الهمّ الأفلاطوني، وموت الإله

“لَقد ماتَ الله” من أكثر العبارات التي أُسيء استخدامها وتأويلها، مرَ تقريباً 13 عَقد مُنذ أعلن نيتشه هذهِ العبارة، مما سَبب صُداعاً لفلاسفة عصره، خصوصًا الطُلاب الجُدد، وهذا الصداع يستمر حتى يومنا هذا، ربما تكون من أفضل العبارات التي استماتَت في المُسمى الخاص، لكن ما مقصده من هذه العبارة؟

‏لم يُعلن نيتشه موتَ أي آلهةٍ أو إلهٍ كُليّ للكون، بَل أُصيب مبدأ الله بالجَفاف، وخلَد إلى سريره بعدَ عصر التنوير، فصارَ الكون تحتَ العناية الكوسمولوجية والفيزيائية والرياضيات، وتُرِكت العناية الإلهية كما تُرِك الملك لير في البرد القارص، “مسرحية تراجيدية لشكسبير”.

‏عندما نقرأ تاريخ الفلسفة، سنجد أن عبارة نيتشه مُتَحققة، فالحكومات والسُلطات لم تعُد بحاجةٍ إلى العناية الربانية لتُدير شؤونها، وجُملة دوستوفيسكي “إذا كان الله منفيًا فكُل شيء مباح”، لم تعُد نافعة، لقد حلَ محل الله، الأخلاق التي تَتَسِقُ مع أحداثٍ هائلة وكُبرى.

‏أوروبا خرجَت من كهفها بعد أن ماتَ الله المؤسساتي، ولم تعُد برفقته لأنها وجَدت مصدرَ أخلاقٍ جديد، الفلسفة والعلوم قد أضافَت مُنتَجعًا رصينًا لقيمها حتى أنها لم تَسترد الله كمُلهمٍ لطباعها، وإن الله لم يمت فقط، بَل أن البشر قتلوهُ بالثورات العلمية.

‏ظهر خوفه من العدمية في كتابه القيِّمَ “إرادة القوة”، كتب: “ما أحكي عنهُ هو تاريخ القرنين المقبلين، أصفُ ما سيأتي، وما لم يعد يُمكن أن يأتي بشكلٍ مختلف: المجيء بعالم العدمية، لبعض الوقت مُنذ الآن، كانت ثقافتنا الأوروبية بأكملها تتجهُ نحو الكارثة”.

إعلان

‏أهذب اختراع قدمهُ آلان دي بوتون، حول قيمنا، يبدو أننا قد تمكنا من التعامل مع موت الله بشكلٍ أفضل مما اعتقد نيتشه أننا سنفعله، لسنا جميعًا آخر البَشر، ولم ننزلق إلى وضع يُنظر فيه إلى كل الأخلاق على أنها نسبية تمامًا ولا معنى لها.

‏يبدو أننا نجحنا في خلق عالمٍ تقلُ فيهِ الحاجة إلى الله لبعض الناس دون الوقوع في اليأس الجماعي أو الفوضى، ‏رأى الفيلسوف البريطاني برتراند راسل البلشفية كدين في حد ذاته تقريبًا “هايدجر عن الشيوعية كذلك”، كانت قادرة في رغباتها أن تقومَ بتوفير المعنى والقيمة للسُكان، ذهب هذا المصدر التي تلاهُ رسل للمعنى بدون إيمان، ‏في هكذا تكلمَ زرادشت يُصرح نيتشه، أن الإنسان عائمٌ و تيِّهٌ داخلَ لُعبة الخَلق هذهِ، مع وجود الله ومع العدمية هو متشظي لا محاله، قلِقٌ مع وجوده الخاص، ضائع في الثقافة الشعبية العامة كذلك، لكن عليه أن يكتشف أخلاقًا ذاتية حتى يحتمي بها من لا معنىً يلطمُ عقله،

 

ليس هنالكَ من شيء يجعلُ الإنسان، يستنفدُ نفسهُ بأقصى السُرعة، مثل الانفعالات المُتأتّية عن الضغينة، إن الانزعاج والتأذي المرضي، والشعور بالعجز عن الانتقام، والرغبةُ إلى القَصاص، وإعدامُ السموم من كُلِّ لون، لهيّ من أكثر ردود الفِعلِ ضررًا على الكائن المُنهَك.

نيتشه / هذا هو الإنسان

كان هتلر -المدعو أبو علي عربيًا- يُحِب كثيرًا الدين الإسلامي، باعتبارهِ دينًا رجوليًا ومقاتلًا ومتوسعًا وعسكريًا في جوهرهِ، وقد رَد لَهُ الكثير من المؤمنين المُسلمين هذهِ المُجاملة تجاه دينهم: كان مِنهُم مُفتي القُدس الأكبر، وكذلك المُناضلون المعادون الأبديون للسامية وللصهيونية الذين أعادوا استخدام قُدامى النازيين، بعد الحرب، في المراكز الأسمى داخلَ قيادات أركان الجيش وكذا المُخابرات لدول الشرق الأدنى، والذين يحمون كذلك ويتسترون ويصونون فوق أراضيهم العديد من مُجرمي الحرب التابعين لنظام الرايخ الثالث -سوريا ومصر والعربية السعودية وفلسطين- وكذا دون الحديث عن العدد الهائل لحالات اعتناق دين القرآن بين قدامى الموظفين السامين للرايخ.

إن الدافع الإجرامي ليس شذوذا أو جنوحا لفعل الشَر أكثر من فعل الخيّر بقدر ما هو مركبٌ طفولي وميل طفولي يَدفع إلى الاستسهال والاختصار، كُل جريمة تنطوي على أو ذات طبيعة تتسمُ بالتدمير والانتزاع واغتصاب شيء والاستيلاء عليهِ بغيّر استحقاق بالقوة أو بالإغارة أو العُنف، هيّ نُزعة للحصول على شيء مقابل لا شيء، اللص يسرُق ما يريدهُ بدلًا من العمل والكد للحصول عليهِ، والمُغتصِب يغتصِب الأُنثى بدلًا من إغوائها لتعطيه نفسها طواعية واختيارًا، ذكر عالم النفس فرويد في إحدى أعمالهِ أن الطفل من المُمكن أن يدمِر العالم لو اتيحت لَهُ القوة الكافية لذلك، كان فرويد، يعني بذلك أن الطفل ذاتي تمامًا، مُغلف بمشاعرهِ الخاصة الذاتية وبذلك لا يرى ولا يتفَهم أيّ وجهة نظر أُخرى، و المُجرم ليس إلا شخصا بالغا يحيا ويسلُك فى حياتهِ سلوك الأطفال.

إن زواج الحُب بين الكنيسة الكاثوليكية والنازية لايشُك بهِ أحد، والأمثلة على ذلك كثيرة وليس ذات قيمة ضئيلة، فالتواطؤ بينهُما لا يتأسَسُ على الصمت المُوافق، ولا على السكوت عنهُ بينهما ولا على تقديرات تُبنى على فرضيات مُنحازة، إن الوقائع تشهد لمَن يُباشر هذه المسألة مسائلًا للتاريخ، إنهُ لم يكُن زواجًا عقلًا تحكمهُ مصلحة استمرار الكنيسة الكاثوليكية، بل كانَ انفعالًا مُشتركا ومتقاسما بينهما تجاه نفس الأعداء الممتنعين: اليهود والشيوعيين -الذين يتم التقريب بينهما في أغلب الأحيان ضمن قمامة المفاهيم اليهودية البلشفية.

موت الإله

لم يكُن دافع القتل الجماعي الذي ارتكبهُ هتلر تلك القيود المفروضة على الإنسان الطبيعي اللازمة لاستمرار المُجتمع ككُل والتي قد تدفَع الفرد إلى التمرُد، على العكس من ذلك كان الدافع نتاجُ نوعٍ مشوه من الأفكار المثالية دفعتهُ إلى محاولة خلق “عالم أفضل”، وهو الدافع نفسهُ الذي أدى إلى تدمير “هيروشيما” و”ناجازاكي” بالقنابل النووية، وهو الدافع ذاتهُ الكامن خلف التفجيرات الإرهابية وإطلاق النار العشوائي على جموع البشر والذي أصبح ظاهرة متواصلة عام ١٩٦٠م، وهو الدافع المُفزِع ذاتهُ فيما يخُص مُنظمة الألوية الحمراء اليابانية، وإرهابيي إيطاليا الذين اقتحموا قاعة مُحاضرات في الجامعة وأطلقوا الرصاص على ساقي المُحاضِر مدعين أنهُ يبُث في الطلاب “قيماً بورجوازية” وأنهم جميعًا ليسوا من المُجرمين المهووسين، بل مثاليين متحمسين، حين نُدرك ذلك نجد أن الإجرام ليس شذوذًا يتسم بالطيش والتهور أو نزعة انتهاك القانون، بقدر ماهو نتيجة حتمية لتطور ونمو الذكاء البشري، أو الوجه الآخر كرد فعل عنيف- لنمو قُدرتنا على الخلق والإبداع.

إن أسوأ أنواع الجرائم لا يرتكبها الحمقى والأغبياء، بل يرتكبها المتحضرون الأذكياء باتخاذهم قرارات يوفرون لها المُبررات والدوافع الكافية.

الجريمة تتجدد مع كُل جيل لأن البشر ليسوا إلا أطفالًا، قلة قليلة من البشر هيّ التي تَنجُز وهي القلةُ الناضجة، وهي تُنجز ليس تخليدًا للذات كما يجدُر بالقُدرة الخلاقة المبدعة، فشكسبير تعلَم من مالرو، ولكنهُ بدورهِ كان مُلهِمًا لغوته، وبيتهوفن تعَلَم من هايدن ولكن أعمالهُ كانت مصدر إلهامٍ لفاغنر (يقصد ريتشارد فاغنر الذي تسبب لنيتشه أمراض نفسية)، ونيوتن تعَلَم من كِبلر ولكنهُ كان مصدرَ إلهامٍ لآينشتاين.

لكن عُتاةَ المُجرمين مِثْلَ فالد المخوزق، وجاك السفاح، وآل كابوني لم يتركوا أثراً يُعتدَ بهِ، إنجازاتهم كانت سلبيةً وماتت بموتِهم، إن المُجرم يميلُ أيضا لأن يصبح ضحيةً للانتقاء الطبيعي (يشرح ذلك العالم ريتشارد دوكنز في كتابهِ حوارات سيدني، في مقابلة مع أحد رجالات الكنيسة تحت مناقشة الدين وأصل الشرور)، وذلك بنقص قدرتهِ على السيطرة على ذاتهِ، لقد أنجز الإنسان حضارتهُ الحالية لأن الخَلق والإبداع مثل كره الجليد، الذي يتضخمُ مع انحدارهِ من قمة الجبل بينما تظل الجريمة لحُسن الحظ فى حالة إستاتيكية جامدة،

قد يبدو أن ويلز، كان مؤرِخًا ساذجًا حينَ اعتقد أن الحروب بين البشر على وشك أن تصل إلى نهاية، ألا أننا يُمكِن أن نُفسر ذلك على ضوء عدَم درايتهِ بالعلم الذي نُطلق عليهِ الآن اسم علم الاجتماع الحيوي السيسيوبيولوجي، فحين لفت كل من “تنرچن”، و”لورينز” الأنظار إلى أن العدوانية الحيوانية تعود إلى حد كبير إلى مسألة الإنتماء لمكان والإحساس بامتلاكهِ، اتضح فجأةً أن كُل الحروب عبر التاريخ كانت تدور حول امتلاك المكان، حتى السلوك الدموي والإجرامي للطُغاة كان لهُ ما يوازيهِ ويُقابلهُ فى عالم الحيوان، أظهرت الدراسات الحديثة أن عديدا من الذكور المُهيمنة بدءًا من الأسود وقرود البابون مرورا بفصائل الجرذان والقوارض يقتلون صغار أعدائهم المهزومين، كذلك تترُك الدجاجات صغارها تنقر صغار الطيور الأُخرى حتى الموت، كما تقتل طيور النورس الأُخرى حينَ تدخُّل إلى منطقتِها التي بِهَا عُشَها ومنطقة نفوذَها، ويبدو أنَ البرنس “كروبوتكين” كانَ على خطأ حينَ اعتقَد، أنَ كُل الكائنات تتبادل التَعاون والمنفِعة، وأن الجنس البشري وحدهُ هو الذي يَقْتُل بعضهُ بعضًا.

لقد علمنا عالَم الحيوان أن الجريمة ليست إلا جانبا من ميراثنا الحيواني، وأن التاريخ البشري يُمْكِن تناولهُ والنظر إليهِ كمرجع لعلم الإجتماع الحيوي.

In Plato’s Republic Socrates likens mankind to prisoners in a cave who see only the shadows of reality, and the philosophers to those who have been given a glimpse of it Date: early 4th century BC

 

من الإشكالات التَفعيلية، والتي تُحاول طرحها برزانة، قراءة لأدب وفلسفة نيتشه، قراءات تحاول فهم “منزلة الفلسفة عندهُ، أيّ ذاتٍ فلسفيةٍ يقصدها”، نحنُ أمام فيلسوفٍ تنتسبُ إسهاماتهُ إلى ورثة التُراث البليغ، الذي نستطيع تحييزهُ بينَ أهم اسمينِ في تأريخ الفلسفة “أفلاطون وهيغل”، لنُسميها حيِّزَ الميتافيزيقية، أخذَ بمواضيعه ذاتَ الإشكاليات والتناقضات والبديهيات الفلسفية، وعلم النفس، إلى غرسها بقوةٍ في ظهر الميتافيزيقيا، ألا يُمكن أن نقول عنه فيلسوفٌ سوفسطائي أتقَن إحياء فلسفاتٍ مُهَددة بالإنقراض.

لكننا نستطيع كقُراء يحملنا “التعمق” إلى فهم وملاحظة عكس التحليل السابق، نراهُ يُشكِل لجان تعملُ على قطيعة الميتافيزيقية، وتعملُ أيضًا على هدم استراتيجية التأويل السابقة، بل يدعو بلغةٍ بالغة الكتابة على أن ننتَصر على الفلسفة ونجعلها خادمةً لنا، مارتن هايدجر كانَ من الفلاسفة المُتحفظين على فلسفة نيتشه، برأيه، إن تأويل فلسفته تجعلنا نفهم تأريخ الفكر الغربي بمُجمله، وهكذا تُصبح فلسفة نيتشه “ميتافيزيقية حيّة، تبحث عن كينونة عصرها”، فمُنذ اليونان حتى هيغل ظَلَ الفكر ميتافيزيقيًا، لكن نيتشه يختلفُ تماما عن ذلك، لأنه لا يضعُ في فلسفته شرطا لنهاية أي عصر.

كيفَ يُقرأ تأويل فوكو لـنيتشه

مع سقراط بدأ الانحطاط، عندما أنشأ الميتافيزيقا وثنائياتها المُتقابلة، بنظائرها المُزدوجة، وعندما جعل من الحياة أمراً يُقاس ويحكم عليه، لَقد جعل من الفعل معيارا للقياس، وعبر عن ذلك بالقيم العليا “الحق الخالص، الخير والجمال”، يتواصل نهج الخضوع مع كانط الذي يُوهمنا بأنهُ يقوم بالنَقد حينما يرفُض الادعاءات الخاطئة للمعرفة، لكنهُ لا يضع المعرفة موضوع سؤال، كما أنهُ يرفض الأخلاق “الخاطئة”، لكنهُ لا يتساءل حولَ دعوى الأخلاق والطبيعة وأصل قيمتها، وكذلكَ الشأن بالنسبة للجَدلية الهيغلية فهي استعادة للعناصر المُستلبة وإرجاع كُل شيء إلى الوعي بالذات، أي إلى الإنسان ككائنٍ نوعي يعرفُ تصرفاته كاملةً، فهكذا “تأريخ الفلسفة من السُقراطيين إلى الهيغليين، ظَل تاريخ إخضاع طويل للبشر، وتاريخ الأسباب التي يشرعونَ على أساسه فلسفاتهم.

لَقد أصبحَ أفلاطون رفيقَ المسيحية، كما أن التأويل المسيحي قد وجد في نظرية المُثل مذهبا في العالم الفوقي، حسي يُلائم مملكة الرب، فإذا كان “زارادشت Zarathaustra” إذن يُمثل نهاية “قرون من الكذب والوهم”، أي المسيحية، فإن بداية “فلسفة المستقبل” ستكونُ بالرجوع إلى ما قبل التقليد الأفلاطوني المسيحي أي إلى الفلسفة في العصر اليوناني المأساوي، ولذا ستكونُ النيتشوية قبل كُل شي محاولة متميزة لإقامة ائتلافٍ جديد مع العالم الذي فصلتنا عنهُ المسيحية بانتصارها على التقديس الوثني للعالم، فلا بُد من تحوير الفكر، وإرساء نهجٍ جديد للتأويل، وتقديم نموذج جديد للفيلسوف، من هذا المنظور يُعوض نيتشه مثال المعرفة والحقيقة كما يُحدد عبارتهُ دولوز “بالتأويل والتقييم”.

موت الإله

عبارة دولوز الشهيرة تقول، إنَ التأويل فيُحدد “معنى” الظاهرة الذي يظلُ جزئيا ومُشتتا وأمام التقييم فيُحَدد بصفةٍ تراتبية معيارية قيمة المعنى، فالمؤولَ هو نوعٌ من الطبيب أو عالم الفسيولوجيا، ينظُر إلى الظواهر كأعراض، أما المُقَيم فهو فنان يُنشئ الخيارات، يُحدد المسالك ويُعين قيمتها، فالفيلسوف المُستقبلي هو في الآن “فنان وطبيب” أي بعبارة يختصرها دولوز “مشرع”، على وصف كامو مُتمرد، على إدوارد سعيد نقيض للسُلطة، على إعتبارٍ هيغلي “مُفَضح”، إن هذه الصورة الجديدة للفيلسوف أي المُشرِع، المُنشِئ، هي أقدم الصور كذلك، فهي نموذج الفيلسوف اليوناني في فترة ما قبل سقراط، فحسب نيتشه إننا بحاجةٍ إلى الرجوع إلى ما قبلهُ، يجاورُ هذا محاضرة للمسكيني يقول كلما حصلت أزمة روحية في أوروبا يرجعون لكانط، لكن أي الأزمات تُرجعنا فلسفة نيتشه؟ كما أن هذه الوحدة بين الأصل والمستقبل هي في الحقيقة “وحدة الفكر والحياة”، أي “أن أنماط الحياة تلهم طرق التفكير، كما أن صيغ التفكير تُنشِئ أنماط الحياة، فالحياة تُنَشط الفكر والفكر بدورهِ يؤكد الحياة.

على هذا السياق يُظهر دلوز الفرق بين النقدية الكانطية والنقدية النيتشوية في النقاط الآتية:

1- لا ينطلق نيتشه من مبادئ ترنسندنتالية، تكونُ شروطا بسيطة لإدراك الوقائع وضبط الظواهر، وإنما ينطلق من مبادئ جينالوجية وحركة تكشف عن المعنی وعن قيمة المعتقدات والتأويلات.

2 – لا ينطلقُ نيتشه كذلكَ من فکرٍ “مُشرع” يستجيب للعقل وحدهُ، وإنما يُقدم توجها فكريا مضادا للعقل، ومن الخطأ البواح الظَن أن اللا معقول هُنا يُقدم في مقابل العقل شيئا آخر سوى الفكر مثل: المُعطى أو القَلب أو العاطفة أو الهوى، ففي اللا عقلانية لا يتعلق الأمر بشي سوى الفكر، وما ما يناقض ويُقابل العقل والوجود العقلي.

3 – في مقابل المُشرع الكانطي، يقترح نيتشه نموذج “الجينالوجي”، فالمُشرع قاضي محكمة يُراقب ويُقيم ويُوزع القيم السائدة بينما يتَعارض النهج الجينالوجي مع التقييم القضائي، “إن الجينالوجي هو المشرع الحقيقي” فالتفكير بالنسبة لهُ نمط من التقييم، ولكن القييم هنا تأويل وإبداع،

4 – ليس الغرض من النقد تتبع الغائيات الإنسانية أو العقلية، وإنما تجاوزها نحو “الإنسان الأعلى”، أي أن ننتَقد حتى نشعُر بمُتعة التغيير، لا أن نتصَلب في نقدنا لأنهُ في ظننا نقدٌ عقلي، فالعقل يخدعنا عادةً.

هناك اقتباس مشهور في كتاب ما وراء الخير والشر يقول نيتشه فيهِ: “إنه على الرغم من ادعاءات الفلاسفة حول الجدل المنطقي والسعي لإيجاد الحقيقة الموضوعية، فإن كُل الفلسفة كانت حقًا شكلاً من أشكال السيرة الذاتية اللا واعية واللا إرادية”، كيف نَعتقد إذا أن حياة نيتشه تغذي فلسفته؟

مُلحد، عدمي، وجودي، نازي، لَقد قيل كل هذا عن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، وبعضهم كان لهُ سبب أكثر من البعض الآخر، في إزاحته من دائرة الفلاسفة، في عام 2011، طُلب من خبير نيتشه “براين ليتر” شرح جاذبية الفيلسوف المثير للجدل والتوصية بالكتب التي كُتب عنه، في سبتمبر (2020)، سأل محرر الفلسفة، نايجل واربورتون، “ليتر” عن بعض الكُتب التي من خلالها نفهم فلسفتهُ.

موت الإله

أن قُراء نيتشه بحاجة إلى أن يفهموا أن تشخيص نيتشه القاسي، وإصراره إلى أي مدى يصل لحقائق تجريبية، سعة فهم العقلية النيتشوية لا تنحصر في قراءة فيلسوف واحد، ذلك يُعطِّل مادةً دون أخرى، فنيتشه لا يُقرأ بالتخمين والإنتقاء أو التضمين، بل بموضوعية ساخطة، بما إنه آخر الميتافيزيقين المُعارضين، وآخر الواقعيينَ الألمان، والتاريخ الذي حرث أرضاً فراسخها تطالها أعينه راحت لأبعد من الأقاصي، فذلك سيكون مهمتنا الشاقة في التدقيق فيما نقرأ عنه ونجيب لماذا نقرأ لهُ، يقول المؤلف : أنا أحاول أن أعرض في هذا الكتاب، ما يتنبأ بهِ نيتشه في العديد من المواضيع السلوكية وما بعد السلوكية خلال الخمسين عامًا التي مضت، يتناول المؤلف توقعات خبراتية تحدث عنها الفيلسوف السوبرماني مثل: سطحية الوعي، التجارة بالإنسان الواعي عندما يتعلق الأمر بدراسة علوم النفس، دور العواطف وتأثيرها في المواقف الأخلاقية، ودور العواطف في تخدير الألم، أطلق نيتشه وصفا على نفسه أنه “عالم النفس الأول”، كما أشاد بذلك فرويد حولهُ وحول دوستويفسكي، لكنهما لم يكونا كذلك حقا بشكل مطلق، لأن فرضياتهُ للآن جارية التحقيق، لتعقيداتها البالغة، يشترك هيوم ونيتشه في مهمةٍ واحدة، “الرغبة الجامحة والجنونية في فهم البشر”، لكن الأول مفرط بالتفاؤل ومنحسر الاقتراحات، أما الثاني عدم خضوعهُ لضبابية التفسير، إنهُ صلف الاختيار، بصفتهم علماء تخمين غير عاديين طبيعيين ستكون أبحاثهم ذات ثُقل في الدراسات المنهجية والإنسانية.

إن ما يؤلمني أن فلاسفة كبار مثل هايدجر ودريدا قد بخسوا أهم جوانب نيتشه، أنهُ لم يكن ليبراليا أو حكوميا حتى أنهُ غير قانوني بشدة، حتى أن هناكَ ميلٌ قوي للتقليل من شأن النظرة الأخلاقية النيتشوية، نعم إنهُ واقعي وصارم حقاً وذو سلطة نفسية ممرضة، لكن مالذي يفعلهُ الواقع في براثن التاريخ والباحث عن القيم؟ يجب أن يكون حجر الأساس للقراءة المعاصرة في نبذ كُل مشروط وكُل محتمل يسحب طاقتنا لانتصاره نحوَ النص القويم الذي يدعونهُ الكُتاب والفلاسفة، هذا الكتاب يوضح نقاط أساسية:
– تفسير العلم النفس الأخلاقي لدى نيتشه.
– فلسفة العمل وفلسفة العقل مع شرح مكثف، -الدفاع عن صحة وجهات نظر نُبذت لكنها ذات قيمة.
– مشاركة علم النفس التجريبي في هذي المواضيع.

‏الله العظيم، أنا آسف لأنني مُلحد الآن، لكن هل قرأت لنيتشه يا الله؟

– جون فانتي “أسألُ الغُبار، ملحمة آرثر بانديني”

من الروايات التحليلية التي وضعَت نيتشه مَحط الكَشف عن هويته و تعاملهِ هي “عندما بكى نيتشه” لـ إيرفين يالوم ‏وهو كاتب، وبروفيسور، ونفساني، ‏ففي إحدى خلواته الطبيب بروير تذكر ما قاله فرويد إذا كانَ نيتشه ينوي الإنتحار حقاً، لمَ يأتي لإستشارتي؟، لماذا يتجشمُ عناء السفر من رابالو إلى بازل ومن هناكَ إلى فيينا؟، إن كتاباته و رسائلهُ تُشيِّء إلى الإنتحار، هل يدعي ذلك؟، أم أن توكيدَ الإنتحار دفعهُ خارج اليأس، فيشعُر بالغبطة

‏نيتشه كشفَ كُل الفِخاخ التي أرادَ بروير كعالٓم نفسي أن يضعهُ بِها، لكشف ردود أفعاله، صحيح أن لا شيء يجبُ الإعتراف بهِ، و الحياة قضية مُسلَمة لا نتيجة فيها، يُضيف بروير : إنَ المريض يُلقي بنفسه إلى المُستقبل، مثل نيتشه يحملُ رسائل للبشرية لعشر أعوام لاحقة،

‏ثُم يُجيب نيتشه : إنَ صُداع رأسيَّ الدائم ماهو إلا مخاض لآلام عقلي، ثُم نقرَ صدغهُ و قال : هُنا أحمل الكُتب، كُتب تكاد تكون قد نضُجت تماماً، أُريد تقديم الكُتب فقط، كانت أجوبة نيتشه لبروير مُسهبة طبياً، كان كمن يُصاحب السايتوبلازم و يتحدث معَ أعصابه

هل كانَ نيتشه مُصاباً بالهوس الوسواسي؟

لقد رأى بروير عدداً كبيراً من المصابين بالهوس الوسواسي المُملين الذين يرثون ذاتهُم ويستمتعون بوصف دواخلهم، لكن لدى هؤلاء المرضى « تضيُق ويلتانشوانغ » ( weltanschauung stenosis ) وجهة نظر ضيقة عن العالم، کم كان يشعُر بالملل عندما يكون بصحبتهم، فلا توجد لديهم أفكار تلك المُتعلقة بجسدهم، لا توجد لديهم إهتمامات أو قيم إلا تلك المُتعلقة بصحتهم،

 

لا، نيتشه ليس واحداً من هؤلاء، فلديه مجموعة من الإهتمامات الشاملة، وشخصيته مُثيرة للإهتمام، لا بد أن الآنسة سالومي وجدتهُ هكذا، بل إنها لا تزال تجدهُ هكذا، حتى لو أنها وجدت بول ري أكثر تجانساً من الناحية العاطفية، كما أن نيتشه لم يصف أعراضه بغية إنتزاع العطف أو حتى الدعم، لقد عرف بروير ذلك في وقتٍ مُبكر من لقائهما

إذن لماذا هذا التفصيل الرائع عن وظائفه الجسدية؟

ربما ذلك لأن نيتشه يمتلك عقلاّ واعياً وذاكرةً قوية، ويطلب تقييماً طبياً بطريقةٍ عقلانية عميقة، ويُقدم معلومات شاملة لطبيب خبير، أم أنهُ رجل متعمق على نحو غير إعتيادي، قبل نهاية تقييمه، حصل بروير علی رد آخر فقد كانت لدى نيتشه إتصالات قليلة جداً معَ لكائنات البشرية الأخرى، فأمضى قدراً كبيراً من الوقت في التحدُث إلى الجهاز العصبي الخاص بهِ

‏الكثير من الناس تعرف أن فريدريك نيتشه جُنَ في أواخر عمرهِ، لكن لا أعتقد بأن الكثير يعرفونَ عن اللحظة التي فقد فيها عقلهُ، فريدريك نيتشه كان ماشياً في أحد شوارع مدينة تورينو الإيطالية يوم 3 يناير سنة 1889، فجأة شاهدَ رجلاً يضربُ الحصان بالسوط بعنف،

‏جرى نيتشه بسُرعة و أبعد الرجل و إحتضن الحصان بقوة و بكى بحرقة .. وبدأ يُردد أنتم كائنات ساقطة وبلا رحمة ثُم إنهارَ على الأرض، ‏أنا مُعجب بهذا البركان الفلسفي، غَمرَ نفسهُ في الفلسفةِ وعاشَ فيها، لكنَ حياتهُ وئدتهُ بشكلٍ قاسٍ، إنتهت حياتهُ بالجنون في اللحظة التي ذكرتها عن إحتضانهِ ذَلِكَ الحصان في شوارع (تورين) بعدَ ذلك عادَ إلى مدرستهِ الداخلية، ‏رقصَ عارياً، فكَرَ في قتلِ القيصر وكانَ يظنُ نفسهُ اليسوعَ و نابليونَ و بوذا و فيكتور ملكُ إيطاليا و الإسكندر المقدوني بعدَ هذهِ الرقصة أُستيقَ مُكبلاً في القطار إلى ألمانيا لكي يُودعَ في ملجأ إعتنتا بهِ أُمٌ مسنة واختهُ، حتى وفاتهِ بعد 11 سنة في سن ال 56

‏من الأفلام التي تناولت هذهِ الحادثة، أو ما بعدَ الحادثة، الفيلم “The Turin Horse“، شاهدت الفيلم قبل عام، شخصين و بطاطتين، عاصفة رعدية، صمت و حياة واقعية، البعض يقول إنهُ فيلم ممل لكن رأيتهُ على عكس ذلك، المخرج ذكي و جسدَ حياة البؤس الحقيقية لهاذين الشخصين، بمعنى حياة الإنسان،

The Turin Horse

 

‏تدور أحداث الفيلم عن صاحب الحصان الذي إحتضنهُ نيتشه و اصابهُ بالجنون على أثر تلكَ الحادثة، “بيلا تار” يُظهر حياة العجوز الروتينة، الشعور الذي إنتباني عندَ مشاهدة الفيلم “الإرهاق”، فالحصان تمردَ بسبب قسوة الإنسان، والإنسان صعب الطِباع، أما عن الموسيقى فكئيبة جداً و بإفراط،

‏الفيلم لم يتطرق لحياة نيتشه، بل لأفكاره وما سيحدث بعد ذلك، و يستكشف حياة الإنسان عندما يستسلِم الأمل، و تُبدي الطبيعة و الحيوان مظاهر التمرُد، لإن تمرد الطبيعة يعني زوال الجنس البشري، نهاية لكُل الدوافع التدميرية، ‏من الأفلام العظيمة لإنغمار بريغمان، هو أيضاً يتناول قضية نيتشه في فلسفة “الفكر ما بعدَ المسيحية”، الكاهن توماس غير قادر على الإرتقاء لأبعد من الإنجيل، بسبب موقفه العاطفي من مُعتقده، فعلاً نيتشه قاسي على الإدراك و يستبدل مفهوم الإنسانية بالايمان، وهذا إنتحارٌ للدين، ‏التوتر الواقعي اليومي، تحدي الجمال المُفرط و تخليق القسوة من رغبة الانانية هيّ أسوأ ميزة في الكائن البشري، لانهُ يحصن على وجه التحديد إيمانهُ ليبحث عنه في كل مكان، يتغاضى عن الشر، الالم، السوء، ليتقبل الشعور بدلاً من التفكير، الفيلم أكثر من شيِّق صراحةً،

‏”هذا هو الإنسان في عملهِ”، يُبرر واقعهُ و يهز نخلة الماضي، إن الجذوع نفسها خاوية، فتُربة الايمان هشة، الفيلم رائع و إنغمار مُخرج مميز، دائماً ما يقتنص “النموذج المثالي” و يطرح إتجاهات الحياة كلها دفعةً واحدة، الجراح، الحزن، الآلام، على هيأة الإنسان المتدين المُفرط فيما يدعي

أيضاً، فيلمٌ آخر ترجمتهُ عن الإيطالية، “ما وراء الخير و الشَر”، يلتقي الفيلسوف الألماني نيتشه مع الطبيب و الصديق بول ري، يجتمعونَ بعلاقةٍ ثُلاثية مع الكاتبة و المُحللة سالومي، التي لا تعترف بأخلاق الإرتباط، وسط البغايا ووسط أبخرة الأفيون، ثُمَ إنتقل الثلاثة إلى منزل عائلة فريتز ، مما تسبب في إستياء أخته إليزابيث، بدأت علاقتهما في الإنهيار وسافر “بول” و “لو” إلى برلين للدراسة بينما يذهب فريتز إلى البُندقية حيث يصبح سجين أشباحه ورغبته معَ رفقائه، ستتزوج لو من كارل أندرياس في برلين لكنها ستُبقي بول كمرافقٍ حميمي لها، يحاول فريتز العودة إلى أصدقائه لكنه يفقد عقله تماماً.

Beyond Good and Evil 1977

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا