تأخذك إلى أعماق الفكر

اللكمات المتقاطعة

السؤال: متى تقوم الحرب العالمية الثالثة؟
الإجابة: عندما تتغير حقائق القوة على الأرض بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

من حافة هذا السؤال الكبير إلى نهاية تلك الإجابة التاريخية، يمكننا عنونة القرن الحادي والعشرين الذى يشهد صراعاتٍ فرعية تشير في النهاية إلى أطراف المعركة الأصليين. فليس غريبًا أن ينتهي القرن العشرون اقتصاديًا بالأزمة المالية للنمور الآسيوية فى عام 1997، وقت الرخاء الأمريكي فى عهد بيل كلينتون، و ليس غريبًا أن يفتتح القرن الحادي والعشرون أحداثه السياسية بزلزال 11 سبتمبر 2001، لتعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى قلب آسيا بغزوها لأفغانستان، وكأن إشارات النهاية والبداية المشتركة في آسيا تعلن عن قوةٍ جديدة، تجهز وتتأهب لمنافسة القوة الأمريكية.

في الوقت الذى انشغلت فيه الإدارات الأمريكية بحروبها في الشرق الأوسط، كان الشرق الأقصى بقيادة الصين يستكمل أسباب قوته، فيحيد موقفه السياسي لصالح الفعل الاقتصادى، حتى جاء العام 2013 لتعلن الصين حقيقة جديدة في معادلة القوة العالمية، و هي مشروع ” الحزام و الطريق ” التجاري التاريخي الممتد من الصين مرورا بباقي آسيا إلى أوروبا وأفريقيا، ليربح التنين الصيني المسيطر على 14.8 % من الناتج الإجمالي العالمي فى نهاية 2016 نحو 3 تريليون دولار، بعد توقيع عقود نهائية لمشاريع لوجستية متكاملة مع 26 دولة من أصل 56 محل مرور هذا المشروع. هذا رغم ادعاء تباطؤ النمو الصيني و انهيار أسعار النفط، لتشير التقديرات الأمريكية إلى تربع الصين منفردة على عرش الاقتصاد العالمى بحلول 2023 بفارق 5 تريليون دولار، إذا لم يمزق الحزام و الحرير الصيني أي مسمارٍ أمريكي..

هنا لنا وقفة أمام مشاهد مثيرة من تفاعل حقائق القوة على مسرح العمليات العالمي تحمل ردود أفعال أمريكية حادة لإفشال الطموح العظيم للصين، نستعرضها على النحو التالي:

1- أطول وأهم مسافة للحزام الصيني التجاري تمتد من قلب الصين بدايةً من أفغانستان، حيث تتواجد الولايات المتحدة، مرورًا بإيران العائدة إلى العالم بعد توقيع الاتفاق النووي فى 2016 وقت انهيار أسعار النفط، ليستكمل الحزام اتجاهه من إيران متجاوزًا العراق إلى تركيا حيث قاعدة إنجرليك الامريكية، ويمضي الحزام فى اختراقه لدول شرق أوروبا حتى يصل منها إلى أهم محطتين، حيث موسكو وتليها برلين فى ألمانيا، وبإعادة النظر في أغلب دول الحزام نرى بوضوحٍ إما تمركز أمريكي فيها أو محاولة لإعادة تمركز..

إعلان

2 – طريق الحرير الصيني يحتضن دول جنوب شرق آسيا محل أزمة النمور فى 1997، ليمر بعدها إلى الهند وهى محطة قوة سياسية واقتصادية هامة تستخدمها الولايات المتحدة لإحباط المشروع الصيني؛ سياسيًا عن طريق إثارة النزاعات الحدودية بين الهند والصين تارة وبين الهند وباكستان تارة أخرى، واقتصاديًا بإعادة إنعاش مجد الهند بتوريد الأسلحة الأمريكية والنفط الصخري الأمريكي أيضًا. و يواصل طريق الحرير إبحاره فى المحيط الهندي الذي شهد أول قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي حيث مشارف أفريقيا، والتي تستضيف كذلك قواعد أمريكية وفرنسية، ويعبر طريق الحرير من دول شرق أفريقيا إلى باب المندب، حيث الأسطول الأمريكي الخامس، قاطعًا البحر الأحمر بطوله إلى قناة السويس منطلقًا للبحر المتوسط حيث الأسطول الأمريكى السادس، ومنها إلى دول جنوب أوروبا حتى فيينا عاصمة النمسا.

3 – يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية قلقة من الحزام أكثر من الحرير، وتبحث عن نقاط ارتكاز مشتركة بينهما تربك حسابات الصين، التي تراقب عن كثب أهم ثلاث نقاط وهم…

أولًا:،
باكستان حيث الوضع النووي تحت الرعاية الأمريكية، ونزاعها المتجدد مع الهند النووية أيضًا، وكذلك التقارب الخليجي الباكستاني تحت عنوان الهوية الإسلامية، والذي يعزز من بناء شراكاتٍ اقتصادية وسياسية مؤثرة مع دول حليفة للولايات المتحدة..

ثانيًا:
إيران، وهى نقطة ارتكاز تحاول أمريكا جاهدةً استعادتها فى صفها علنًا رغم الاستعراضات العدائية الإعلامية بخصوص الملف النووي، والذي يتفق بشأنه جانب المؤسسات الأمريكية كالدفاع والخارجية والكونجرس، ويختلف معه من جانب آخر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، كنوع من إضفاء توازن سياسي على علاقته بدول الخليج..

وهذا يكشف جانبًا آخر من الرواية فى الأزمة الخليجية المفتعلة لتصدير قطر الغاز المسال من حقل مشترك مع إيران إلى الصين بالعملة الصينية، وربما إلى أوروبا أيضًا، مما يهدد سطوة السيد الدولار الأمريكي على التجارة العالمية.

ثالثًا:
تركيا، والتي تعد حليفًا جيدًا لأمريكا فى مواجهة روسيا، والتي تتجاوز أزماتها السياسية مع تركيا لصالح استكمال المشروع الصيني، وفي المقابل تنشط تركيا فى مبارزة سياسية طويلة مع الأتحاد الأوروبي بقيادة ألمانيا، رأس الحربة الأوروبية فى يد الصين ضد الولايات المتحدة..

4 – طوال التاريخ عانت الصين من أطرافها، ولم يمس قلبها الجغرافي أي اختراق، مما ساعدها على التماسك الثقافي والسياسي والاقتصادي، وهلال الأطراف الشرقي المحيط بالصين يعاني فعليًا من هيمنةٍ أمريكية في اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان التى غازلها ترامب بتلقى مكالمة هاتفية من قيادتها، فى إشارة للتخلي مستقبلًا عن مبدأ الصين الواحدة.. وتبقى كوريا الشمالية الورقة النووية المهمة في يد الصين وروسيا لصد التوغل الأمريكي في شرق آسيا، فحروب الكلام الأمريكية الكورية هى بالأصل موجهة لقوة الصين الاقتصادية وقوة روسيا السياسية، اللتين بمثابة شرايين الحياة للنظام الكوري الشمالي، باختصار كَشْط جذع الشجرة الكوري الشمالي يكشف عن وجه الصين ومن خلفها روسيا..

أخيرًا.. أي تغييرٍ فى حقائق القوة السابقة يؤدي إلى اشتعال حربٍ عالمية ثالثة، ظلالها قائمة بالفعل من خلال مشاهد اللكمات المتقاطعة بين القوتين، والأهم الآن أن الولايات المتحدة مشغولة بإضعاف قوة الصين الكلية على حساب انشغالها بنفسها، من خلال فتح جبهات صراع ترتبط فى النهاية بمصالح التنين الصيني.

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك:

الاقتصاد الياباني كيف نهضت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية

علي الحفناوي يكتب للمحطة القتل بإسم الدين

لماذا تهبط أسعار صرف الدولار الأمريكي ؟ “العملة الأكثر قبولا عالميا”

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.