تأخذك إلى أعماق الفكر

ثورة أم مظاهرة في فرنسا؟

أُراقب منذ أسابيع تطور حالة التذمر الفرنسيّة وأجد نفسي لا إراديًّا مضطرًّا لمقارنتها بأحداث يناير المصريّة، مع الفارق -بالطبع- بين المعطيات والمخرجات.

منذ انتخاب (ماكرون) رئيسًا لفرنسا، اكتشف الفرنسيون هذا الشاب الذي أراد لنفسه حجمًا أكبر مما تتيحه مواصفاته وإمكانيّاته؛ حتى أنه عبّر عن نظرته للعامة من أفراد شعبه بشيءٍ من التعالي، في حين أنه التجأ للصفوة منهم بشيء من الموائمة والتملُّق. وبأسلوب أكاديميٍّ ونظريّ، استمر في اتخاذ الإجراءات الإقتصادية لدعم الانفتاح والاستثمار الرأسماليّ على حساب الطبقة الوسطى الأكثر سدادًا للضرائب والأكثر تحملًا لأعباء الدولة المركزيّة، فكانت مجموعة من الإجراءات، مثل:

– خفض دعم الدولة للمحافظات والبلديّات البعيدة عن العاصمة، مطالبًا العُمداء والمحافظين بتمويل ميزانيّات مناطقهم عن طريق زيادة الضرائب العقاريّة المتنوعة.
– خفض قيمة المعاشات للحدِّ الأدنى لكل الفئات التي انتقلت من مرحلة العمل إلى مرحلة المعاش.
– زيادة ضرائب الدخل العام وضرائب كسب العمل مع خصمها من المنبع -أي من الرَّواتب- سواء بالنسبة للعاملين في الوظائف الحكوميّة، أو في الشركات الخاصة.
– إضافة كم من الرسوم الجديدة على مختلف أنواع السلع والخدمات.
– زيادة الضريبة على المحروقات (السولار والبنزين) بدرجة جعلتها تمثل أكثر من 65% من قيمة بيعها، وهي الزيادة التي مثَّلت نقطة انطلاق حركة التذمر؛ إذ أنها عبّرت صراحة عن إهمالٍ منقطع النظير لفئات عديدة من الفرنسيين المقيمين خارج الحضر، والتي تعتمد كل حياتهم على التنقُّل بسياراتهم، سواء للعمل، أو للمدارس، أو للتسوق، أو للعلاج، إلخ.

الحقيقة أنّ حالة التذمر التي بدأت منذ أسابيع على صفحات (الفيسبوك)، جمّعت بسرعةٍ فائقة كم كبير جدًا من المتذمرين على “الطحن الضريبيّ”، الرافضين لوضعهم موضع البقرة الحلوب. وقد يكون استخدام (الفيسبوك) هو الشيء المشترك مع يناير المصريّة؛ ولكن الاختلاف أنّ الحركة بدأت بسيدة، ربة أسرة، قامت بنشر دعوة مفتوحة لكل المتذمرين من ضريبة البنزين، بارتداء سترة النجاة الصفراء المتواجدة إجباريًّا داخل كل سيارة، والنزول إلى الشارع والسير على الأقدام في الطرق لتعطيل المرور، ردًّا على كلمة الرئيس (ماكرون) الذي قال فيها: “يكفي عبور الطريق لإيجاد عمل بدلًا من انتظاره في البيوت”.

إعلان

وجد هذا النداء تجاوب فوري من مئات الآلاف من روّاد (الفيسبوك)، فقرروا تحديد موعد للنزول الكبير يوم السبت 17نوفمبر. وبالفعل، وفي أكثر من ستة آلاف موقع في كل أنحاء فرنسا، خاصة فى الأرياف، اجتمع فيها أعدادٌ ضخمة من المتذمرين، وصل عددهم وفق إحصائيات المتذمرين إلى عدة ملايين، أو وفق وزارة الداخلية إلى 300 ألف شخص.

الملفت للنظر ثلاثة أشياء:

– الفئات العمرية للمتذمرين من ذوي السترة الصفراء؛ بدءًا من الأطفال بالمدارس إلى كبار السن ممن زادت أعمارهم عن الثمانين عامًا. كما أنّ الفئات المهنية جمعت من كل أطياف المجتمع سواء من أصحاب المهن الحرّة إلى العمال أو الموظفين أو الفلاحين.
– طالب كلُّ المتذمرين بعدم تدخل أيّ حزب، أو نقابة، أو جهة سياسية في حركتهم لمحاولة احتوائهم أو الاستفادة منها، حتى أنهم هاجموا وطردوا من بينهم أي شخص له ميول سياسيّة معروفة.
– وفقًا للإحصائيات الرسميّة حتى تاريخ الأمس، تعاطف أكثر من 90% من الفرنسيين مع حركة السترات الصفراء، وحتى إن لم ينضموا لهم؛ لكنّهم عبّروا عن تفهمهم الكامل للحركة.

استمرت الحركة في التصعيد بعد السبت الماضي، ولأنها بلا قيادة مُسيّسة أو زعامة ما، بدأت المطالب تتزايد في كلِّ الاتجاهات، حتى وصلت إلى المطالبة بإقالة (ماكرون)، وإلغاء البرلمان، وإلغاء الدولة، إلخ. ثمّ تمَّ التوجيه من فئة منهم بالتوجه إلى باريس العاصمة اليوم السبت 23نوفمبر للتعبير عن مختلف المطالب.

  • أما أحداث اليوم، فإنها معبِّرة عن أحداث سياسيّة خطيرة لأنها غير مُسيّسة وبلا قيادة، ولا يوجد بها من يتحاور مع الدولة. فقد توجَّه بِضعة آلاف إلى باريس (8 آلاف وفق الداخلية)، واستمر باقي أعضاء الحركة في تعطيل المرور على الطرق في مختلف أنحاء البلاد. وبالطبع، اندسَّ وسط هؤلاء الذين قَدِموا إلى باريس -بحُسن نيّة- بعض الفئات من الراغبين في تسخين الموقف والاشتباك مع الأمن وتكسير المحلات؛ فكانت الفوضى متمركزة أساسًا في أشهر شارع بباريس (الشان زيليزيه) وهو شارع لم يعهد على المظاهرات منذ سنة 1934. ولم ينتج عن ذلك إلا الإصابات المتوقعة وبعض الاتلافات، ولكن من غير المتوقع أن تهدأ تلك الحركة إذا استمرت الحكومة والرئيس (ماكرون) في تجاهل مطالب هذه الفئات، والتي في معظمها لم تشترك طوال حياتها في مظاهرة واحدة. فإن كانت السيدة المسنة أو الرجل العجوز الذي خرج من بيته لأول مرة ليعبّر عن عدم قدرته على تحمل أعباء المعيشة، فمن المتوقع أن يقوم كل الشعب الفرنسي بثورة جديدة تعاطفًا مع هؤلاء الشيوخ والسيدات.

ولكنّ (ماكرون) خرّيج بنوك روتشيلد، قادر على الاستماع إلى من سيرشده إلى كيفية المناورة.

فريق الإعداد

إعداد: علي الحفناوي

تدقيق لغوي: مرح عقل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...