تأخذك إلى أعماق الفكر

بعض نكهةٍ من جولةٍ قصيرة!!

قُبيل السفر تجولُ مشاعرك وروحك في فضاء من الأحلام المزدهرة، مشاهد وخيالات متألقة، تحسب الأيام المقبلة كأنها من أيامك في الجنة، لا همّ فيها ولا غمّ، تستعير بعضها لتعيشه وتدّخر ما تبقى؛ نساء من الحور، بحار وأنهار، جبال وهضاب، خضار وازدهار، أجواء لا حرّ فيها ولابرد تفوق الربيع اعتدالًا..

حينما حطّت قدماي على العاصمة مدريد كان للساعة سرعة عجيبة، ينقضي النهار في نصفها والليل في نصفها الآخر. مضى اليومان كساعتين، جلتُ بعدها في مدنٍ أوروبية أخرى تتسم جلّها بقدم حضارتها وجمال بنيانها وتنظيمها المتقن.

وصلت إلى جنيف التي لم أكن لأقصدها إلا كمعبر لمدن سويسرية اتسمت بطبيعتها الساحرة كما صوّر لي؛ خضار وجبال راسيات مكتسيات بأشجار السرول والصنوبر تخرج من خلالها مياه شلالات، جمالها يفوق تشبيهها بشعر الحسناوات، تصبّ في بحيرات غاية في النقاء تكاد ترى قاعها إذا دنوت، وترى انعكاس المنظر فيها إذا ابتعدت .. إلا أنّ منخفضًا جويًّا أصاب المنطقة حال دون زيارتي لهذه الطبيعة الخلابة التي قصدتها.

جلتُ في جنيف، المدينة العريقة التي تُقدّس من يزعم بمؤسسها، فبني له ضريح يبلغ ارتفاعه ١٠ أمتار. لم يُدفن فيه، بل وحفظ في قمته كأنه يراقب ما يفعلون في مدينته التي أورثهم، يحرس ضريحه تماثيل قابعة في القمة فلا ترى سوى الطير قربه، والمدينة كأنها واحة البحيرة في كلّ أرجائها تعانقها نافورة مندفعة إلى الأعلى عابرة للسحب وتكاد تلامس السماء. تسلّقت إلى قمة لم أدرِ أهي غابة أم جبل مكسوّ بالشجر تتوسطه ذات البحيرة وتنظر من خلاله لجبال أخرى ذات قمم أعلى، رؤوسها ترتدي الثلج قبعة، سبحان من صوّر..
ما دفعني لكتابة هذه السطور هي سويعات مغادرتي من جنيف إلى باريس عبر القطار السريع الذي يمرّ عبر المناطق الريفية لسويسرا، وما رأيت من مناظر لا تخطر على بال..

صعدت على متن القطار الذي بدأ التحرك ببطء، وضعت سمّاعة الأذن ودوزن محمد الامين (مغني سوداني شهير) بـ”الحب والظروف”، بدأ القطار يزيد سرعته إلى حدود المتوسط. وكما هو معروف، فإن جنيف مدينة صغيرة، ما هي إلا دقائق معدودة وكنا قد وصلنا إلى ريفها وبدأ الجمال يتجلى ومحمد الأمين يدندن “قلنا ما ممكن تسافر”.. مزيج متناسق بين الطبيعة البكر والتكنولوجيا الحديثة والموسيقى المتقنة والكلمات التي تحرك المشاعر؛ تسلل القطار عبر كهوف صناعية داخل جبال طبيعية، فلا ترى عبر نافذته غير ظلام حالك وبضع أحلام يقظة تفسح المجال لخيالك لينفذ عبر فراغات الكهف غير الموجودة ليرى ما وراءه، تشويق تعجز هوليوود عن إنتاج عمل يضاهيه. ينقشع ظلام الكهف والسحاب يغطي أشعة الشمس، والأحلام كانت دون مستوى الواقع.

إعلان

خضار مدّ البصر، تلال وهضبات، منازل خشبية قديمة، أشجار وأشجار وأشجار.. وسط كل هذا بحيرة زرقاء صافية كلون السماء تعكس صورة جبل أخضر الكساء، “والفصل مازال الشتاء”، يتخلله ماء مندفق بقوة يجذبه جمال البحيرة لا جاذبية نيوتن متغلغلًا في أحشائها كحبل سرّيّ يربط أمًّا بمولودها، فالمشهد قصة حب بين جبل وبحيرة.

ازدادت سرعة القطار وتكرّر المشهد مرات ومرات حتى تحسست نافذة القطار أحقيقة هي أم أنها شاشة تلفاز تعرض وتعيد، ولكنها بدت حقيقية.. مع صولو الكمان في “بتتعلم من الأيام” تغير المشهد، اكتست المنطقة بالثلج فبدأ لون العشب إلى الرمادي في امتزاج الأخضر بالابيض، والأخضر في المناطق التي ذابت فيها الثلوج، والسماء بيضاء وأشعة الشمس بدأت تنهدل من أواسط السحاب، تشعرك كذبًا بالدفء، صراع مستمر ما بين شمس وغيم، ثلج وماء دام حتى توقف القطار على محطة قار دي ليون..
وصلنا باريس وفي باريس حكاية أخرى!!

مساهمة عمر ياسر من السودان

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.