هرمس مثلث العظمة _ الفلسفة الهرمسية

تعود الفلسفة الهرمسية إلى عصر ما قبل السلالة الفرعونية؛ حيث تمتد جذورها إلى بداية الحضارة المصرية القديمة، والتي يُقال أنها نشأت على يد الكهنة الذين نجوا من الفيضان الكبير؛ حيث استقروا في المنطقة التي تُعرف اليوم بأرض مصر وأرادوا إرساء دعائم حقبة جديدة في البشرية، وقد حُكِيَ عن تلك الحضارة على ألسنة بعض الفلاسفة اليونانيين والرومانيّن؛ فقد عبّروا بكثيرٍ من الانبهار عن حضارة مصرية غير مسبوقة في التطور الفكري والروحي، ولكن مع مرور الزمن بدأت تلك الحضارة في التلاشي، وتراجعت شعلة الحكمة يومًا بعد يوم، وظلّت منحسرة على تلاميذ تلك الفلسفة الهرمسية الذين عملوا على جعلها سرية لا يدري عنها عامة الناس، ولم تترك تلك الفلسفة إرثًا مكتوبًا بحسب علمنا، ولكن تركت نقوشًا ورموزًا تُعرف بـ “الهيروغليفية” على أعمدة معبد الشمس؛ فقد دأب العلماء على مَرّ التاريخ على ترجمة تلك النقوشات والرموز، ولكن تبين لاحقًا أنّ تلك الفلسفة تم تداولها على لسان تلامذة تلك المدرسة؛ حيث كانت تُنقل المعارف بين الذين يبحثون عنها في شكل مدرسة أسرار غير معروفة إلّا عند الذين كان لديهم الاستعداد للانضمام إلى ذلك المستوى من التطور الروحي والفكري.

وقد بقي لفظ “هرمس- مثلث العظمة” معروفًا حتى يومنا هذا، وقد عكف الفلاسفة والعلماء على دراسة وتحليل المبادئ التي تُركت من تلك الحقبة العائدة إلى هرمس، ويُذكر في العديد من كتب الفلاسفة القدماء أنّ كل الحضارات التي تلت قد استقت ثقافاتُها وفلسفاتُها من نبع الفلسفة الهرمسية، وراحت كل حضارة تضيف وتعدّل تبعًا لتوجهاتها.

كما أنّ علماء الفيزياء الحديثة اليوم يشيرون إلى أنّ المبادئ الهرمسية كانت لديها المعارف المتطورة التي بدأنا في هذا العصر استكشافها: في حقول الفيزياء الكونية والكيمياء وعلم الطبيعة وكذلك علوم النفس والروح أو ما يعرف بعلم الخيمياء. (عبد الهادي عباس)

وسوف نعرض في هذا المقال القواعد الهرمسية السبعة بشكل موجز؛ أو ما يعرف بالقوانين الكونية:

القانون الأول: “الوحدة Ones”

يقول هذا المبدأ: إنّ الكل يكمن في الوحدة، والوحدة تكمن في الكل، وهذا يعني أن كل الأشياء والأشخاص في الكون في اتصال؛ فليس هناك وجود للانفصال، وأنّ كل ما في الكون يشبه خلايا جسم الإنسان وهي تسير وتعمل بتناغم وتعاون تحت نظام العقل الكُليّ الذي هو الدماغ بالنسبة للجسد، ويشير أيضًا هذا المبدأ إلى أنّ الكونَ عقلٌ كليٌ غير محدودٍ بزمان أو بمكان، وأنّ كافّة موجودات الكون وعصوره وحالاته المُتَبدّلة عبر الأزمنة متواجدة داخل العقل الكليّ مثل الصور الذاكرية في الذاكرة البشرية، ومثل جميع الإبداعات والاختراعات والتصميمات البشرية لا يمكن أن تكون موجودة في الواقع لو لم تكن في البداية فكرة في ذهن المبدع ومن ثَمّ تجسدت في الواقع، كذلك فإنّ الكون بكافة أشكاله هو تمثُّلات وتجسيدات لتصوّرات إبداعات العقل الكوني الكلي. (فاروق عمر)

إعلان

القانون الثاني: “التماثل أو التطابق Correspondence”

ويشير ذلك إلى وجود تماثل ما بين عالمين متوازيين، “كما هناك الأعلى كذلك هناك الأسفل” وهذا يعني أنّ هناك تَماثُل بين القانون أو المبدأ وبين الظاهرة؛ مثل مفهوم القاعدة والتطبيق، ويُعتَبر هذا القانون الأداة الأساسية التي تسمح للبشر بإدراك ما هو مجهول وما لا يمكنهم معرفته، كمَثَلِ استكشاف عوالم أُخرى أو استكشاف الفضاء الخارجي في حين جلوسك داخل المُختَبر، وإدراك مكوّنات الشمس والنجوم دون لمسها، ومعرفة المسافات بين الكواكب دون أن نقطعها؛ فالتّماثُل هو القدرة على إدراك ما هو غير محسوس، ويشابه مفهوم التّجريد في فكر الإنسان الرّاشد وهو ما لا يملكه الطفل قبل وصوله للنضج العقلي، وهذا المبدأ يشير أيضًا إلى وجود عوالم لا متناهية، فكل عالَمٍ هناك ما يماثله في مجال زماني ومكاني آخر.

القانون االثالث: ” الذبذبة أو الاهتزاز Vibration”

هذا المبدأ يقول بأن كل شيء في الكون متحرك،؛ فالكون في حركة دائمة لا تتوقف، كل شيء وكل كائن لديه حركة أو ذبذبة تصدر عنه، وهو ما اكتشفه اليوم علماء الفيزياء الحديثة في تفسير المادة؛ فقد أدركوا أنّ للمادة حركة، وهذه الحركة لها مقياس في عالم المادة بحيث إما أن تكون بطيئة أو سريعة، وكذلك على صعيد الفكر والروح هناك طاقة حركية ذات درجات من التذبذب؛فتكون سريعة في الحالة الروحية بحيث تبدو في حالة ثبات؛ كالنظر إلى عجلات السيارة وهي تدور بسرعة قصوى فتبدو ثابتة. إذن هذا يدلّ هذا المبدأ على أن كل الأجسام تُصدر طاقة وكذلك كل الأفكار، وهذه الطاقة بالإضافة إلى ذلك تشتمل على سرعة وكثافة؛ فهي إما تكون كثيفة في الاجسام، أو خفيفة في الروح، وهناك الملايين من الدرجات للسرعة وللكثافة في طاقة الأجسام والأفكار المختلفة. (كمال جنبلاط)

القانون الرابع: “الأقطاب أو الأضداد Polarity” 

يدل هذا المبدأ على أنّ كل شيء في الكون هو عبارة عن ثنائية؛ فلكل شيء وجهان، فالضوء هو كيان واحد له حالتان هما النور والظلمة، والحرارة هي شيء واحد له وجهان؛ الوجه الساخن والبارد. إذن فكل موجودات الكون لها قطبية: الكره والحب، الخير والشر، النهار والليل، الحزن والفرح، ولا بدّ للبشر من اختبار كافة المتناقضات لفهم الازدواجية.

القانون الخامس: “السبب والنتيجة Causation”

هو المبدأ الدَّالّ على أنّ كل ما يحدث في الكون له سبب، وكل نتيجة لها مسبِّب. وهذا المفهوم يُعرف في الهندوسية بـ”الكارما”، وهو يدل على أن ما يحدث لنا هو نتيجة لأفكارنا، وأنّ ما يحدث في عالمنا هو نتيجة لأعمالنا، فمن عاش التعاسة إنّما هو استجلبها لنفسه بفكره وسلوكه؛ فالنجاح نتيجة الجهد والمثابرة، والفشل نتيجة الاستهتار والجهل، وانهيار المبنى ينتج عن خطأ في تصميمه. (أحمد سبانو)

القانون السادس: “الجنس Gender”

هذا القانون يشير إلى أنّ لكل شي في الكون حالة ذكورية وحالة أنثوية، ويمكننا فهم هذا المبدأ عند الإشارة إلى الله أو الخالق على أنه الأب، والإشارة إلى الارض أو الطبيعة على أنها الأم، وقد أشار القدماء إلى هذا المفهوم بمثال الشمس بوصفها ذكورية في القوة والسطوع، والقمر بوصفه أنثوي في الغموض والبرود، وفي الفلسفة الهرمسية يشار إلى الأب بأنه العقل الكليّ وهو بحسب ذلك الحالة الذكورية، و تليها الحالة التجسيدية التي خلقت كل الموجودات الكونية، وهي جميعها متواجدة في الرحم الكوني، إذ أننا نجد الوعي بالفكرة ومن ثمّ بعد ذلك خلقها وتجسيدها.

القانون السابع: “الإيقاع Rythm”

يشير هذا المبدأ إلى أنّ كل الأشياء لها إيقاع مثل الأرجوحة. أي أنّ كل ما يصعد لا بد له من أن يهبط، وهذا ينطبق على البشر في حالة الولادة والموت، البناء والدمار، طلوع الأمم ثم اندثارها، وفي الطبيعة نجدها في الشروق والغروب، الاخضرار والذبول، كما نجد الحياة والموت في كل المخلوقات، ونرى الازدهار في الشباب والاضمحلال في الكِبَر. (عبد الهادي عباس)

تُشكِّل هذه القوانين السّبعة في الفلسفة الهرمسيّة أساسَ ومنهجَ سياقِ التركيبة الكونية، حيث تسير كل موجودات هذا الكون وفقًا لهذه القوانين، وعند فهمها وإدراكها يمكن للفرد أن يتناغم مع العالم وأن يختبر السلام، وقد توصل كثير من المستنيرين عبر العصور عند اختبار الحيوات المختلفة إلى الوعي بالوحدة بعد تنحية الأنا الذاتية والاندماج مع الوعي الكوني المطلق، وهذا ما ناطت به فلسفة “هرمس- مثلث العظمة”؛ تلك الفلسفة التي كانت منبع الوعي الخالص والتي باتت تستقي منها السواقي الثقافية والدينية والفلسفية المتفرعة على مر التواريخ حِكمَها ومعارفَها.

المصادر:

كمال جنبلاط، في مسالك العرفان على خطى هرمس الهرامسة، الدار التقدمية.
احمد غاب سبانو، هرمس الحكيم بين النبوة والألوهية.
لويس مينار، ترجمة عبد الهادي عباس، هرمس مثلث العظمة أو النبي ادريس.
تيمثي فريك، ترجمة عمر الفاروق عمر، متون هرمس حكمة الفراعنة المفقودة، المشروع القومي للترجمة.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: الحان الجردي

تدقيق لغوي: عبير الششتاوي

اترك تعليقا