تأخذك إلى أعماق الفكر

حكايات الكبر والعشرة والوحشة في “حجرتان وصالة”

حجرتان وصالة مجموعة قصصية للكاتب إبراهيم أصلان

كنت أتجول ساحة المكتبة بحثًا عن رفاق جدد، وترددت قبل أن أطلب من البائع أن يريني الجزء المخصص للقصص القصيرة؛ فلا شيء يخيفني سوى اقتناء مجموعة قصصية. هذا الفن الذي بدأ غريبًا وعاد غريبًا؛ فلم يعد يكتبه كثيرون وكذلك قُراءه يُعدون على الأصابع.

تكمن صعوبة اقتناء مجموعة قصصية في أنك لا يمكنك أن تطلق حكمًا مطلقًا عليها، ولا يمكنك أن تقيمها كما تُقيم الرواية؛ فالرواية عبارة عن كتلة أدبية واحدة تناقش نفس الموضوع لتصل لفكرة واحدة، ومع الوفرة في السرد الذي تتميز به الرواية تستطيع أن تقيمها بكل سهولة وتقرر ما إن كان هذا العمل جيدًا أم لا. أما المجموعة القصصية كعمارة مكونة من عدة طوابق لا يمكنك أن تقيمها ككتلة بل عليك أن تلج إلى كل وحداتها لتعرفها. ربما تعجبك وحدة ولا تعجبك أخرى، أما الرواية إما أن تعجبك كلها أو لا تعجبك جميعها.

في كل مرة كنت أعجب بمجموعة قصصية وأبتاعها كنت أشعر بالندم؛ فلم أكن أخرج من المجموعة بأسرها سوى بقصة واحدة في أفضل الحالات. إذا أردت أن تخبئ شيئًا فادفنه في مجموعة قصصية وأحطه بقصة جذابة وأكتب بعدها ما يحلو لك. هذا الفن الأدبي المهجور هو أكثر الفنون الأدبية امتاعًا بالنسبة لي؛ بل إنه كان بوابتي للأدب أول ما شرعت في قراءة وكتابة الأدب.

حجرتان وصالة:

لما وقفت أمامها شعرت بشيء من التردد يعقبه خوف “ستكونين مثلهم جميعًا”، الاسم غير جذاب بالمرة؛ يبدو مألوفًا ولا يثير في ذهنك سوى الشعور بالضيق والضجر، ويذكرك بأجواء البيت الكئيبة، وتزداد كآبتك حينما تدرك أن أحداث كل المجموعة ستدور فقط في حجرتين وصالة.!

إعلان

ابتعت المجموعة على مضض؛ لأنه لم يكن بُد من شراء مجموعة قصصية كي أعدل كفتي التي مالت بالكامل للراوية رغم عشقي الدفين للقصة القصيرة، ينبغي أن أحارب من أجل هذا الحب حتى ولو كان حبًا مستحيلًا.

حتى بعدما ابتعتها ظل صراعًا داخليًا يؤرقني أأقرأها أم انتظر. في كل مرة كنت أمد يدي لأتناول كتاب جديد كنت أتجاهلها، وأتناول رواية من فوقها أو تحتها ولا تمتد يدي لها. وأرجأت قراءتها حتى النهاية. حينما تجاوزت غلافها لأول مرة وقرأت أول قصتين شعرت بالملل، وأصبت بإحباط تام وقررت ألا أعود لقراءة القصص القصيرة مجددًا!

إلى أن سخر أحدهم مني حينما وجد هذا الكتاب مهجورًا ولم اتجاوز في قراءته سوى بضع صفحات وقال لي ساخرًا “كيف تزعمين أنك تحبين القراءة ولم تتجاوزي عشر صفحات ولم تتمي قراءة هذا الكتاب”، كان لزامًا عليّ أن أكمل هذه المجموعة التي سببت لي الحرج…فليكن ما يكون!

حكايات الكِبر:

حكايات الكِبر

الطفولة والشيخوخة وجهان لنفس العملة، عملة الوهن والضعف وعدم نضوج العقل…هكذا هي عجلة الحياة. من عاشر أشخاصًا تخطت أعمارهم الستين وأطفالًا أقل من ست سنوات سيدرك أنهم جميعًا في مرحلة واحدة، ومن يجيد التعامل مع الأطفال قبل السادسة سيتقن التعامل مع من هم فوق الستين. في هذه المرحلة العمرية (الست أو الستين) يكون الإنسان متمردًا قلقًا شغوفًا، لا يمل البحث والاستكشاف، يريد ألا يكون لأحد وصاية عليه ليثبت للجميع أنه كبر، أو أنه لم يكبر بعد. التعامل مع البشر في هاتين المرحلتين ليس باليسير؛ ينبغي أن تتعامل بشيء من الحذر فلا تتمادى في الموافقة فيظنون بك أنك تستخف بعقولهم ويتمردوا عليك، وكذلك لا تتمادى في النقد فتغضبهم.

أبو سليمان حينما جاوز الستين طالت جلسته في المنزل وطال معها تأمله، وأول ما لاحظه هو أن ابنه سليمان قد ازداد طوله عن الشهر الماضي؛ لكن زوجته تستقبل الأمر بشيء من التهكم.

“هو الولد سليمان طول؟”

رفعت وجهها وهي قاعدة على السرير وقالت: “سليمان مين؟”

“سليمان ابنك”

“ماله؟”

“هو طول؟”

“طول إزاي يعني؟”

“يعني بقى أطول من الأول؟”

“الأول امتى؟ وهو صغير؟”

“لأ. طول عن الشهر اللي فات مثلًا”

“ليه، هو في حد بيطول وهو عنده تلاتين سنة؟”

أبو سليمان تدبر الكلام وسألها:

“أمال أنا اللي قصرت ولا إيه؟”

وهي قاسته بعينيها من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى، وقالت: “أنا عارفة”

حكايات العشرة:

لن تعرف بالتحديد معنى المصطلح الذي تسمعه كثيرًا “العشرة” حتى تقرأ هذه المجموعة. يقولون إن الحب يتشكل بعد الزواج ليكون ما يسمى بالعشرة؛ لكن ما هي العشرة؟ هي مزيج من التعود والتفاهم والألفة مع بعض من مودة ورحمة تجعل أحدهما يشفق على الآخر. العشرة والحب شيئان مختلفان؛ الحب لا يصنع العشرة، بينما العشرة قد تنطوي على الحب وحتى وإن لم تنطوي على حب فهي قد تدفع عجلة الحياة للدوران أما الحب وحده لا يكفي لسير الحياة.

أبو سليمان وأم سليمان لا يبدو عليهما أنهما زوجين رومانسيين؛ لكن تبدو بينهما عشرة وطيدة. رغم كل تلك السنون التي جمعتهما ما زالت هناك أشياء يكتشفها كل منهما في الآخر، وما زال كل منها يسعى لإسعاد الآخر، وما زال الحوار بينهما قائمًا ولم تمت الكلمات في حناجرهم.

العمل والبيت والأولاد قد ينسي كل من الأب والأم نفسيهما حتى يذهب كل هذا ويوصد عليهما الباب من جديد ويعود كل منهما يفتش عن ذاته وعن شريك حياته. أبو سليمان ظل ثلاثون عامًا يأكل الفول بغير الطريقة التي يحب دون علم زوجته، ولكنه اكتشف فجأة بعد الستين أن طعمه هكذا لا يروقه وعلى زوجته أن تعده بالطريقة التي يحب.

“عدس أصفر”

وقالت” على الفول؟”

قال: “آه”

أخبرته أنه طول عمره وهو يأكله بالأرز: ” جاي بعد تلاتين أربعين سنة تقول عدس؟”

وهو شرح لها كيف أنه عندما طلب منها قبل ثلاثين أو أربعين سنة أن تضع عدسًا أصفر بدلًا من الأرز، أخبرته أيامها أن الأرز أفضل، وهي عندما أخبرته بذلك تصور أنها تفضل الفول بالأرز وتريد أن تأكله هكذا؛ ولذلك تركها تعمله بالطريقة التي تحبها، لكن بما أنها لم تعد تأكل الفول، لذلك هو يسأل لماذا لا تضع العدس الأصفر بدلًا من الأرز الأبيض؟

وحقيقة الأمر أنها سمعته لغاية ما خلص من كلامه وهي واقفة مكانها ثم دخلت حجرة النوم ولم يعد يراها. اعتدل في قعدته وراح يتفرج على التليفزيون ثم بدأ ينام وهو قاعد.

عندما عملت قدرة الفول الأخرى جلست وأكلت منها، ولما رأته سألته عن رأيه في الفول، وقال إنه معقول مع أنه أكل جبنًا أبيضًا ولم يأكل منه، وقالت:

“إلا معقول؟ ده طعمه النهاردة زي الزبدة” وأخبرته أنها عملته هذه المرة بطريقة جديدة تمامًا، وبينت له كيف أنها وجدت عندها بقية من العدس الأصفر، وفكرت أن تجرب وتضعها بدلًا من الأرز الأبيض، وفعلًا وضعتها بدلًا منه واكتشفت أن ذلك جعل طعمه: “زي الزبدة”.

ربما بعد ثلاثون عام تكتشف في نفسك أو في شريكك ما لم تكن تعلم.

سألها إن كانت غاضبة من كلمة “أنا أعتقد”، وهي تركت ما بيدها وقالت إنه ليس معقولًا أن يظل طوال النهار وهو عمال يعتقد.

قال: ” هو أنا باقولها كتير والا إيه؟”

“كتير. إنت كل كلامك أعتقد. كل حاجة لازم تعتقد. قدام التليفزيون أعتقد، فلوس الإيجار أعتقد، العيش أعتقد، فاتورة الكهرباء أعتقد، التليفون أعتقد، نور السلم أعتقد، الزبال أعتقد، البواب أعتقد، يعني مفيش حاجة تحصل إلا وأنت أعتقد”.

وهو سمعها حتى انتهت من كلامها وشعر بنوع معين من الحرج وبأن قلبها أسود وقال: ” يا ساتر! دا أنتِ فاكرة كل حاجة”.

وأخبرها أن أي إنسان في الدنيا يفعل مثل هذا، ويقول أعتقد دون أن ينتبه، تأكدي أنه يفعله بسلامة نية، ولا يقصد شيئًا أبدًا. وهي قالت فيما يشبه الاعتذار إنها لا تقول هذا الكلام من أجل نفسها أبدًا، وإنها ياما تحملت؛ ولكنها تقوله من أجله هو، لأنها أثناء وجود أي ضيوف ” بابقى قاعدة في وسط هدومي”. قال وهو ما زال يرى نفسه دون ساقين في مرآة الدولاب المفتوح وراءها ” معاكي حق طبعًا”.

لما اكتشف أبو سليمان في زوجته أنه تفزع إن رأته فجأة ويصفر وجهها؛ صار يأخذ احتياطاته كي ينبهها لوجوده كي لا تفزع:

لم تكن في الصالة، اتجه إلى الحجرة الكبرى وأطل بدماغه أيضًا من صدغ الباب ولم يجدها، وأدرك أنها في المطبخ؛ حينئذ جلس في المقعد الكبير بالصالة وأمسك بكوب الشاي الفارغ وراح يضرب جدرانه الخالية بالمعلقة الصغيرة ويصدر رنينًا متصلًا حتى ينبهها إلى مكانه. راح يكرر ذلك مرارًا وعيناه مثبتتان على مدخل المطبخ المفتوح حتى فوجئ بها تأتي على الخبط من الحجرة الكبرى وتسأله: ” بتعمل إيه؟”

وقال: ” أبدًا”، وترك المعلقة داخل الكوب واعتدل على المقعد.

حكايات الوحشة:

بعد زواج الأبناء ورحيلهم عن منزل والديهم يشعر الأبوان بشيء من الفراغ والوحشة، وأكثر من يشعر بذلك هي الأم؛ لأنها أكثر من أنفق عمره وساعاته مع هؤلاء الأبناء، وبعد رحيلهم يكون التأقلم صعبًا عليها.

” أنا من رأيي أنك ما تطلبيش من حد فيهم يبات، اللي عاوز يبات يبات واللي مش عاوز هو حر”

وكانت تقول:

” هو أنا اتعلقت في رقبته؟ ما اللي يبات يبات، واللي ما يباتش عنه ما بات”.

وإذا نامت يوم السبت في سرير الولد الكبير تنام الأحد في سرير الولد الصغير. وهو انتبه إلى أنها نادرًا ما نامت إلى مثل هذا الوقت من اليوم، وخطا داخل الحجرة وانحنى لكي يرى تردد نفسها تحت الغطاء ورغم أنه ظل محنيًا محدقًا في المكان الذي توجد بطنها تحته، والذي يجب أن يرتفع وينخفض إذا تنفس الإنسان إلا أنه لم يلحظ أي حركة وقال في سره: ” مصيبة يا واد يكون جرى لها حاجة”.

نحن لا نخشى سوى فراق اللذين نحبهم، أو بالأحرى اللذين لا نتخيل حياتنا بدونهم. لأول مرة على طول المتتالية المنزلية التي بين يدينا يتم ذكر اسم أم سليمان وأبو سليمان بعد وفاتها ” إحسان”؛ وكأنها كناية عن تفتت حصن الأسرة برحيلها. مع رحيلها بدأ الأستاذ خليل ” أبو سليمان” يشعر بوحشة شديدة، وكلما صادفه موقف ما كان يقول” الله يرحمك يا إحسان” كان يتخيل حواراتهما في كل موقف يمر به، ماذا كانت لتفعل؟ ماذا كانت لتقول؟ فلا يملك إلا الترحم عليها وأن يمضي قدمًا في حياته وهو يترحم عليها.

حجرتان وصالة لـ إبراهيم أصلان مجموعة قصصية قريبة، لن تحس معها بالوحشة. هي حكايات بسيطة في لغتها وسردها وحبكتها، لا تكلف فيها لأنها تشبهنا، أكاد أجزم أن لا أحد سيقرأها إلا وسيرى نفسه أو أحد والديه أو أقاربه فيها. حجرتان وصالة هي تجسيد للأدب الذي نُحب أن يغزو المكتبات، لم نعد في حاجة لأدب مُتكلف لغويًا، ولا لقصص لا تشبهنا ولا تدعم واقعنا…نريد أدبًا مثلنا نرى أنفسنا فيه؛ فنبتسم حين نقرأه كيف رآنا الكاتب دون أن يعرفنا. حينما دخلت إلى عالم “حجرتان وصالة” كنت أظنه ضيقًا كئيبًا؛ أما الآن أصبحت أرى نفسي فيه أرى نفسي في فزع أم سليمان حينما تفاجئ برؤية أحد، وفي نقاشاتها مع زوجها. ربما رأيت أم سليمان على الحقيقة، ربما تشبه والدتي، وربما أبو سليمان يشبه أبي، وربما أصير مثلهما حينما أكبر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...