحدي البالغ لأي قديم تقليدى وثقة مذهلة في منتجات معنويه محفوفه بمخاطر عالية، حتى وصل الأمر إلى العملات الرقمية التى تتسع رقعتها لحظيا سواء بالتحركات السعريه الحادة أو بالإصدارات المتتالية، وهو ما منحها مساحات واسعة من الجدال تعبر بها تدريجيا إلى تشريعها من قبل مؤسسات رسمية، تشريع أقرب إلى احتضان التجربة من قبولها، حتى لا تدور بعيدا عنهم وتخلق نظاما موازيا يسقطهم مستقبلا …

فقد بهتت جدا الأخبار الإقتصادية العادية أمام التحركات اللامعه والمذهلة للعملات الرقمية التي لاتعترف ولا تنتظر قرار الفائدة على الدولار الأمريكي،  الغريب أن الغالبيه من دول العالم المتقدم الأن مشغولة بتشريع الثورة الرقمية أكثر من انشغالها بإصلاح عيوب أدواتها التمويلية التقليدية …

فما عاد بريق الذهب عند 1300 دولار يغرى على الشاشات أمام انفجار صاروخ البيتكوين الذى يدور حول 15000 دولار، ولم تفلح رقصات مؤشرات الأسهم العالمية في جذب الانتباه الكافي رغم المستويات التاربخية المتتالية التي تحققها، ليبدو أن رأس المال يفضل الأن سرير العملات الرقميه على مسرح الأسهم …

حتى عودة النفط الضال إلى فوق مستوى 60$ باتت رحله مملة رغم كونها مريحه لميزانيات الدول النفطية، لتتأكد حقيقة مؤجلة مفاداها “أن مخرجات العقول تنتصر ولو بعد حين على مخرجات الأرض”

والأغرب أنه كلما ابتعدنا بالمستويات العمريه كلما زاد توصيف الأمر بالفقاعه الماليه، فمواليد الأربعينات حتى الثمانينات مازالوا يثقون في النظام المالي العالمي الحالي رغم خطاياه البالغة في حقهم، ومازالوا يقرأون و يفندون أدوات الاقتصاد القديمة من قرون سبقت، بل و يحصلون على درجات علمية فيها أيضا، حتى يواجهون صدمة البيتكوين و أخواته بتوصيف قديم أغلبه سلبي و لكنه مريح … ” الفقاعة المالية ”  …

وهناك جزء لا بأس به من مواليد الثمانيات حتى أصغر شاب عاقل يرى الأمر كله بزاويا مختلفه تماما، إن كانت فقاعه وهمية فلابد أن تتسع أكثر وأكثر  وتضمنا جميعا حتى نجعلها حقيقة تتسق مع الحاضر وتناسب المستقبل، وإن كانت غير ذلك فنحن الآن غير ما كنتم عليه في أعمارنا، وعلى أية حال تغيير النظام المالي قادم والسوق مفتوح والمتاجرة مستمرة

إحراج الثورة الرقمية يصل أيضا إلى الشعارات الإنسانيه المزمنة، فحلم مجتمعات الصفوة الذكية أكثر قابلية للتحقق الآن من أي وقت مضى، الثورة الرقمية تطرد الأغبياء، وكذلك حلم العملة الموحدة لمن تجمعهم قواسم الدين واللغه والثقافه بات أكثر قربا فى ظل الثورة الرقمية … حتى أحلام العدالة المالية والثراء السريع جدا أصبحت واقعا متناقضا يتشكل لحظيا على ضفاف الثورة الرقمية …

والممتع في العملات الرقمية أنها تشبه تماما في حركتها الحاله المزاجيه لأغلب الناس في العالم الأن، فالأخضر الداكن أفراح عارمة لا تعرف مستهدف ولا منتهى، والأحمر القاتم غضب بالغ يسلم حاله لحزن كبير في انتظار التقاط أنفاس السيوله، حتى بات الفرق بين التعامل مع العملات الرقمية الأن و قبل شهر هو ذات الفرق في تجربة قراءة حروف كلمة ( انتحر )، وكلمة ( انت حر )، المسافه صنعت الفارق وكذلك السيوله …

وأخيرا … لا يمكننا تجاهل مخاطر الثورة الرقمية التي تظهر بين الحين و الاخر، ولكن الأخطاء التاريخية المتراكمة للثورات الصناعية أكبر خطرا إن استمرت، فالعجله دارت والورق يترقم وكهرباء المستقبل ستمس الجميع بلا محاله …

 

 في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك:

المدرسة الكلاسيكية ورواد الفكر الأقتصادي

كيف يتم صناعة المنتج الأكثر حساسية وغموض “صناعة النقود”

هل يستمر صاروخ البيتكوين ؟!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.