تأخذك إلى أعماق الفكر

الفيلم الفلسفي “Waking Life” والقضايا التي يناقشها

تدور أحداث فيلم Waking Life عن شاب يعود إلى أوستن. ثم يصعد بسيارةٍ تبدو كقارب مع مجموعة ركاب، ويختار له أحدهم مكان النزول قبل أن تصدمه سيارة عابرة. ثم يكتشف فيما بعد بأنه عالقٌ في سلسلة غير متناهية من الأحلام.

خلال النصف الأول من الفيلم، يستمع إلى نظريات مختلفة من شخصيات مختلفة حول الوجود البشري، إما بلقاء مفاجئ أو على شاشة التلفاز. ولا يتحدث إلا قليلًا عن نفسه. في النصف الثاني من الفيلم أدرك “ويلي” أنه عالقٌ في سلسلةٍ من الأحلام الواضحة، يحاول الاستيقاظ وعندما تفشل جهوده، يظن بأنه قد يكون في الواقع ميتًا، ويعاني من حالة تشبه الحلم في الحياة الآخرة.

سأضع في هذا المقال بعض القضايا والأسئلة الفلسفية التي طرحها فيلم Waking Life في حواراته الرائعة:

1) في المشاهد الأولى حين يصعد ويلي مع المجموعة في السيارة التي شبهها سائقها بالمركب (كمركب الحياة) مثلًا، يشير حينها السائق لبلور السيارة الأمامي، ويقول: “هذه بمثابة نافذتي الصغيرة نحو العالم، وفي كل دقيقة هناك عرض مختلف، الآن قد لا أفهمه، بل وليس بالضرورة أن أتفق معه، ولكن دعني أخبرك بأني أتقبله، ومن الممكن القول بأني أتماشى معه. غايتك هي أن تحاول الحفاظ على استقرار الأمور، أعتقد أن هذا ما أحاول قوله”. وهذا القول يعيدنا إلى مشكلة الهوية عند الفيلسوف ديفيد هيوم “يبدو أن هويتنا تتكون من تصورات عابرة”.

كان هيوم منزعجًا من هذه المشكلة، وشعر أن عقولنا في الواقع تبني مفهومًا أكثر استدامة للذات. وعلى ما يبدو أن سائق السيارة كان يعيش أسوء مخاوف هيوم.

2)  يحضر ويلي محاضرةً فلسفية لأستاذ فلسفة الحياة الواقعية “روبرت سولومون”، في جامعة تكساس في أوستن. سولومون يحاضر عن الوجودية، ويقدّمها بتفاؤلٍ كفلسفة الحرية الإبداعية. بعد انتهاء المحاضرة يخبر ويلي المحاضر سولومون بأنه يختلف مع فلسفة ما بعد الحداثة؛ لأنه ينظر إلى البشر على أنهم منشآت اجتماعية، مجرد التقاءٍ للقوى، بشكل مجزَّأ ومهمش. هذا يعطي الناس الأعذار لسلوكهم. لكن الوجوديين مثل سارتر، يشعرون بأننا مسؤولون عن أفعالنا، وهذه المسؤولية تنبع من حرية الإنسان. يجادل سولومون بأنه لا ينبغي لنا أن نرى أنفسنا كضحايا لقوى مختلفة. هل نحن حقًا بحاجة لمفاهيم الحرية لمنحنا الشعور بالمسؤولية؟.

إعلان

3) يزور ويلي منزل كيم كريزان، وهو كاتب السيناريو الذي يناقش طبيعة اللغة كنظامٍ للإشارات. حقيقة أنه يمكننا إنشاء الكلمات التي تشير إلى أشياء ملموسة، مثل كلمة شجرة، فهي ليست رائعة حقًا. وتوضح أن الشيء الرائع هو كيف تنقل الكلمات مفاهيم مجردةً مثل الحب أو الإحباط. عندما نقول هذه الكلمات، ويفهمنا الناس، فإنها ترقى إلى نوع من الشراكة الروحية، قد يكون هذا الشعور عابرًا، لكنها تعتقد أن هذا ما نعيش من أجله. هل نقل الأفكار المجردة كافٍ كما تدّعي؟.

4) يزور ويلي “إيمون هيلي”، أستاذ الكيمياء في أوستن. يناقش  هيلي التطور البشري والقيم المرتبطة به: التطفل، الهيمنة، الأخلاق، الحرب، الافتراس. في هذا المخطط “يكون الفرد على أهواء الجماعة”. ثم يذكر أننا بدأنا نوعًا جديدًا من التطور، والذي يتضمن التكنولوجيا الحيوية (الذكاء الاصطناعي، والبيولوجيا العصبية)، والتي ستحدثُ بسرعة أكبر، وتتضمن مجموعةً جديدةُ من القيم: الحقيقة، والولاء، والعدالة، والحرية. هنا يصبح الفرد أكثر قيمةً فيحد ذاته. يبدو هيلي متفائلًا إلى حد ما بشأن أشكال الحياة المستقبلية للروبوت البشري. هل هنالك بعضٌ من أسباب تفاؤله؟.

5) يجادل الرجل الذي أشعل النار في نفسه بأن المجتمع لم يمنحنا فرصة للتعبير عن آرائنا خارج عملية التصويت التي لا معنى لها إلى حد ما. إنه يشعر بهذه الطريقة بشكلٍ خاص؛ لأن رسالته الخاصة هي الدمار والفوضى. إن المسألة ليست قضية رقابة، بل مسألة وصول للجمهور. ما هو المهم بشأن وجود جمهور لآرائنا، خاصة إذا تم تجاهلنا -تمامًا كما تجاهله المارّة أثناء احتراقه حتى الموت.

6) يناقش الزوجان وهما يرقدان في الفراش معًا (من فيلم Linklater “قبل شروق الشمس”) نسخةً من مفارقة حلم Chuang-tzu: رجل يحلمُ أنه فراشة، لكنه قد يكون حقًا فراشة. تعتقد الشابة أن حياتها اليَقِظَ، قد تكوّن ذكريات امرأة عجوز في اللحظات الأخيرة من حياتها. يقول الشاب أن الدراسات الحديثة حول نشاطِ الدماغ للنوم أو الموت بين الأشخاص تُظهر أنه يمكن جمع التجارب مدى الحياة في بضع دقائق فعلية
من النشاط. إذا كان هذا صحيحًا، فهل هذا يجعل فرضية “كل شيء حُلُم” أكثر إلحاحًا؟.

7) يناقش الزوجان أيضًا مفهوم الذاكرة الجماعية، وهو رأيٌ عبر عنه روبرت شيلدريك، والذي يتضمن مجموعةً كبيرةً من المعرفة التي نستمدّها جميعًا. يذكر الشاب أن هذا من شأنه أن يفسّر في السابق أن صنع بعض الاختراعات في نفس الوقت في مناطق متفرقة من أنحاء العالم في العلوم والفنون، من قبل الأشخاص الذين يعملون بشكلٍ مستقلٍ عن بعضهم البعض. “بمجرد أن تكون الإجابات متاحة، يمكننا جميعًا الحصول عليها، يبدو أننا نشارك جميعًا تجاربنا عبر التخاطر”. هل هناك تفسيرٌ أكثر بساطةً لمثل هذه القفزات المبتكرة في جميع أنحاء العالم؟.

8) في مشهدٍ تالٍ يقف فيه مجرمٌ في زنزانته متوعدًا، وتكون صرخة السجين مثيرةً للقلق تحمل الكثير من الحقد؛ فهو يريد تعذيب كل شخصٍ مسؤولٍ عن وضعه في السجن، ومع ذلك فهو غير قادرٍ على رؤية أنه في المكان الذي يحتاجه بالتحديد بسبب ميوله المعادية للمجتمع. إذا افترضنا أنه غيرُ قادرٍ على إدراك ذنبه، فهل يستحقُ عقوبةً أقل من شخص مماثلٍ يفهم ذنبه؟.

9) يزور ويلي أستاذ فلسفة UT أوستن ديفيد سوسا، الذي يجادل بأنه لا يوجد مجالٌ كبير للإرادة الحرة.  يعتقد الفلاسفة الكلاسيكيون أن الله هو الذي أعد الأشياء مقدمًا. يؤكد أكثر الفلاسفة المعاصرين أنّ البشر مجردُ نظام من الجزيئات. لقد حدد الانفجار العظيم الظروف الأولية، وحياتنا البشرية هي مجرد حركةٍ من الجسيمات دون الذرية. ويجادل بأن هذه الصورة تهدد فكرة أن البشر لديهم كرامة خاصة. هل الحتمية تقوض بالضرورة كرامةَ الإنسان كما يقترح سوسا؟.

10) يجادل سوسا بأن عدم تحديد الجسيمات الذرية لا يعطينا نموذجًا للعمل بحرية: وهذا في أفضل الأحوال يفسر السلوك العشوائي. يقول سوسا أنه يفضّل أن يكون أداة في آلة حتمية كبيرة بدلًا من بعض الانحراف العشوائي في نظامٍ احتمالي!

11) يظهر برنامج الحوارات الليبرالية، “أليكس جونز”، وهو يقود سيارته عبر المدينة ويتحدث عن نظام السلطة الفلسطينية. عندما نكون مضطرين لقبول الشرط الذي يدفعنا للتخلي عن حرياتنا، وهو ما يفعله المجتمع من خلال جعلنا نشعر بالشفقة.
بدلاً من ذلك، يقول جونز، يجب أن نتبنى “الإبداع والروح البشرية الديناميكية التي ترفض الخضوع” ويكمن السؤال هنا: هل يستحق “الأمن” التخلي عن بعض من حريتنا الإبداعية؟.

12) تجلس الأستاذة الإنجليزية ليزا مور في مطعمٍ مع الكاتبة كارول داوسون تناقش مشكلة الهوية البشرية بمرور الوقت. يناقشون نظرية بنديكت أندرسون أننا بحاجة إلى بناء قصة من أجل ربط (مثلًا) صورةٍ لأنفسنا كطفلٍ رضيعٍ مع ما نحن عليه الآن. يبدو أن أندرسون يفكر في القصص الخيالية التي ابتكرناها. لنفترض أنني أحاول إنشاء قصةٍ خيالية عن ماضٍ سأكون فيها الوريث المنسي للعرش البريطاني. ألن
تبقَ الحقيقة التاريخية على حسابي الخيالي تحت السيطرة؟.

13) القرد في الفصول الدراسية يعبر عن آراء المصور والموسيقيّ ستيف فيتش. ووفقًا لـ Fitch، الفن هو اللغة التي ابتكرها البشر لإبعاد أنفسنا عن ماضينا البشري الفارغ والمتدهور، والوصول إلى عالمٍ جديد.

14) يزور ويلي أستاذ فلسفة UT أوستن لويس ماكي، الذي يجادل بأنّ الفجوة بين الشخص العادي وأفلاطون أكبر من الفجوة بين الشخص العادي والشمبانزي. ويجادل بأن العبقرية الحقيقية نادرًا ما تتحقق، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبيرٍ إلى الكسل البشري. هل هذه نظرةُ مفرطةٌ في التشاؤم للإنجاز البشري؟.

15) يدافع الرجل المخمور في الحانة، الذي يلعبه الممثل ستيفن برينس، عن ملكية السلاح، النادل يوافق على ذلك ويقول: “إنّ حمل الشعب للسلاح هو شيءٌ جيدٌ، وهو أفضل دفاعٍ ضد الاستبداد”.  ثم يطلق ستيفن النار بالخطأ على النادل الذي يرد بدوره انتقامًا ويردي ستيفن قتيلًا.  (مأساة تستند إلى حدث حقيقي).

16) يكشف النصف الثاني من الفيلم، الذي يركز على الأحلام الواضحة، القضية الفلسفية للمظهر-الواقع، بنفس الطريقة التي يثيرها ديكارت في التأملات سؤالًا عما إذا كان يحلم. تجادل إحدى الشخصيات بأنه “بالنسبة للنظام الوظيفي للنشاط العصبي الذي يخلق عالمنا، ليس هناك فرق بين حلم الإدراك والفعل، وفي الواقع إدراك اليقظة والعمل”. أثار ديكارت القضية كمسألة شكّ نظريّ حول العالم الحقيقي. هل تجعل النظرية العلمية المذكورة أعلاه مشكلة الحلم/الاستيقاظ أقل نظريًا؟.

17) المخرج كافيه زاهدي، يناقش نظرية أندريه بازين: الفيلم هو محاكاة الله، الفيلم هو الأفضل عندما يحافظ على هذه “اللحظات المقدسة”. لماذا يجب أن تكون اللحظة العفوية أكثر “قداسة” من اللحظة المخطط لها، مثل قراءة ممثلٍ للنص؟.

18) يشير الشاعر ديفيد جويل، في محادثة مع زاهدي، إلى الوعي بالطبقات المختلفة عند محاولة الانخراط في “اللحظة المقدسة”؛ مثل اللحظة المقدسة نفسها، وجهود المرء لتحقيق هذه اللحظة. يدّعي بعض الناس أنه يمكنهم تجريد كل الطبقات الادعائية، وتجسيد اللحظة المقدسة النقية نفسها.

19) تجوب عصابة من المثقفين الشوارع، وتنتشر أفكارًا فلسفية. يرون رجلًا عجوزًا كان على عمود هاتف بدون سببٍ واضح. قال أحد أفراد العصابة “إنه ليس أسوأ منا. كل شيء ليس له نظرية، وكلنا نظرية ولا عمل”. هل هناك أي طريقة لتحديد أفضل توازن بين النظرية والعمل؟

20) يصطدم وايلي بفتاة ذات شعر أحمر في نفق، ثم تناقشه على أن الناس يتصرفون وكأنهم جزء من مستعمرة النمل -يتصرفون بكفاءة وحنكة- دون أي تدخل بشري حقيقي. د. لورانس يصف هذا الانخراط بأنه المواجهة بين الأرواح، يوازي أيضًا تمييز مارتن بوبر بين علاقات I-It وI-Thou. كما هو الحال مع نظرية بوبر، يمكننا أن نسأل هذه المرأة: هل نريد حقًا أن نعيش في مجتمع حيث تنطوي جميع لقاءاتنا مع الناس على مشاركة إنسانية حقيقية؟.

21) يلتقي الشاعر تيموثي “سبيد” ليفيتش مع وايلي على جسرٍ ويذكر أن الوعي الذاتي يتكون من اكتشاف أن المرء شخصية حلم في حلم شخص آخر. إذا أخذنا هذا حرفيا، فإن ذلك له آثارًا على معضلة وايلي الحالية. بالنسبة للبقية منا، الذين لا يحلمون، ما هو المعنى المجازي  لوجهة نظر ليفيتش؟.

22) آخر لقاء لـ Wiley في فيلم Waking Life كان مع رجلٍ يلعب الكرة، تناقش نظرية بقلم فيليب ك.ديك (مؤلف كتاب Blade Runner و Total Recall) مفادها أننا في الواقع في سنة ال50 ميلادي، ولكن هناك قوة روحية شريرة تحاول أن تجعلنا ننسى أن ملكوت الله محصور. الوقت، بحسب ديك، مجرد إلهاء مستمرٍ. ثم ربط اختلافًا لنظرية ديك التي كان يحلم بها ذات مرة: السنة التي نحن عالقون فيها ليست 50 م، بدلًا من ذلك، هناك لحظةٌ واحدة فقط، وفي هذه اللحظة يسألنا الله عما إذا كنا نريد أن نكون  مع الأبدية، إذن نحن فقط نقول باستمرار “لا” لسؤال الله.

23) في تعليق صانع أفلام DVD، يقال أن جرعةً جيدة من الشك العلمي يجب أن تكمن وراء الأفكار البعيدة. أو -كما يقول- تتطلب المطالبات غير العادية إثباتًا غير عادي. ويذكر أنه يتمتع بنظريات غريبة مع ذلك.
…….
خاتمة:
تتجوّل الشخصية الرئيسة في هذا الفيلم “Waking Life” خلال الحياة، داخل وخارج الأحلام، تجد صعوبةً بالغة في تحديد ما إذا كان ما يعانيه حقيقي أم لا.  ربما يشعرك ذلك ببعض الضياع وربما تعمد المخرج ذلك، إلا أن هذا الفيلم يحتوي على قدرٍ كبيرٍ من المعرفة الفلسفية.
حين تمر  الشخصية الرئيسة عبر سلسلة الأحلام هذه، يلتقي بالعديد من الآراء المختلفة حول القضايا الفلسفية؛ مثل الإرادة الحرة، والهوية الشخصية، والواقع. ويبدو أنه في رحلةٍ للعثور على نفسه واكتشاف ماهية الحياة حقًا. في وقتٍ مبكرٍ من الفيلم، تواجه الشخصية الرئيسة العديد من الحالات التي يكون فيها مجرد جمهور للجمهور الفلسفي لشخص ما، حيث في وقت لاحق من الفيلم يبدأ في فهم الأشياء ويبدأ في الانخراط في محادثة عميقة. يصوّر الفيلم الشخصية الرئيسة كما لو أنها نائمة، وتستيقظ باستمرار في سلسة أخلام أخرى، ولا تستطيع
أبدًا أن تستيقظ.

في نهاية الفيلم، يُبقيك المخرج ريتشارد لينكلاتر للتخمين، ولا يكشف أبدًا عما كان يحدث حقًا للشخصية، وينهي الفيلم بمشهدٍ محرجٍ يمنحك
الانطباع بأنّ الشخصية تموت. يتركك معلقًا، دون معرفة ما إذا كانت الشخصية تنتقل ببساطة من حلم إلى آخر، أو إذا كان يعاني من سكرات الموت. الفيلم كان محيرًا ومتقلبًا قليلًا، لكنه مليءٌ بفلسفة مدهشة.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: احمد شريف

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.