تأخذك إلى أعماق الفكر

العلاقة بين التدين والذكاء: هل حقا قلة التدين ترفع مستويات الذكاء؟

قبل أكثر من 400 عام من ولادة يسوع الناصري، كتب الكاتب المسرحي اليوناني يوريبيدس في مسرحيته بيلليروفون:“هل يقول أحدهم أن هناك آلهة في الأعلى؟ لا يوجد؛ لا ليست هناك. لا تدع أحمق، من خلال هذه الحكاية الزائفة القديمة، يخدعك هكذا”.
لم يكن يوربيديس ملحدًا واستخدم فقط كلمة “أحمق” لاستفزاز جمهوره، لكن إذا نظرت إلى الدراسات التي أجريت على مدار القرن الماضي، ستجد أن أولئك الذين لديهم معتقدات دينية سوف يحصلون بشكل عام على درجات أقل في اختبارات الذكاء. هذا هو الاستنتاج الذي توصل إليه عالما النفس ميرون زوكرمان وجوردان سيلبرمان من جامعة روتشستر وجوديث هول بجامعة نورث إيسترن الذين نشروا تحليلًا شموليًا في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي Personality and social psychology.

هذا هو أول تحليل شمولي منهجي لـ 63 دراسة أجريت بين عامي 1928 و2012. في مثل هذا التحليل ينظر المؤلفون إلى حجم عينة كل دراسة، وجودة جمع البيانات، وطرق التحليل، ثم يفسرون التحيزات التي ربما تسللت دون قصد إلى العمل. يتم بعد ذلك كسر هذه البيانات من خلال منظور النظرية الإحصائية لاستخلاص نتيجة شاملة لما وجده العلماء في هذا المجال. “استنتاجنا“على حد تعبير زوكرمان “ليس جديدًا”.

أضاف زوكرمان: “إذا قمت بحساب عدد الدراسات التي وجدت ارتباطًا إيجابيًا مقابل تلك التي وجدت ارتباطًا سلبيًا، فيمكنك استخلاص نفس النتيجة لأن معظم الدراسات تجد ارتباطًا سلبيًا”. لكن هذا الاستنتاج سيكون نوعيًا، لأن أساليب الدراسات تختلف. “ما فعلناه هو استخلاص هذا الاستنتاج بشكل أكثر دقة من خلال التحليل الإحصائي.”

وضع الحدود

من أصل 63 دراسة، أظهرت 53 دراسة علاقة سلبية بين الذكاء والتدين، بينما أظهرت 10 دراسة علاقة إيجابية. شوهدت ارتباطات سلبية كبيرة في 35 دراسة، بينما أظهرت دراستان فقط ارتباطات إيجابية كبيرة.

عرّف علماء النفس الثلاثة الذكاء بأنه

إعلان

“القدرة على التفكير والتخطيط وحل المشكلات والتفكير المجرد وفهم الأفكار المعقدة والتعلم بسرعة والتعلم من التجربة”.

باختصار ، هذا هو الذكاء التحليلي، وليس الأشكال المحددة حديثًا للذكاء الإبداعي والعاطفي، والتي لا تزال موضع نزاع. في الدراسات المختلفة التي يتم فحصها، تم قياس الذكاء التحليلي بعدة طرق مختلفة، بما في ذلك GPA (رقم يمثل متوسط قيمة الدرجات النهائية المتراكمة المكتسبة في الكورسات الأكاديمية بمرور الوقت)، UEE (نتائج امتحانات القبول بالجامعة)، عضوية منسا (جمعية منسا هي جمعية تضم الناس التي تسجل أعلي درجات علي إختبارت الذكاء)، واختبارات حاصل الذكاء (IQ)، من بين أمور أخرى.

يُعرَّف التدين بأنه الانخراط في بعض (أو كل) جوانب الدين، والتي تشمل الإيمان بما هو خارق للطبيعة، وتقديم الهدايا لهذا الخارق، وأداء الطقوس التي تؤكد معتقداتهم. تم قياس علامات التدين الأخرى باستخدام الاستطلاعات وحضور الكنيسة والعضوية في المنظمات الدينية.

من بين آلاف الأشخاص الذين شاركوا في هذه الدراسات، وجد المؤلفون أن الجنس أو التعليم لم يُحدثا فرقًا في العلاقة بين التدين والذكاء. ومع ذلك فإن العمر مهم. العلاقة السلبية بين التدين والذكاء كانت الأضعف بين طلاب ما قبل الجامعة. قد يكون هذا بسبب تفرد تجربة الجامعة، حيث يغادر معظم المراهقين المنزل لأول مرة، ويتعرضون لأفكار جديدة، ويتم منحهم درجة أعلى من الحرية للتصرف بناءً عليها. بدلاً من ذلك، في سنوات ما قبل الجامعة، قد تعكس المعتقدات الدينية إلى حد كبير معتقدات الأسرة.

الملاحدة الموهوبون

هل هناك احتمال أن يجعل الذكاء العالي الناس أقل تديناً؟ حاولت مجموعتين من الدراسات واسعة النطاق الإجابة على هذا السؤال.

الأولى تعتمد على مجموعة تيرمان للموهوبين، والتي بدأت في عام 1921 من قبل لويس تيرمان، عالم النفس في جامعة ستانفورد (لا تزال هذه المجموعة متبعة)، ففي الدراسة جند تيرمان أكثر من 1500 طفل تجاوز معدل ذكائهم 135 في سن العاشرة، واستخدمت دراستين هذه البيانات، واحدة أجراها روبن سيرز في جامعة كولومبيا في عام 1995 والأخرى بواسطة مايكل ماكولو في جامعة ميامي عام 2005، ووجدوا أن “النمل الأبيض”  كما يُطلق على الموهوبين كانوا أقل تديناً عند مقارنتهم بعامة الناس.

ما يجعل هذه النتائج جديرة بالملاحظة ليس فقط أن هؤلاء الأشخاص الموهوبين كانوا أقل تديناً، وهو أمر يُلاحظ بين نخبة العلماء أيضًا، ولكن أفاد 60 بالمائة من النمل الأبيض أنهم تلقوا تدريبات دينية “صارمة جدًا” أو “كبيرة” بينما تلقى 33 بالمائة القليل من التدريب. وهكذا، نشأ كل النمل الأبيض الموهوب تقريبًا ليصبح أقل تديناً.

تستند المجموعة الثانية من الدراسات على طلاب مدرسة هانتر كوليدج الابتدائية في نيويورك للموهوبين فكريًا، تختار هذه المدرسة طلابها بناءً على اختبار يُجرى في سن مبكرة لدراسة تدينهم، استجوب خريجي هذه المدرسة عندما كان عمرهم بين 38 و 50 عامًا، كان لديهم جميعًا معدل ذكاء تجاوز 140 ووجدت الدراسة أن 16 بالمائة فقط منهم استمدوا الرضا الشخصي من الدين (تقريبًا نفس العدد مثل النمل الأبيض).

لذلك في حين أن دراسة هانتر لم توضح عوامل مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي أو المهنة، فقد وجدت أن الذكاء العالي في سن مبكرة يسبق الإيمان المنخفض بالدين بعد سنوات عديدة.

كانت الدراسات الأخرى حول هذا الموضوع غامضة. قارنت دراسة عام 2009 بقيادة ريتشارد لين من جامعة أولستر المعتقدات الدينية ومتوسط معدل الذكاء القومي في 137 دولة. في العينة التي شملتها الدراسة، كان هناك 23 دولة فقط لديها أكثر من 20 في المائة من الملحدين، وهو ما يشكل وفقًا لما قالته لين:“جميع البلدان ذات معدل الذكاء المرتفع تقريبًا”. كانت العلاقة الإيجابية بين الذكاء والإلحاد قوية، لكن الدراسة تعرضت لانتقادات من جوردون لينش من كلية بيركبيك لأنها لم تأخذ في الحسبان العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية المعقدة (ملاحظة هنا [1]).

إنها المعتقدات، يا غبي:

بشكل عام، خلص زوكرمان وسيلبرمان وهال إلى أنه وفقًا لتحليلهم الشمولي هناك القليل من الشك في وجود ارتباط سلبي كبير (أي أن الأشخاص الأكثر تديناً يسجلون درجات أسوأ في مقاييس الذكاء المختلفة). يكون الارتباط أكثر سلبية عندما يقيس التدين المعتقدات بدلاً من السلوك. قد يكون ذلك بسبب استخدام السلوك الديني لمساعدة شخص ما على الظهور وكأنه جزء من مجموعة على الرغم من أنه قد لا يؤمن بما هو خارق للطبيعة.

فلماذا يبدو الأشخاص الأكثر ذكاءً أقل تديناً؟ هناك ثلاثة تفسيرات محتملة. أحد الاحتمالات هو أن الأشخاص الأكثر ذكاءً هم أقل عرضة للتوافق، وبالتالي هم أكثر عرضة لمقاومة العقيدة الدينية. وجد التحليل الشمولي لعام 1992 لسبع دراسات أن الأذكياء قد يكونون أكثر عرضة للإلحاد عندما يعيشون في مجتمعات دينية، لأن الأشخاص الأذكياء يميلون إلى أن يكونوا غير ملتزمين.

التفسير الأكثر شيوعًا هو أن الأشخاص الأذكياء لا يحبون قبول أي معتقدات لا تخضع للاختبارات التجريبية أو التفكير المنطقي. كتب زوكرمان في المراجعة أن الأشخاص الأذكياء قد يفكرون بشكل أكثر تحليليًا، وهو “تفكير منهجي وبطيء”، على عكس الحدسي “قائم على الكشف عن مجريات الأمور، وغالبًا غير واعي، وسريع. يؤدي هذا التفكير التحليلي إلى تدين أقل (ملاحظة هنا أيضا [2]).

التفسير الأخير هو أن الذكاء يوفر ما يوفره الدين للمؤمنين. هناك أربع أشياء يوفرها الدين من هذا القبيل اقترحها زوكرمان وسيلبرمان وهال.

أولاً، يمنح الدين الناس إحساسًا بالسيطرة. وقد تجلى ذلك في سلسلة من الدراسات التي أجريت بين عامي 2008 و2010، والتي أظهرت أن تهديد شعور المتطوعين بالسيطرة الشخصية زاد من إيمانهم بالله. قد يكون هذا لأن الناس يعتقدون أن الله يجعل العالم أكثر قابلية للتنبؤ وبالتالي أقل تهديدًا. تمامًا مثل الإيمان بالله، فقد ثبت أن الذكاء العالي يمنح الناس المزيد من “الكفاءة الذاتية”، وهي الإيمان بقدرة المرء على تحقيق الأهداف. لذا إذا كان لدى الأذكياء سيطرة أكبر فربما لا يحتاجون إلى الدين بالطريقة نفسها التي يحتاجها الآخرين.

ثانيًا، يوفر الدين التنظيم الذاتي. في دراسة أجريت عام 2009، تبين أن الدين مرتبط برفاهية أفضل. تم تفسير هذا على أنه إشارة إلى أن المتدينين كانوا أكثر انضباطًا في السعي وراء الأهداف وتأجيل المكافآت الصغيرة للأهداف الكبيرة. بشكل منفصل، أشار التحليل الشمولي لعام 2008 إلى أن الأشخاص الأذكياء كانوا أقل اندفاعًا. قد يتطلب الإشباع المتأخر ذاكرة عاملة أفضل يمتلكها الأذكياء. لذا تمامًا كما في السابق، يعمل الذكاء كبديل للدين، ويساعد الناس على تأخير الإشباع دون الحاجة إلى تدخلات إلهية.

ثالثًا، يوفر الدين تعزيز الذات. قارن التحليل الشمولي لعام 1997 بين المتدينين في جوهرهم ، الذين يؤمنون بشكل خاص بما هو خارق للطبيعة ، بالدينيين الخارجيين ، حيث يكون الناس مجرد جزء من مجموعة دينية دون الإيمان بالله. يشعر المتدينون في جوهرهم بأنهم أفضل عن أنفسهم من عامة الناس. وبالمثل ، فقد ثبت أن الأشخاص الأذكياء يتمتعون بإحساس أعلى بتقدير الذات. مرة أخرى ، قد يوفر الذكاء شيئًا من ما يوفره الدين.

أخيرًا، وربما الأكثر إثارة للاهتمام، هو أن الدين يوفر الارتباط. غالبًا ما يدعي المتدينون أن لديهم علاقة شخصية مع الله. يستخدمون الله “كمرساة” عندما يواجهون فقدان أحد الأحباء أو علاقة فاشلة. تبين أن الأشخاص الأذكياء يجدون “مرساة” في الناس من خلال بناء العلاقات. لقد وجدت الدراسات أن أولئك الذين حصلوا على درجات عالية في مقاييس الذكاء هم أكثر عرضة للزواج وأقل عرضة للطلاق، وبالتالي فإن الأشخاص الأذكياء ليس لديهم حاجة أقل للبحث عن الدين كبديل عن الرفقة.

أعطني الثغرات:

يستهدف هذا التحليل الشمولي فقط الذكاء التحليلي، والذي بالتأكيد ليس المقياس الكامل للذكاء البشري على الرغم من الجدل المستمر حول كيفية تحديد وقياس الباقي منه (ملاحظة هنا [3]). أيضًا، على الرغم من أن المراجعة تشمل جميع الدراسات التي أجريت من عام 1928 إلى عام 2012، إلا أنها لا تفعل ذلك إلا للدراسات المكتوبة باللغة الإنجليزية. يعتقد المؤلفون أن هناك دراسات مماثلة أجريت في اليابان وأمريكا اللاتينية، لكن لم يكن لديهم الوقت أو الموارد لإدراجها.

يحذر زوكرمان أيضًا من أنه على الرغم من وجود الآلاف من المشاركين بشكل عام، والذين تتراوح أعمارهم بين جميع الأعمار، فإن جميعهم تقريبًا ينتمون إلى المجتمع الغربي. كان أكثر من 87 في المائة من المشاركين من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا. لذلك بعد التحكم في العوامل الأخرى، يمكنهم بثقة إظهار ارتباط سلبي قوي بين الذكاء والتدين بين البروتستانت الأمريكيين. بالنسبة للكاثوليكية واليهودية، قد يكون الإرتباط أقل سلبية (ملاحظة هنا [4]).

هناك بعض التعقيدات في التفسيرات أيضًا، التفسيرات المحتملة حاليًا هي مجرد تخمينات وإحتمالات. هم بحاجة إلى دراسة تجريبية.

أخيرًا، ليست كل الدراسات التي تمت مراجعتها ذات جودة متساوية، وقد تم انتقاد بعضها من قبل باحثين آخرين، ولكن هذا هو بالضبط سبب إجراء التحليلات الشمولية. تساعد في التغلب على قيود حجم العينة، والبيانات الضعيفة، والتحليلات المشكوك فيها للدراسات الفردية.

كما هو الحال دائمًا، فإن كلمة “ارتباط” مهمة. لم يتم إثبات أن الذكاء العالي يجعل الشخص أقل تديناً (ملاحظة هنا [5]). لذا لن يكون من الصواب أن نطلق على شخص ما غبي لمجرد معتقداته الدينية، ما لم تكن بالطبع كاتبًا مسرحيًا قديمًا تتطلع إلى إثارة جمهورك.

نرشح لك من التديُّن الكلاسيكي نحو التديُّن المُعاصر

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حسام جمال

تدقيق لغوي: أمينة براهيمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.