تأخذك إلى أعماق الفكر

النديم و الزعيم

كان طالبا في المدرسة الخديوية و أسس جماعة أدبية وطنية كان يخطب من خلالها في زملائه ، وحصل على الثانوية وهو في السادسة عشرة من عمره ، ذهب الطالب اليافع للبطل الثائر لسان الثورة العرابية وخطيبها المفوه الذى ما لبث أن يلتقط أنفاسه بعد فترات الهروب والنفي والملاحقات الأمنية التي أصبحت فيها كتاباته بمثابة منشورات سرية ثورية يتناقلها البسطاء والأحرار في كل مصر ، وتعرضت لها الدولة بالرصد والمنع والحرق.

ودخل الطالب مكتب البطل يسأله عن ثورتهم المغدورة ويستجلى أخبارها ومعانيها بعد سنوات من التشويه والملاحقة ، أجلسه صاحبنا بجواره وحكى له حكاية الثورة و عرابي حيث كان أحد صناعها وشاهدا عليها ولها ، والقوى التى عادت تلك الثورة: الخديوي والدولة العثمانية ودسائس الإنجليز.

يا ولدي لقد احتل الفرنسين تونس قبلها بعام ولم يكن هناك عرابي ، والجزائر قبلها بخمسين عاما ولم يكن هناك عرابي أيضا

يا ولدي لما تقدم عرابي ورفاقه بعريضة لرياض باشا بها مطالب بإعادة الدستور الموعود ، وزيادة الجيش وإقالة رفقي فقرأها فى غرفة داخلية وخرج بوجه غير الذى دخل به قائلا : هذه عريضة مهلكة . ماذا تطلبون ؟

أما في مظاهرة ٩ سبتمبر فقد كان الخديوي وقتها يريد أن يتخلص من رياض
وقد تصور الخديوي توفيق بركاكة تفكيره وضعف شخصيته ، وسقم رأيه ، أنه يستطيع أن يخادع العرابيين ، فأرسل إلى عرابي يقول «أنتم ثلاثة جنود وأنا رابعكم».. بيد أن عرابي لم تنطلى عليه حيلته ، فهو يرى كما روى فى مذكراته أن صنيعة الخديوي : عبد القادر باشا حلمى المحافظ الجديد للعاصمة ، يحيط منازل العرابيين بعيونه

إعلان

فى ١٨ ديسمبر ١٨٨١ قدم الائتلاف الذى كان يضم العسكريين والوطنيين من المثقفين والأعيان وكبار التجار والموظفين ، أول برنامج فى شكل وثيقة من ست نقاط
1 _ وقف الاستبداد والأحكام الظالمة التى أورثت البلاد الذل
2_ تفعيل الحكم النيابي
3_.إطلاق الحريات للمصريين
4_ أن تلك الكتلة جعلت من أمراء الجهادية متحدثا عنها
5_.على الامراء تنفيذ تلك المطالب والصمود لتحقيقها
6_ أن هذا الحزب هو حزب سياسي وليس حزب ديني ، مؤلف من مختلفي العقيدة
وكان توقيع عرابي ب (عرابي المصري)

بعدها لم يصبح عرابي مجرد وزير للحربية ، فقد وصلت الموجة الوطنية الصاعدة إلى نقطة لم يعد فيها الخديوي سوى واجهة بعد أن أصبحت السلطة الحقيقية في يد القوى الوطنية المصرية مؤيدة بحركة شعبية جماهيرية

أما مسألة هياج الإسكندرية فمعروف أنه من تدبير الخديوي وعمر باشا لطفي ومستر كوكسن
وأما معركة التل الكبير فإن خططنا تعطلت بخيانة أمثال علي بك خنفس الذي أرسل بعض الرسومات والخطط الى اللورد ولسلي
وخيانة بعض الخيالة فى المقدمة بإغراء من سلطان باشا فوضعوا المصابيح كى يهتدى بها الإنجليز إلينا

ياولدى لقد انهزم الإنجليز مع الفرنسيس امام عساكر الرومان ، وتبددت ممالك إيطاليا الرومانية ، وانهزمت جيوش الانجليز أمام غليوم الفاتح ، وانهزم البرتغال أمام الفلمنك ، وانهزم …وانهزم
ولو شطحت فى هذا المجال لكال بنا المقام ، فسل نفسك بهذا وبعلمك وأعرض عن الجاهلين بحلمك ، وادرس أحوال مصر واحفظ تاريخ أمتها
يا ولدى
أعلم أنك على يقين بما حل بحزبنا وحزب الخائنين ، ولنرى أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا

“ياولدي لقد احتل الفرنسيس تونس قبلها بعام ولم يكن هناك عرابى والجزائر قبلها بخمسين عاما ولم يكن هناك عرابى أيضا ”

خرج الطالب وقد استوعب الدرس وتعلم أن يحارب الإنجليز (بالكلمة )كما فعل أستاذه وألا يعادي الخديوي و لا الأستانة ..

بعدها ببضع سنين أصبح الطالب زعيم الأمة وخطيبها والمدافع عنها وعن حقها داخليا وخارجيا

تلك كانت لحظة تاريخ جمعت بين قامتين وقمتين فى النضال الوطنى عبدالله النديم و مصطفى كامل

مساهمة من طه إسماعيل 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.