تأخذك إلى أعماق الفكر

اللوبي الإسرائيلي في مواجهة بيرني ساندرز

في سبتمبر عام 2016، عقدت حركة العمل اليهوديّة في بريطانيا حفلة شواءٍ صغيرة لإنشاءِ حزبٍ جديدٍ للشباب، فقد صرّح جيرمي نيومارك رئيس لجنة الشؤون العسكرية آنذاك بأنه قبل عام واحد، في سبتمبر عام 2015، التقى هو ومجموعة صغيرة من الشركاء في مقهى للتخطّيط بإعادة تشكيل لجنة الشؤون للقيام بشيء ما.

وكان ذلك الشيء يستخدم الحقوق والامتيازات التي تتمتَع بها حركة العمل اليهودية بوصفها مجتمعًا اشتراكيًا داخل حزب العمَّال البريطاني، وكانت الخطة تهدف أيضًا لإعادة تشكيل لجنة القانون الدولي على خلفيَّة ما وصفه نيومارك بأنه صعود جيريمي كوربين وهو سياسي بريطاني ورئيس حزب العمال المعارض منذ عام 2015 في بريطانيا، وبيرني ساندرز في الولايات المتحدة الأمريكية وهو مرشح امريكي للانتخابات الرئاسية لعام 2020 في مواجهة دونالد ترامب وجو بايدن.

وبشكل خاص، اعترف نيومارك في حديثه مع كادره الصغير من الناشطين الصهاينة الشباب بما لا يفعله علنًا؛ فقد كانت لجنة القانون الدولي منظمة ميّتة قبل أن يصبح جيريمي كوربين اليساري زعيمًا لحزب العمال بشكل غير متوقع في سبتمبر2015. وبالتنسيق الوثيق مع السفارة الإسرائيلية في لندن، فقد أُعيد تأسيس لجنة القانون الدولي -حيث برز كوربين- وكان سلاحًا سياسيًا ضد القاعدة الشعبية اليسارية الموالية للفلسطينيين لحزب العمل.

لقد أدرك نيومارك لسنوات -كمناصر من أنصار اللوبي البريطاني المناصر “لإسرائيل” والمعادي لفلسطين- أن الحركات الشعبية خلف كل من كوربين وساندرز سوف تكون أكثر انتقادية “لإسرائيل” من أي وقت مضى، ولذلك كانت هناك حاجة ملحّة إلى تحطيم هذه التحركات على الجانبين.

ولقد لعبت لجنة القانون الدولي، وهي جماعة الضغط الأكثر تأييداً “لإسرائيل” دورًا رئيسيًا في تحقيق هذه الغاية على وجه التحديد. وعلى مدى أربع سنوات، تعرض كوربين للاحتقار والذم ونزع الشرعية وتشويه السمعة، وأخيراً الهزيمة في الانتخابات العامة في ديسمبر.

إعلان

وكان اللوبي والحركة الصهيونية ككُل في طليعة الحركة المضادة للثورة التي قامت بها المؤسسة البريطانية ووسائل الإعلام واليمين العمالي لخلع كوربين كزعيم للحزب، والآن يحاول اللوبي المؤيد للاحتلال الاسرائيلي تكرار هذا العمل البطولي في الولايات المتحدة ضد المرشح الرئاسي الديمقراطي بيرني ساندرز.

وفي الولايات المتحدة، كما كانت الحال في بريطانيا، يحاول مرشح آخر فاسد لزعامة اليسار، يسانده تحرك شعبي هائل، لتغيير المناخ السياسي بشكل جذري وتحقيق فوز يسار الوسط بالانتخابات. الحقيقة هي أن كوربين وساندرز ليسا شيوعيّين ولا متطرفين، كما أنهما لا يتبنيانِ برامج مناهضة للصهيونية! الواقع أن ساندرز وصف نفسه في أكثر من مناسبة بأنه “مؤيد لإسرائيل بنسبة 100%.

لكن يبدو أن كلا الجانبين بحثا إمكانية تخفيف تدفق المساعدات العسكرية الغربية إلى الاحتلال الإسرائيلي بشكل طفيف، ولكن حتى هذا الانحراف الطفيف عن عقود من الدعم غير المقبول الذي تقدمه الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية للصهيونية، ليس مقبولاً في نظر اللوبي الصهيوني.

ولهذا السبب فإن الجماعة الديمقراطية ظاهريًا هي أول من ينفق أموال اللوبي الرئيسية التي تهاجم المرشح الرائد في السباق الأولي، وهذه الجماعة تطلق على نفسها الأغلبيّة الديمقراطية “لإسرائيل”، رغم أنك لن تلحظ ذلك من الإعلانات الانتخابية التي ترغب في حصد أو توجيه أكبر نسبة من الأصوات الرئيسية في الانتخابات.

فالإعلانات التلفزيونية لا تذكر إلا أنها دفعت ثمنها لمؤسسة دبي للاستثمار، وموضوعها لا يتعلق بالسياسة، بل إنهم بدلاً من ذلك يهاجمون ساندرز باعتباره “غير قابل للانتخاب” ويُلقي بظلال من الشك على حالة صحته. وتفيد التقارير بأن المجموعة قد رصدت نحو مليون دولار من الإعلانات.

ولكن من يموّل الأغلبية الديمقراطية “لإسرائيل” يظل غير واضح على وجه التحديد، ولكن الجماعة لديها صِلات واضحة للغاية بأيباك، لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، والتي ربما تكون الأكثر نفوذاً وتمويلًا من قِبَل الجماعات المؤيدة للصهيونية والمعادية لفلسطين في الولايات المتحدة.

ومثل ما خاضت أيباك أيضًا الحرب ضد ساندرز، فقد شنت هجومًا عنصريًا مقززًا ضد حليفي السناتور رشيدة طليب(أول نائبة من أصول فلسطينية) وإيهان عمر (أول امرأة مسلمة تدخل الكونجرس).

في سلسلة قصيرة من إعلانات فيس بوك، اتهمت أيباك المتطرفين في الحزب الديمقراطي بالسياسات المعادية للسامية والمعادية “لإسرائيل”. وعرضت الإعلانات صور طليب وعمر وزميلهم بيتي مكولوم الذين أعلنوا حملة من أجل وضع مشروع قانون ضد السجن التعسفي للأطفال الفلسطينيين.

والواقع أن التلميحات هذه المرتبطة بالإعلانات ذكرت على نحو فاضح أن عمل الثلاثة كان أكثر شرًا من “تنظيم الدولة الإسلامية” كما يسموه. وعلى الرغم من أكاذيب لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية حول معاداة السامية، فمن الواضح أن الهم الحقيقي الذي يشغل اللوبي يتلخص في حماية قدرة الاحتلال الإسرائيلي بالشكل الأمثل لتعذيب وسجن الأطفال الفلسطينيين في ظل الإفلات من العقاب التام.

ولكن الإعلانات أتت بنتائج عكسية، واضطرت أيباك إلى الاعتذار، ولقد رفض مكولوم اعتذارهم واصفًا إياهم بـ”جماعة الكراهية” التي تسلحها بمعاداة السامية. وحتى الآن لم يهاجم اللوبي الصهيوني ساندرز بشكل مباشر بلطخات من معاداة السامية. ولكن من المؤكد من أن الأمر سوف يحدث، على الرغم من حقيقة أنه يهودي بذاته.

ومن الجدير بنا أن نتذكر أن الهجمات ضد كوربين بسبب معاداة السامية المزعومة لم تبدأ باتهامات مباشرة؛ بل كان كل شيء يدور حول الشعور بالذنب من خلال شبهات بذلك. وكثير من هؤلاء المتهمين هم أنفسهم من اليهود الذين تجرؤوا قليلًا للميل عن القطيع.

والسبيل الوحيد للتغلب على هذه الأكاذيب يتلخص في رفضها بالكامل بصوت عالٍ وبقوة مثل ردة فعل مكولوم التي تعتبر مشجّعة. ولضمان النصر؛ يتعين على الحركة الأوسع نطاقًا أن تعمل على دعم هذا الموقف على نحو غير قابل للإذعان وعلى الدوام.

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: فرح فرحان

تدقيق لغوي: سدرة الأصبحي

تدقيق علمي: أفنان أبو يحيى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.