تأخذك إلى أعماق الفكر

القراءة ..الفريضة الغائبة

ثمة سؤال على إحدى منصّات التدوين يقول: ما معدّل قراءتك اليومية؟
تراوحت إجابات الجمهور، بعضهم أجاب من حيث كمية الصفحات التي يقرأها، والبعض الآخر أجاب من حيث عدد الساعات التي يقضيها في القراءة.

لكنّ الحقيقة أنّ الإجابة النموذجية لا تكون بعدد الصفحات التي نقرأها أو بعدد الساعات التي نقضيها في القراءة، لأنّ هذا ليس غاية القراءة، بل إنّ القراءة عمليّة تفاعل وجداني وعقلي مع الكتاب يسعى لإحداث تغيير نوعي من خلال التراكم المعرفي الذي يحوّله الإنسان إلى واقع عمليّ سلوكيّ.

وهنا، يأخذنا الحديث لطرح الاسئلة الآتية:

لماذا نقرأ؟

نقرأ لأنّ القراءة هي أوّل أمر ربّانيّ نزل من السماء إلى الأرض، وليست مجرّد هواية أو طقس من طقوس الترف أو الترفيه التي يمارسها الإنسان بشكل يومي، أو أسبوعي وشهري أو سنوي، بل هي مفهوم عميق يتجاوز فكّ الخطّ وقراءة الحروف والكلمات لتصل إلى فهم مقصد الكلمة، في موضعها وسياقها وما يريد الكاتب وما لا يريده، هي فرض ودعوة إلى الغوص في بحر العلوم كي تستخرج منه أفضل ما تخدم به البشرية.

القراءة تمسح الغبار عن العقول، وتزيل الغشاوة عن الأبصار، فحينما يقرأ الإنسان، تتفتح خلايا عقله، وتصبح أكثر نضجًا، فيصبح صاحب رؤية وليس تابعًا. وهنا نستذكر قول الفيلسوف الإنجليزي، فرانسيس بيكون، حين يقول

إعلان

“اقرأ من أجل المعارضة والنقد، وليس من أجل الإيمان والتسليم”

إننا نقرأ بحثًا عن القوة، ليس بمعناها المادي، بل بمعناها الروحي والعقلي والإنساني، ولأنّ قارئ اليوم هو قائد الغد، فهي تصنع جيلًا رائدًا عملاقًا يواجه صعوبات الحياة بحكمةٍ، وليس بتهوّر، يواجهها بعضلات عقلية، وليس بعضلات جسدية فقط، فاليد التي تتصرّف من دون إذن العقل هوجاء.

نقرأ كي لا نكون شركاء في تدمير حضارتنا، وهنا نذكر قول الأديب الأميركي راي برادبوري:

“ليس عليك سوى حرق الكتب كي تدمر حضارة ما”

حينما يقرأ الإنسان كتابًا يشعر بأنّ الكتاب ينقله من مرحلة الجهل إلى مرحلة العلم، ويزرع فيه الرغبة في مواصلة الرحلة لقيادة البشرية على عِلم، وهنا يقول فولتير، حينما سُئل عمن سيقودون الجنس البشري، فأجاب: “الذين يعرفون كيف يقرأون”.

وها هو عملاق الفكر والأدب العربي، عباس محمود العقاد، يؤكد “القراءة غذاء للعقل والنفس، وسمو بالروح والقلب”، حيث يجد كل قارئ فيها رغبته، ويكتسب معارف كثيرة؛ ويخبرنا عن سبب حبّه القراءة بأنّ:

“لي في الدنيا حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفي ولا تحرّك ما في داخلي من بواعث للقراءة”

ماذا نقرأ ؟

الإجابة على هذا السؤال لها وجهان:

الأول: من حيث النوع والمضمون، أتّفق مع الرأي القائل بضرورة أن (تقـرأ كل ما تقع عليه عيناك، مقـالات وجـرائد وكتـب، ولا تكتفـي بنوع واحد من الكتب بل نوّع بين هذا وذاك، إلى أن تجد أن نفسك قد مالت إلى نوعية محددة منها، فبإمكانك بعد ذلك الاستزادة منها ..

الثاني: من حيث الشكل (قد تكون النصيحة الأفضل للمبتدئين في القـراءة ألا يبتدئوا إلا بنوعية خفيفة من الكتب ذات حجم صغير أو متوسط، ومن بعدها لهم أن يختاروا الكتب ذات الأحجام الكبيرة).

متى نقرأ؟

قد تكون أفضل مرحلة للقراءة في سن صغيرة، حيث أن هذه المرحلة تكون قد عودتك على حب القراءة، بالإضافة إلى أنها أفضل مرحلة لتخزين المعلومات القرائية. لكن لمن لم يلحقوا تلك المرحلة، ما زال أمامهم الكثير من الوقت بالتأكيد. يجب على القارئ أن يحدد الوقت والمكان والزمان المناسب للقراءة ، فمنا من يفضل فترة الصباح، ومنا من يفضلها قبل النوم، ومنا من يفضل بين الاثنين.. المهم أن يخصص في اليوم سويعات محددة للقراءة! (منقول من مدوّنة أفلاطونية)

كيف نقرأ؟ هل نقرأ بشكل أفقي أو عمودي؟

في مقال بعنوان “ماذا نقرأ؟” للكاتب شوقي بزيع (منشور في صحيفة الخليج بتاريخ 27/04/2016)، يقول:
إنّ القراءة المتخصصة يمكن أن تناسب المشتغلين بالشأن العلمي الذي يحتاج إلى تعمق وتفرغ طويلين، كما هو حال الطب والهندسة والرياضيات والعلوم الوضعية المختلفة. أما المشتغلون بالآداب والفنون فإنهم يحتاجون إلى إثراء مخيلاتهم وتوسيع مداركهم وتنمية لغاتهم عبر مختلف المصادر المعرفية، وقد سبق لمحمود درويش أن أعلن في أحد حواراته أنه يجد متعة كبيرة في قراءة كتب الفلك والفيزياء والجغرافيا والتاريخ، إضافة إلى استمتاعه بقراءة المعاجم والقواميس من طراز «لسان العرب».
ثم إنّ اقتصار الشاعر على قراءة الشعر وحده، والروائي على قراءة الرواية، قد تدفع كلًا منهما إلى الوقوع في فلك هذا الشاعر أو ذاك الروائي ممن يجد في أسلوبه ولغته نموذجه ومثاله، في حين أنّ تنويع القراءات بعيدًا عن «الاختصاص» الأصلي يتيح للغة أن تتلقح بعناصر الجدة والمغايرة وثراء المفردات.

شخصيًا: أظنّ أنّ القراءة الأفقية هي وسيلة رائعة لتشكيل بستان معرفي في عقل الانسان يستطيع إخراج الوردة المناسبة في الزمان المناسب وفي المكان المناسب ويعطيها لمن تناسبه.

ختامًا: أؤكّد على ضرورة الخروج من فكرة “كم كتابًا قرأت؟” أو “كم ساعة تقضي في القراءة؟”.. إلى فكرة “ماذا قرأت؟” “وكم فهمت مما قرأت؟” “وهل طبّقت ما قرأت؟”

مساهمة من مصطفى أبو السعود

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.