تأخذك إلى أعماق الفكر

العلم والدِّين والعلم المزيَّف

مقدمة

قدَّم العلم الحديث نموذجًا معياريًّا للمعرفة، وهو ما استلهمته العديد من المحاولات الفلسفية التي سعت إلى تجاوز الفلسفة باتجاه العلم. لا تقتصر الأسباب الكامنة خلف نجاح العلم في تحوله إلى نموذج معياري للمعرفة على نجاحه باكتشاف قوانين الطبيعة واستخدامها في خلق عالمنا التقني المعاصر؛ بل تتعدَّاها إلى طبيعته المعيارية نفسها والمستندة إلى الموضوعية والتجرُّد في سبيل الوصول إلى الحقيقة من خلال أساليب بحث دقيقة وتجريبية. لهذا أصبح العلم يمثل أرضية انطلاق مشتركة لما يمكن أن ندعوه البحث عن المعرفة والحقيقة.

لا يعني هذا أن كل معرفة يتوجب عليها أن تكون معرفة علمية، حتى تستحق اسمها أو الاهتمام بها؛ بل ما نعنيه أن العلم بوصفه نموذج معياري هو الشكل المثالي للجميع في سعيهم للحقيقة والمعرفة، وبرغم تباين اعتقاداتهم وأديانهم وأصولهم وفلسفاتهم. العلم هو الساحة المشتركة التي يمكن لنا الالتقاء عليها والحصن الأخير للدفاع عن الموضوعية والعقلانية.

لكن ما الذي نعنيه بالعلم، وتحديدًا العلم الحديث؟ ما الذي يميزه وكيف يمكن لنا أن نفرق بينه وبين أنماط التفسير الأخرى؟ ما الذي يميز التفسيرات التي تدَّعي العلمية ولكنها في الوقت نفسه ليست علمية، بل مزيفة؟ من المفيد العودة إلى بعض النقاشات التي دارت حول تأريخ نشأة العلم الحديث. فالسجال حول النشأة والبداية يستبطن نقاشًا آخرًا يدور حول معنى وماهية العلم الحديث، فالاختلاف حول ما هو العلم الحديث يؤدي إلى اختلافٍ حول تأريخه، وهذا التباين التاريخي يتيح لنا وبشكل أعمق فهم ظاهرة العلم الحديث نفسها.

طبيعة العلم

يتم التأريخ لنشأة العلم الحديث مع القرنين السادس عشر والسابع عشر،حيث حصلت خلال هذه الفترة تحولات مركزية، سواء في النظريات التي تفسر الظواهر الطبيعية أو في المنهجيات والطرائق المعتمدة في دراسة الطبيعة.

في عمله الممتاز فجر العلم الحديث[1]، يقدم (بوبي هف) أطروحة تُبكر من أصول العلم الحديث مستكشفًا إياها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر مع الثورة القانونية ونشأة الجامعات الغربية المختصة أولًا في دراسة القانون، الذي كان -بحسب هف- النموذج الأساسي للعلم الحديث. تتمحور الفكرة المركزية لـ(هف) حول ما يمكن اعتباره الخصائص الأساسية للعلم، خليقة العلم، التي هي مجموعة مركزية من الاعتقادات والالتزامات التي لا يمكن للعلم أن ينشأ بدونها، ويجب على جماعة العلماء أن يتحلوا بها، وبدونها لا يمكن لهم أن يكونوا علماء.

إعلان

أولها الاعتقاد بأن العالم منظم وخاضع لقوانين شاملة وكونية تحكمه، وأن الإنسان يمكن له -بعقله- أن يدرك هذه القوانين ويكتشفها (قدمت معايير روبرت ميرتون أهم هذه الصياغات لخليقة العلم وسنتحدث عنها لاحقًا). سعى (هاف) لاستكشاف أصول هذا الاعتقاد في الثورة القانونية التي عرفها الغرب في تلك المرحلة وما ارتبط بها من نشأة الكليات الحقوقية والممارسات والتقاليد التي نظمت ممارسة هذه الكليات. فالثورة القانونية ارتبطت بتقليد لاهوتي ميتافيزيقي ينص على أن الله وضع قانون أساسي في العالم، القانون الأخلاقي، وهو موجود بشكلٍ مستقل عن الدين والوحي، اللذان يعبران عن هذا القانون. فالقانون الأخلاقي العام يتلمسه أي شخص، بمعزلٍ عن خلفيته الدينية، من خلال الضمير الذي هو بمثابة مقياس عام يمكن لكلِّ إنسان بواسطته إدراك القانون الأخلاقي العام.

شكلت فكرة القانون الأخلاقي العام والمترافقة مع فكرة الضمير، الذي هو أداة عمومية لإدراك القانون، الخميرة الأساسية للعلم للحديث. حيث يقوم العلم على تصور مشابه، فالعالم محكوم بقوانين يمكن للإنسان اكتشافها باستخدام عقله؛ الذي هو بمثابة الضمير. كذلك فإن البحث بغاية معرفة هذه القوانين يشترط قدرًا من الحرية، تمامًا مثلما أن إدراك القانون الأخلاقي الطبيعي وطاعته تحتاج إلى حفظ حرية الضمير وتعزيزها، وهو الأمر الذي قامت به الجامعات، فقدمت خلال هذه العهود المبكرة محاولة أولى لتعزيز هذه الحرية. فالحرية الأكاديمية لا تخضع في سعيها إلى البحث عن الحقيقة لأي سلطة خارجية، سواء أكانت سلطة الدولة أو الدين أو التقاليد.

في مقابل هذا، قدم (أندرو كوننيغهام) و(بيري وليامز)[2] طرحًا مغايرًا يؤخر نشأة العلم الحديث إلى القرن التاسع عشر، انطلاقًا من فكرة مغايرة تميز بين العلم الحديث[3] وفلسفة الطبيعة باعتباره رؤية مغايرة للعالم حملها رجال مثل نيوتن وغاليليو وغيرهم. تستند فلسفة الطبيعة، وهو وصف مجال عمل هؤلاء الرجال، إلى أساس ميتافيزيقي مغاير للعلم الطبيعي الحديث، حيث يُنظر إلى الطبيعة بوصفها خليقة الله. فالهدف الخاص بالبحث في قوانين الطبيعية هو التعرف على الله كصانع للكون وعلى أهدافه. بالنسبة لهم لم يكن هناك فصل بين هذين الجانبين العلمي والميتافيزيقي في عملهم، كما يفعل العلماء اليوم؛ بل ظهرا بوصفهما جزء من نظام واحد. لهذا لا تقتصر براهينهم على الرياضيات والتجربة، بل تدخل فيها اعتقادات دينية وتصورات ميتافيزيقية. بالطبع تاريخ العلم الشائع يهمل البعد الميتافيزيقي والتصورات والمحاججات اللاهوتية التي تحفل بها أعمالهم باعتبارها أمورًا لا تتعلق بالجانب العلمي. بالمقابل، ينطلق العلم الحديث من تصور علماني وطبيعاني للطبيعة، فيبحث في قوانينها وظواهرها بشكلٍ موضوعي ودون افتراضات ميتافيزيقية تُعتبر اليوم غير علمية. فالعلم الحديث وفلسفة الطبيعة يقدمان رؤيتين مختلفين جذريًّا للعالم بحكم أساساتهما الفلسفية المتباينة. الانتقال من بين فلسفة الطبيعة إلى العلم حصل في القرن التاسع عشر، مع صعود البرجوازية ونزع السحر عن العالم وعلمنة النظرة للعالم.

لا يهمنا هنا الانتصار لإحدى الفكرتين على الأخرى، لكن الإشارة إلى أن التباين في تأريخ نشأة العلم يتعلق باختلاف حول ما هو مركزي في ماهية العلم الحديث. يسعفنا هذا الخلاف ببعض الخصائص الأساسية لما يمكن لنا أن نسميه علم، من ناحية هناك بديهيات ميتافيزيقية لا يمكن لنا أن نتخيل العلم بدونها مثل التي قدمها (هف). وجود قوانين تحكم العالم وتنظمه وأن الإنسان قادر باستخدام عقله على معرفة هذه القوانين واكتشافها بواسطة الملاحظة والتجربة والرياضيات (المنهج العلمي). وهناك أيضًا خاصية ابستمولوجية تحكم هذا البحث والتفسير الذي نسميه في النهاية علمًا وهو أنه تفسير طبيعاني، حيث يتم تفسير أي ظاهرة طبيعية عبر تقديم علل وأسباب طبيعية لهذه الظاهرة، وليس من خلال الإحالة إلى قوى من خارج الطبيعة أو سحرية أو باعتبارها تجليًا وكشفًا لحقائق متجاوزة وهو ما شدد عليه (كوننيغهام ووليامز).

قدم عالم الاجتماع (روبرت ميرتون) في ورقة شهيرة[4] مجموعة من المعايير التي تحدد العلم.

  • شيوع المعرفة العلمية (communism): ويقصد بها أن تكون المعرفة العلمية مفتوحة للجميع وليست حكرًا لجماعة أو مؤسسة.
  • الكونية (universalism): فالعلم ليس مقيد بعقيدة أو مذهب أو جماعة، فالعلم ليس سياقي. العلم هو نفسه سواء مارسه مسيحي أو مسلم أو هندوسي، أوروبي أو صيني أو إفريقي. الكونية ضمانة للموضوعية، حيث لا يكون العلم متعلق بآراء ومعتقدات بعض ممارسيه.
  • عدم الاهتمام (disinterestedness): يجب أن يكون هدف العلماء هو العلم في ذاته، وليس الانطلاق من اهتمامات خاصة تملي عليهم الانحياز لآراء ونظريات معينة دون غيرها.
  • الشك المنظم (organized skepticism): يجب على العالم أن يُخضع النظريات والفرضيات إلى الشك والمراجعة والنقد في مواجهة التجارب والمعارف الجديدة.

تحظى معايير (ميرتون) بقبول واسع بين العلماء باعتبارها المعايير التي يجب أن تحكم الممارسة العلمية. بالطبع، تتراوح المعايير بين كونها معايير أخلاقية تحكم الممارسة وهدفها (مثل عدم الاهتمام وشيوع المعرفة) أو معايير معرفية (مثل الكونية والشك المنظم).

إن إضافة معايير (ميرتون) إلى السمتين اللتين تم تقديمهما خلال النقاش السابق تعطينا فكرة عما هو العلم وما يميزه بوصفه نمط تفسير عن غيره من أنماط التفسير الأخرى.

لكن علينا أيضًا أن نميّز بين العلم والعلم المزيف. فالأخير يقدم نفسه بوصفه علمًا، ويطالب بحق الاعتراف به بصفته هذه. هنا قد لا تسعفنا تمامًا المعايير التي أوردناها أعلاه، وإن كان من المشكوك به حقًا أن تنجح العلوم المزيفة في الالتزام بهذه المعايير.

يعتبر معيار التكذيب لكارل بوبر[5] المعيار الأساسي لرفض العلوم المزيفة. الفكرة الأساسية هي أن ما يميز النظرية العلمية هو إمكانية تفنيدها تجريبيًّا، بينما لا تقدم العلوم المزيفة مثل هذه الإمكانية. سابقًا، كان من الشائع اعتماد مبدأ التأكيد/الإثبات في التعامل مع النظريات العلمية، فتُعتبر النظرية صحيحة إن نجحت في اجتياز الاختبار التجريبي. غير أن مبدأ الإثبات واجه تحديًّا من قِبل تاريخ العلوم، الذي يخبرنا أن العديد من النظريات التي اُعتقد بصحتها استنادًا إلى المعطيات التجريبية أو الملاحظة، ثبت خطأها لاحقاً في مواجهة معطيات جديدة ولاحقة. فالفلك البطليمي كان ولزمنٍ طويل كافٍ تجريبيًّا، فكان البحارة قادرين على الإبحار اعتمادًا عليه؛ لكن لاحقًا ومع تطور المراقبات الفلكية وتراكمها ظهرت التعارضات بين هذه المراقبات والفلك البطليمي، الأمر الذي استدعى البحث عن محاولات ونظريات مختلفة أكثر تلاؤمًا مع المعطيات المتراكمة. كذلك أشار (بوبر) في نقده لمبدأ الإثبات، أنه يمكن دومًا إثبات أية نظرية عبر انتقاء التجارب (يمكن لنا دومًا أن نجد ما يثبت صحة تصوراتنا) أو عبر تضييق مجال التفسير الخاص بهذه النظرية، بحيث تنطبق على عددٍ محدودٍ من الظواهر القابلة للتقليص دومًا للحفاظ على النظرية صحيحة. مبدأ الإثبات مبدأ محافظ، يتفادى تحدي النظرية ويسعى إلى الحفاظ عليها، وهذا ممكن دومًا من خلال العديد من الاسترتيجيات، بما يعرقل توسع البحث العلمي والسعي إلى اختبار نظريات جديدة واستكشاف ظواهر جديدة.

استعاض (بوبر) عن معيار التأكيد بمعيار التكذيب. حيث تواجه النظرية بشكلٍ مستمر بالمعطيات التجريبية، وما دامت النظرية ناجحة، فإننا نقبل بها، حتى ظهور معطيات تجريبية جديدة قادرة على تفنيدها. يرتبط ظهور هذه المعطيات بالتقدم العلمي والدور الذي تلعبه النظرية نفسها بفضل ما تقدمه لنا من إمكانيات واقتراحات جديدة للبحث. وفي حال نجاح المعطيات التجريبية في تفنيد نظرية ما، يتوجب استبدالها بنظريةٍ أخرى أكثر نجاعة وقدرة على تفسير المعطيات التجريبية. قد تكون النظرية الجديدة مغايرة تمامًا لتلك القديمة (كوبرنيكوس عوضًا عن بطليموس) أو قد تكون أكثر اتساعًا بحيث تشمل النظرية السابقة بوصفها حالة خاصة منها (كما فعل ماكسويل بجمعه الحقلين المغناطيسي والكهربائي في نظرية موحدة).

ما يجعل من نظرية ما علمية، قبل أن تكون صحيحة أو خاطئة، هو إمكانية تفنيدها تجريبيًّا وإثبات خطئها بفضل وجود مجموعة من التوقعات التي تقترحها النظرية، بما يسمح باختبارها تجريبيًّا. بالمقابل تتفادى العلوم المزيفة الاختبار التجريبي من خلال التلاعب المستمر بالفرضيات والمفاهيم التي تستخدمها، أو إلغاء هذه الإمكانية أساسًا بواسطة مفاهيم لا يمكن اختبارها لأنها لا تحيل إلى أيِّ محتوى تجريبي محدد. لنأخذ مثلًا العلاج بالسحر والطاقة، فهذا العلم المزيف لا يمكن اختباره، فمن جهة يستخدم مفاهيم لا يمكن تحديدها تجريبيًّا أو رياضيًّا مثل الأرواح والطاقة الكونية والجن. من جهة ثانية يتفادى اعتماد النجاح والفشل في العلاج بوصفه قياس تجريبي عبر التلاعب المستمر بربط الشفاء وعدمه بالمقولات التي تعتمدها النظرية. فإن نجح فهذا دليل على صحة ادعاءاته، وإن فشل فهذا ليس دليلًا على خطأه، بل بسبب ضعف الطاقة الروحية أو أن الروح المسؤولة عن العلاج لم تكن راضية أو أن لها غاية لا نفهمها نحن البشر وهلم. بالتالي حتى ما يمكن اختباره تجريبيًّا، عدد حالات الشفاء وعدمها، لا تعود تمثل اختبار تجريبي لمثل هذه النظريات التي لا يمكن تكذيبها.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: موريس عايق

تدقيق لغوي: مرح عقل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.