تأخذك إلى أعماق الفكر

المسألة السياسية في فلسفة باروخ اسبينوزا

نقد النص الديني، التسامح، الدولة

فالتسامح باعتباره مظهرًا أساسيًا من مظاهر الحرية، يتجسد داخل الدولة عندما يُترك للأفراد حق التفكير والتعبير عن آرائهم بشكل عمومي يغيب فيه العنف والتعصب؛ وهذا لا يشكل خطرا على الدولة؛ ما دامت هذه الأخيرة تستمد سلطتها من قرار الجماعة أو بعض الأفراد.

يضيف اسبينوزا في هذا الصدد ” ولما كانت أحكام الناس، إذا ما تُركوا أحرار، تختلف فيما بينهم كل الاختلاف، ولما كان كل فرد يظن أنه وحده الذي يعلم كل شيء، ونظرا إلى أنه من المستحيل أن يفكر الناس كلهم ويعبروا عن أفكارهم بطريقة واحدة، فإنهم ما كانوا ليعيشوا في سلام لو لم يتخل كل فرد عن حقه في أن يسلك وفقا لما يمليه عليه قراره الشخصي، وعلى ذلك فإن الحق الوحيد الذي تخلى عنه الفرد هو حقه في أن يسلك كما يشاء وليس حقه في التفكير والحكم “[15].

في هذه النقطة تظهر حدود التسامح في نطاق الدولة الحرة؛ وهي حدود السلوك، لأن الفعل ضد مشيئة الدولة يلحق بها الضرر أو ربما أكثر من ذلك الرجوع إلى حالة الطبيعة؛ باعتبار هذه الأخيرة تقوم على الحق الطبيعي للأفراد في أن يفعلوا ما يشاءون وفقًا لغرائزهم وأهوائهم فيعم  بذلك العنف والصراع.

إذن من الضروري وجود التسامح على مستوى حرية الآراء والأحكام لكن يجب وضع حدود للتسامح على مستوى السلوكيات والأفعال، خصوصا إذا ما كانت هذه السلوكيات و الأفعال تهدد الأمن والاستقرار داخل الدولة؛ لأنه بتفكك هذه الأخيرة تتفكك القيم الإنسانية والمقدسات العقلية التي بُنيت عليها.

يقول اسبينوزا في هذا السياق“فلنفرض مثلا؛ أن شخصا قد بَيّن تعارض أحد القوانين مع العقل وأعرب عن رأيه في ضرورة إلغائه وفي الوقت نفسه عرض رأيه على السلطة العليا لتحكم عليه  لأنها وحدها هي التي لها الحق في إلغاء القوانين؛ وكف في أثناء محاولته هذه عن أي مظهر من مظاهر المعارضة للقانون المذكور؛ فإنه يكون جديرًا بلقب المواطن الصالح وبثناء الدولة عليه، أما إذا كان الهدف من تدخله هو اتهام السلطات العامة بالظلم وجعلها مثارا للغضب أو حاول إلغاء القانون رغما عن السلطات العامة عن طريق إثارة الفتن فإنه يكون مشاغبا عاصيا”[16].فلا يجب أن يحمل المواطن في جعبته آراء تنقض العهد الذي يربطه بالدولة لأنه لو وجدت لانعكس ذلك سِلبا على سلوكه لا محالة.

إعلان

و يضيف اسبينوزا في ما يخص ضروب الآراء و تأثيرها على سلامة الدولة، يقول ” أما الآراء الأخرى التي لا تنطوي على مسلك من نوع نقض العهد، أو الانتقام، أو الغضب… إلخ، فلا يمكن أن توصف بأنها داعية للفتنة، ما لم يكن ذلك في دولة فاسدة، أي في دولة أحرز فيها المتعصبون الطامعون الذين لا يطيعون كل من كان على خلق قويم، نجاحا جعلهم يشتهرون بين العامة إلى حد أصبحت معهم سلطتهم تطغى على سلطة الحاكم”[17].

حاصل القول؛ إن غياب الحرية على مستوى الآراء النظرية يعني انعدام الثقة عمليا بين المواطنين والسلطة؛ إذ سيصبح كل فرد حينها يفكر بطريقة تعارض الحكم. كما يؤدي غياب الحرية ثقافيا إلى انعدام الإبداع في جميع المجالات المعرفية و العلمية.

خلاصات عامة:

  • إن بحث المسألة الدينية من خلال التركيز على البث في النص الديني و طابعه القدسي يُعد مدخلا أساسيا لمعرفة صحة أو خطأ ما نبني عليه اعتقاداتنا وأفعالنا.
  • إن الإيمان لا يرتبط بما نمتلكه من براهين وحجج، عن معرفتنا بالله وصفاته بل بتجسيدنا لقيم الإحسان والعدل التي دعا لها الله.
  • إن تموضع الإيمان عَمليا هو أول مدخل لقيام التسامح بين الناس من خلال اعتماد مبدإ ديني.
  • لا وجود للتسامح دونما وجود لحرية الرأي و التعبير باعتبارها مبادئ عامة لتحقيق الديمقراطية.
  • إذا كانت الدولة مدنيةً بطبيعتها تحترم القانون وتدفع نحو تطبيقه، فيجب على الفرد سلوكيا احترام سيادة الدولة لا مخالفة تَوجُهها.
  • لا حدود للتسامح على مستوى الآراء النظرية لكن على مستوى السلوكيات و الأفعال. و يجب وضع حدود للتسامح في إطار علاقة المواطن بالدولة.

[1]– تعتبر الهرطقة، من أهم التُهم التي كانت تعتمدها الكنيسة في العصر الوسيط لِوَأد الفكر الحر، خصوصا الفكرين الفلسفي والعلمي، وتعني الهرطقة عموما في نظر الكنيسة أو رجال الدين، الخروج عن الملة أو آراء مذهب معين، لكنها من الناحية الفلسفية تعني الاختيار الحر أو الأفكار المبنية على النقد. وإذا كان العالم الغربي حاليا قد قضى على هذا التوجه الذي يهدم فيه الدين الفكر الحر، فإننا في عالمنا العربي ما زلنا نعاني من هذا الاتهام الخطير الذي قد يؤدي لتصفية العلماء والفلاسفة جسديا.

[2]– الديمقراطية: في نظر اسبينوزا الديمقراطية هي أفضل أشكال الحكم الذي يمكنه أن يحدد طريقة الحياة الحقة والسعيدة، فهو النظام الوحيد الذي يسير بالتوازي مع الرغبة الأولى في الإنسان ” الحرية والفرح “. إن النظام الديمقراطي هو أكثر الأنظمة السياسية مطابقة للطبيعة البشرية، خصوصا وأن الحالة المدنية تفترض “اثيقيا” من الناحية الفلسفية تحقق الفرح و الغبطة والاستقلال الذاتي، وعدم اقصاء الرغبة  باعتبارها ماهية الإنسان، بل وأكثر من ذلك فالنظام الديمقراطي يستمد مشروعيتة من العقل، ما دام السلوك الحر لا يتنافى مع الوحدة والفاعلية اللتين يدعوا لهما العقل ( الوسائطية  google).

[3]– منهج التفسير: يقوم هذا المنهج على دراسة النص الديني دون إيلاء أهمية لطابعه المقدس، أي يتم اعتباره ظاهرة إنسانية و تاريخية يتعامل معها، كالظواهر الطبيعية، والهدف منه الكشف عن حقيقة النص وخصائصه، ولكي لا أطيل الحديث ألخص هذا المنهج فأقول : إنه لا يختلف في شيء عن المنهج الذي تتبعه في تفسير الطبيعة ، بل يتفق معه في جميع جوانبه، فكما أن منهج تفسير الطبيعة يقوم أساسا وقبل كل شيء على ملاحظة الطبيعة وجميع المعطيات….، ثم الانتهاء منها إلى تعريفات الأشياء الطبيعية، فكذلك يحتم علينا تفسير الكتاب أن نحصل على معرفة تاريخية مضبوطة ( رسالة في اللاهوت والسياسة ، انظر ص 234 ).

[4]– النقد التاريخي، توجه منهجي لنقد وفحص النصوص الدينية، يقوم على ثلاث مسالك أساسية وهي؛ المسلك اللغوي: ” يجب أن يفهم طبيعة وخصائص اللغة التي دُونت بها أسفار الكتاب المقدس، والتي اعتاد مؤلفوها التحدث بها، وبذلك يمكننا فحص كل المعاني التي يمكن أن يُقيدَها النص حسب الاستعمال الشائع ( رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 236)، مسلك الموضوع والسياق: ” يجب تجميع آيات كل سِفر وتصنيفها تحت موضوعات أساسية عددها محدود، أو بعد ذلك تجمع كل الآيات المتشابهة والمجملة، أو التي تعارض بعضها البعض ” (  رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 236) أما السياق يجب فيه فهم المعنى بالعقل وحده. أما المسلك التجميعي المعرفي: يقول اسبينوزا ” يجب أن يربط هذا الفحص التاريخي كتب الأنبياء بجميع الملابسات الخاصة التي حفظتها لنا الذاكرة، و أعني سيرة مؤلف كل كتاب وأخلاقه، والغاية التي يرمي إليها ومن هو ، وفي أي مناسبة كتب كتابه، وفي أي وقت، ولمن، وبأي لغة كتبه …” (  رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 238 )..

فالنقد التاريخي ينهج توجهين: الأول داخلي، يتم فيه تفسير الكتاب من خلال لغته وموضوعاته وسياقه، والثاني: براني؛ يعتمد فيه على حياة وتجربة من خَطوا الكتاب.

[5]– يناقش اسبينوزا مفهوم الدين على ضوء معطيين اثنين، وهما؛ الأول؛ مرتبط بالجانب السيكولوجي للإنسان، الخوف والانفعالات في علاقتهما بالطقوس والشعائر أو المظاهر البرانية للدين. وهذا يصلنا بالمعطى الثاني أي الخرافة، والتي يتم استعمالها للتسلط على الناس يقول اسبينوزا: ” فالخرافة  هي أكثر الوسائل فعالية لحكم العامة، ولذلك كان من السهل باسم الدين دفع العامة تارة إلى عبادة الملوك كأنهم آلهة، ودفعهم تارة أخرى إلى كراهيتهم و معاملتهم وكأنهم طامة كبرى على الجنس البشري (رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 111).

[6]– المعجزة: يعتقد الناس أنها مُعطى خارق لقوانين الطبيعة يُظهر من خلالها الله قدرته وجبروته، لكنها في الأصل جزء من النسق القانوني العِلي للطبيعة، لأن الله لا يمكنه أن يضع قانونا ويخرقه، بحيث لو فعل سيكون متناقضا.

[7]– النبوة: أو الوحي، هي المعرفة اليقينية التي يُوحي الله بها إلى البشر عن شيء ما، والنبي هو مُفسر ما يوحي الله به لأمثاله من الناس الذين لا يقدرون على الحصول على معرفة يقينية به، ولا يملكون إلا إدراكه بالإيمان وحده، ويُسمي العبرانيون النبي ” نبيا ” أي خطيبا أو مُفسِرا (  رسالة في اللاهوت و السياسة – ص 119 ).

[8]” فلو أردنا أن تظهر لنا قُدسية الكتاب دون الاعتماد على أي حكم سابق، فيجب أن نبرهن بالكتاب نفسه على أنه يصلح الحقيقة الخُلقية، إذ أن هذه الطريقة هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها البرهنة على قدسيته.. فيجب إذن أن نستنتج قدسية الكتاب من دعوته إلى الفضيلة الحقة فحسب، وهذا ما لا يمكن البرهنة عليه إلا بالكتاب نفسه “ ( – رسالة في اللاهوت والسياسة ص 235).

[9]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005، ص 116.

[10]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005– ص 347.

[11]– ” فالله لم يطلب على لسان الأنبياء أن يعرف الناس عنه إلا عدله و إحسانه، أي الصفات التي تعطي الناس قاعدة عملية للحياة… فالكتاب لا يعطي أي تعريف صحيح لله، ولا يطلب من المؤمنين أن يدركوا من صفات الله إلا ما ذكرناه الآن، ولا يوحي صراحة بأي صفات أخرى، وننتهي من ذلك كله إلى أن المعرفة العقلية لله، والتي تصل إلى الطبيعة الإلهية في ذاتها….. أقول: إن هذه المعرفة لا تنتمي في شيء إلى الإيمان وإلى الدين المُوحى به ” (رسالة في اللاهوت والسياسة، – ص 342-343).

[12]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005 – ص 349-350.

[13]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005 – ص 352.

[14]–  إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005 – ص 437.

[15]– –  إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005،ص:  437.

[16]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005  – ص 438.

[17]– إسبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة وتقديم، ذ حسن حنفي، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت؛2005   – ص 439.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد غنام

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: سهام سايح

تدقيق علمي: علي رضا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.