تأخذك إلى أعماق الفكر

تشكيل الأمثال الشعبية للوعي الجمعي

عدّة أشياء شكّلت وتُشكّلُ الوعي الجمعي لدى أي أمّة من الأمم أو فردٍ من الأفراد، منها على سبيل المثال لا الحصر: الإعلام، الدين، السياسة، الألعاب، والثقافة الشعبية التي عاشها الإنسان في بيئته وتلقّاها منذُ نشأته ووصولًا إلى كهولته، واستمرّتْ معه دون أن يخلخلها أو على الأقل أن ينظر للعالم بعين عقله كيف يعيش؟
إنّني هنا سأضع أشدّ الأشياء خطورةً، وفي ذات التوقيت، أشدّ الأشياء حاجة لها في استعمالنا العمومي، أو في الفضاء العمومي، فالأشدّ خطورةً هي التي تعلو على الأشياء التي نحن بحاجة لها، حيث صبغت العقل الليبي خصوصا والشرق أوسطي – شمال أفريقي عموماً ، وهي “الأمثال الشعبية” التي هي فرعٌ من الثقافة الشعبيّة، قالها كبار السنّ في واقعةٍ ما، وفي زمنٍ مضى، وجب تفعيلها لحاجتنا الراهنة لها، أو إلغائها لخطورتها الشديدة على الفكر والعقل والمجتمع .

أشدّ الأمثال خطورة

أمثال الحروب والأزمات

يستعملُ الليبيون في اشتداد الأزمات والمحن، أمثلةً ساقها الكلام وشدّة الحاجة وقتها إليه، فقالوا في مثال مشهور:

“اخطا رأسي وقص”

بمعنى : أي كارثة أو حرب، يجب أن يبتعد عنها رأسي، بينما بقيّة الرؤوس فلا حلّ لها سوى القصّ والجزّ. هذا المثل لا زال مستعملاً لدى الأوساط الشبابيّة، والغريب أنني أسمعه في المقاهي وفي مدن كالعاصمة طرابلس، دون أن ينتبهوا لخطورة هذا المثل الذي تربّتْ عليه أجيالٌ كاملة عاشت الخنوع والخضوع، والابتعاد قدر الإمكان عن مساعدة الآخرين في اشتداد الحروب والأزمات، وخصوصًا في حرب -زوبعة الربيع العربي التي قادها الشباب الليبي عام ٢٠١١ .

استمرّ هذا المثلُ شائعًا بين الشباب، وردّده الأطفال، حتى إن وجدوا جريحًا أو إنسانًا يحتاج للماء أو للمأوى والحفاظ على حياته لتركوه صريعًا في مأساته؛ بمبدأ “أريد أن أنجو، بينما تُقصّ كلّ الرؤوس”!

هناك مثلٌ آخر يستعمله اللّيبيّون، وهو

إعلان

“خالق الرأس قاطعه”

هذا المثل يُستعملُ للدلالة على الخوض في غمار أشدّ الأزمات فتكًا، كمثل الحرب التي لا تبقِ ولا تذر في ليبيا أو سوريا أو اليمن. وهذا المثل كفيلٌ بجعل الوعي الجمعي معرّضًا للسخرية ومحطًا للسخافة؛ لأنه وبطبيعة الأمر والحال هذا المثل لا يقدّم للعقل والوعي صورةً واضحةً لأزمة من الأزمات، فالحكيم عليه أن يهدّأ من روعه ويدرس الأزمة والمشكلة بصبرٍ وتأنٍّ وتُؤدة.

وهذه أحد أسباب الصراعات المشتعلة بليبيا، أنّ الفرد يقدمُ على الحرب والمشكلة ويضرب ويقتل، جاعلًا من فعله المشين هو عين الحقّ والحقيقة، فلا هو يحتاج لتأمل ورويّة وحكمة حتى يحلحل الأزمة ويصل لنتائج وحلول لعلها تنقذ الموقف والمشكلة، ولا هو صابرٌ على الازمة حتّى يفهمها ويعيها، بل يعي مخاطرها ؛ فلا بأس ، فنحن أمّة السيف والشجاعة والجهاد كما يساغ في الوسائل الإعلاميّة والمناهج التعليميّة !

مع أنّ الملاحظ على المثل الأول والثاني بينهما تناقضٌ كبيرٌ، لو ركزنا قليلًا، فالمستعمل لهما نجده أحيانًا نفس الشخص، تأخذه الحمية الجاهليّة، وأحيانًا يأخذه الخوف والرعب.

أمثال التعليم

هناك جملةٌ أخرى يستعملها المعلّمون في ليبيا وهي

“ بيك والله بلاك المرتب ماشي “

هذه الجملةُ تقال حينما يكون الطّالبُ مشاغبًا وغير مهتمٍّ بفروضه الدراسيًة، أو قليل التعاطي مع الدّرس؛ أحيانًا لضمور الذكاء، أو لعدم اهتمام والديه به، أو نتيجةً لمشاكل عائليّة يكون الطالبُ متخلّفًا عن واجباته وفهمه للدرس، وهنا لا يراعي المعلّمُ المشاكل التي يمرّ بها الطالب، خصوصًا في هذه السنوات التي تثقلُ كاهل الطّلاب أحيانًا بالعمل ليساعدوا أهليهم أو نتيجةً لضائقة ماليّة يكون الزّوجَ غضبانَ على زوجه، فيقعُ الطفل في شبّاك ومرمى نيران الطّلاق أو الانفصال .

هنا يأتي المعلّم ويقول هذه الحملة، ولعلنا سنقولها بالفُصحى مع بذائتها العقليّة والسلوكيّة : كتبت أو لم تكتبْ، مرتّبي ستعطيه لي الدولة، أو بقول آخر : إنّني أتلقّى مرتبّي من الدّولة ، رغمًا عنك أو برضاك ! متناسيًا هذا المعلّمُ أنّ مرتبه رهنٌ بوجود الطالب، فلولا الطلاب والتّلامذة لما كانت هناك مدارسٌ ولا معلّمون ولا وزاراتٌ للتعليم ؛ لكنّ العزّة والأنفة تأخذ الأكثريّة بالإثم والعدوان، حتّى يكون الطالب ضحيّةً لواقع تعليمي، وسلوكي مأساوٍ جدّا ، لذا سيقول الطالب : مالي وللتعليم إذا كان وجودي من عدمه لا يساوي شيئًا في نظر المعلّم ، إنّ الإنحراف لهو الفضيلة ، أو تجارة الحشيش والمخدّرات أربحُ وأنفعُ لي من هذا، وسط السوط والعذاب الذي يلحقُ بي كلّ صباح ، وكمّ هائل من الشتائم التي أتلقّاها من المدرسة.

وهناك نماذجٌ وأمثلةٌ كثيرةٌ في هذا الصّدد ، ولا أبتعدُ كثيرًا إن قلت أنّ كلّ مدرسة بالمجتمع تعيش واقعها المأساوي والبائس، في ظلّ تجافٍ للعلوم السلوكيّة والمعرفيّة، كعلم النّفس، والفلسفة أو الحكمة، حتّى نعرف كيف نصلح الأمور .

إنّنا بحاجةٍ إلى التفلسف، والفلسفة في أقصى رغبة يمكن أن تحلّ الكم الهائل من الكوارث، لقد نعت آباءُ الفلسفة بأنّها “حكمة“ وذلك هو المغزى الذي ينبغي فهمه .

ولم يكن نعتهم هذا من فراغ؛ فلأنّ التفلسف حلًا لا يغدو مهمّا في نظر الكثيرين ببلداننا، ولأن علم النفس أيضًا في حاجة ملحّة له، لا يبدو أنّه مهمّ لمن يسيطرون على المجتمع ويوجّهونه بالخرافات والأساطير والأوهام، ويحكمون النّاس فيه بعقدة الخوف والذّنب والطّاعة العمياء، وأحيانًا بالضرب كحال الطّلاب بالمدارس.

فلو ركزنا قليلاً لوجدنا أنّنا نصنع الطّغاة ونشكّل الإستبداد، ونولّدُ المستبدّين ، وأجيالًا من المنتقمين، والشّواذ فكريًّا وعقليًّا، والمضطربين نفسيًّا وسلوكيًّا، في غيابٍ تام، لأهم العلوم المعرفيّة في العالم : الفلسفة، وعلم النّفس .

إن المثالين السابقين، والجملة التي أتبعتها بهما، يظلاّن عالقان في أذهان الناس مستقبلاً، نتيجةً لأمرين : غيابُ الوعي بالفلسفة، وعلم النّفس ، والآخرُ : محو هذا اللغو الذي يشين فكر الفرد، بنقده وتبيان مآلاته التي تستتبعُ الفرد ، وتجعله رهينًا لأسوأ الأشياء حالاً في العالم: التطرّف، والتخلّف.

الأمثال الشعبية الجيّدة لاستخدامها

ولأنّ لكلّ شيءٍ ضدّان، فإن هناك مجموعةٌ من الأمثلة التي تكون محلّ استعمالٍ وتداولٍ بين الناس في وقتنا العصيب، ومن هذه الأمثال تستعملُ في رأب الصّدع وهو :

كلمة ورفعتها الرّيح

حيث يقال هذا المثل حين تكون مشكلةً بين فردين، ويشهد الحضور ما قاله أحدهم للآخر، فينبري أحد الحكماء ويقول: كلمة ورفعتها الرّيح، دلالةً على محاولةٍ لتهدأة الوضع، ووضع القلوب محلّ التآخي والتصالح .

أيضًا هناك مثلٌ هو في أصله -كما أرى- مأخوذ من الحكمة السقراطيّة: اعرف نفسك. فيقول الليبيّون:

اعرف عفسْتك

والعفس، ورد في لسان العرب ضمن عدّة معانٍ منها الذي نقصده ويقصده المثال وهو: الدّوس، والعفسة: هي آثار الأقدام في المسير، واستُعمل المثال للدلاّلة على وضع الفرد لرجله في المكان والاتّجاه الصحيح، حيث لا يكون هناك خطرٌ عليه، أو كتوضيح لطريق الفرد بعيدًا عن المخاطر التي يتلقّاها في هذا الطّريق، كأنّه محاولةٌ للتنبيه على ما يحدق بالفرد من خطر .

وهو كما قلت يشبه الحكمة السقراطيّة، فسقراط أراد أن يُفهمنا أن نعرف أنفسنا قبل كلّ شيء، حتّى لا نقع في الشهوات وفي المخاطر، وبذلك يتّفقُ المثل اللّيبي، والحكمة السقراطيّة في المعنى.

هناك مثل يقال في الأوساط الشعبية، وقد اختفى من التداول والاستعمال، وأتمنى أن يُفعّل للفرد المُصلح بين النّاس ألا وهو :

فلان تحطّه على الجرح يبرى

كنايةً ودلالةً على من يصلح ذات البين، ويتّخذ من الصلح خيرًا منهجًا لحياته بين النًاس، ويرى الدكتور علي المصراتي أنّه هذا المثل يستعملُ للدلالة على الإنسان خفيف الظلّ والفكاهي ومن له ذوقٌ وحسّ مرهفٌ. وأنا أستعمل الدلالة الأولى ؛ لأن الأجواء مشحونةٌ بين الناس في مجتمعنا، وما أحوجنا لمن نضعه على الجراح الغائرة فيكون عيسى وقته ، وأيضًا يحتملُ أن يستعمل هذا المثل كما فهمه دكتور علي المصراتي حين تقع مشكلةً أو ينشبُ صراعًا وتراشقًا لفظيًا بين الناس، فيتدخّل أحد المتندّرين، والفكاهيين ، فيقول نكتةً تغيّر من سأم الوضع والحال، الذي ينقلبُ أحيانًا لصراعٍ ونزاع، وكم من كلمات أودتْ بين رقاب النّاس وأزهقت أرواحهم ولم يكن هناك فكاهيّ ، أو مصلحٌ بينهم.

وأقول هنا: إنّ الحاجة للفكاهة في أوقات الحرب والأزمات قد يخفّفُ عن النّاس أثقالهم وأحمالهم التي يحتملونها بشقّ الأنفس، وأحيانًا تخرجُ الأمور عن طورها ودائرتها، شريطة أن تكون الفكاهة في محلّها ، وفيها لمسةٌ فنيّة من أساس المشكلة، حتّى تُمّحى الزّلات والمشاكلُ بين النّاس، وهو أمرٌ تفتقده الدراما الشرق أو سطيّة – شمال أفريقيّة عمومًا، والليبيّة خصوصًا .

ولا يفوتني أن استذكر أنّ هناك مثلٌ رائعٌ في دلالته ومعناه يقارب هذا المثل ، والمثل القائل : كلمة ورفعتها الرّيح ، وهو المثل

حبال سو وطاحن في بير

حيث يدلّ هذا المثل على الأمر الذي يدخل فيه العقلاء والحكماء لحلحلته وإنقاذ الموقف قبل أن ينجرّ الأمر ويفقد السيطرة عليه، وهو من الأمثلة التي تقلّ حالاً في استعمالها، بينما تستعملُ قبل زمنٍ لرأب الصدع حتى لا تنزلق الحياة إلى أسوأ المخاطر، ولا تقاد الرّقاب والأرواح بالرصاص والحروب، كما يجري في بلادنا ، فهل تذكّر أحدكم كم استعمل هذا المثال منذ ٢٠١١ وحتى عامنا هذا،  والّتي تُعطي معنًى ودلالةً إيجابيّة في نفسيّة الفرد وعقليته ، والتي برأيي تنقذُ أمّة بكاملها من الدّماء والحروب؟

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: منعم الفيتوري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.