تأخذك إلى أعماق الفكر

الكلمة بالكلمة والبادئ مُغرَم تدوينة ضحى حمد

البادئ بـ الكلمة لا ينتهي في حضرة الفضاء بل تأخذه الأبديّة إلى حيث يرى.

وأنا ابتدأت بالكلمة.

باسم الكلمة الأولى على شفاه الإنسان الأوّل الغريب، باسم الحكايات البعيدة في جدران الكهف الأقدم، باسم نقش البدائيّ الذي وصل إلينا هنا، الآن، ليقول: كان يا ما كان، كنّا هناك فخلّدينا -يا لغة الميّتين- إلى الأبد.

أمّا بَعدُ… فأنت.

كلّ اللغات هاجرت إليك منذ البعيد البعيد، كلّ اللغات حَمَام سلامٍ وأنت الهديل. فحدّثني، كي يتوقّف الوقت عن إنهائك في كلّ لحظة، حدّثني، ربّما يبقى الحديث بعد التلاشي ويذكرك الوجود.

وأنا مثلك، يأخذني الكلام إلى الحقيقة والخيال، ويأخذني إلى مساءِ أغنية أنيقة فأعيش تفاصيلها، أو إلى صحراء قصيدة عربيّة فأسكن في موسيقاها وتحت الشّمس. ويأخذني الكلام إليك، أينما كنت. فحدّثني باللغة التي أيقظَنا هذا العالم على صوتها، وحدّثني باللغة التي همستْ لك: أنا هويّتك الوحيدة، وأنا أنت.

إعلان

وأنا مثلك، كلّ كلمة حدّقتُ فيها لملمتْ معناها وانتشرتْ في خاطري، كلّ معنى غرق هناك في أعماق نفسي أنجَدَه الحديث، وكلّ حديث معك ممتع إذا كان من هنا؛ من القلب، حيث تعرّفنا معاً على كلمة “المحبّة”.

وأذكر أنّنا معاً تلعثمنا بالكلمة الأولى، ومعاً غنّينا حروف الأبجديّة، ومعاً احترنا بالمعاني والكلمات… ثمّ كبرنا وامتلأ عالمنا باللغة، معاً اخترنا أن نقرأ طه حسين ودرويش ومحمود المسعدي والمعرّي… ومعاً نسينا لمن قرأنا، ومعاً كتبنا قصيدتنا الأولى وقصّتنا الأولى… والأهمّ من كلّ هذا، أننا معاً كذبنا، كم كذبنا!: أنت قلت لي بحسرة أنّ لغتنا ماتت، وأنا قلت لك أنّها لا تموت. وكلانا كان يعلم أنّنا كذبنا! أنّ لغةً لا تعيش ولا تموت، أنّ لغةً لا تفرح ولا ترثي نفسها، وأنّها لن تقول يوماً: “رجعتُ لنفسي فاتّهمتُ حصاتي…”، وأنّ حافظ إبراهيم كان قد افترى كلّ ذلك على لسانها!

وأنا مثلك، أخاف أن يهترئ المعنى ولكنّني لن أمشي في جنازة لغة، ولن أحتفل بها ولن أضيء الشّموع. أنا فقط سأتكلّم بها، وسأحدّثك عنها وعنّي.

فحدّثني بها كيما يتآكل الشّعور، وحدّثني عنك قبل أوانك لعلّك تحيا، لعلّ الأفق المستحيل يتورّد من رحيلك، ويبقيك همساً في الذّاكرة!

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى نرشح لك

و لكن في جسدٍ واحد ! قصة قصيرة لـ أمل المصري

ولادة مُسبقة قصة قصيرة

قناعٌ مَفقود !

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.