تأخذك إلى أعماق الفكر

الشغل. أو العقاب اليومي!

ملخّص النص:

يتناول الفيلسوف الفرنسي «بيير فورمي» (Thierry Formet) في هذا المقال موضوع الشغل (Notion du travail) من زاوية فلسفية، مقاربًا إيّاه بخلفية منهجية فينومينولوجية تروم وصف تمظهراته في الحياة اليومية للإنسان. حيث يحاول هذا الفيلسوف أن يبرز في هذه المقالة كيف أنّ الشغل لدى الإنسان أصبح يرتبط باليومي؛ ليؤثّر على الكثير من جوانبه، وبالتالي يعدّ من أشدّ الخصائص المؤثّرة في الوضع البشري المعاصر، رغم انعكاساته السلبية.

نص الترجمة:

كلّما حرصنا على حضور الموعد المحدّد دون تأخير، كلّما ساورنا القلق بشكل فعلي بشأن احتمال التأخر. بصدد هذا الأمر، تستولي علينا وتيرة العمل وتستحوذ علينا، حتى قبل أن يحين وقت عملنا الفعلي؛ وذلك رغبة منّا في الالتحاق بمهماتنا الخاصّة والمتكرر. وهذا ينطبق علينا جميعًا (سواء بالنسبة للممرضة، أو للمدرس، أو السباك، أو الخبّاز، أو العامل، أو الموظّف في مصلحة المداومة). ما يمكننا ملاحظته أنّ العمل فعلًا يتجاوز إطاره الخاص ليستغرقنا باستمرار. فما الذي يغدقه علينا إن لم يكن مجرّد الألم؟ إنّ ضيق الوقت والمكان الذي يفرضه علينا عادةً لهو أمرٌ قليل مقارنةً بالمجهود الذي يطلب منّا بدله باستمرار.

ولأن العمل شاقٌّ، يشتّت الانتباه؛ فإنّه من خلال ضمان استمرارية المسار الميكانيكي لتطوره، نكون قد قطعنا هذا المسار، حتّى نشعر بكون تجربته ضرورية. إذ «من الضروري حقًا أن أذهب إلى العمل» مثلما قد يقول الشخص الذي يقاطع محادثة هادئة أثناء جلسة مشمسة مع صديقه، أو الأب الذي يخرج للعمل تاركًا أطفاله متأسفًا في صباح يوم عطلتهم. لن يجد أيًّا كان شيئًا ليشتكي منه، ونادرًا ما يجرؤ على أن يرى في هذا العمل ذريعة للهروب لصعوبات أخرى، وهكذا يجب الذهاب للعمل؛ فليس هناك خَيَار آخر. في الحياة ما يمكن ضياعه في وقت أسرع هو أكثر أو يساوي ما يمكن كسبه والحصول عليه باستمرار. تظهر الضرورة إذًا في شكلٍ مزدوج من القيد (من حيث الكفاف)، والالتزام (من حيث الجانب المعنوي للمهمة المراد إنجازها)، بالضرورة التي تؤدي إلى عدم العيش مع العمل باعتباره متعةً. يوجد في كل عامل شيء من العبد القديم المقيد بالسلاسل، أو الفلاح المستعبد في العصور الوسطى، أو البروليتاري المستغَلّ في مصانع ومناجم العالم الحديث؛ حيث نتعجّل الذهاب للعمل ونركض نحو ألَمنا.

لا شيء جديد تحت الشمس: ليس هناك سوى ألم العُمّال الخاضعين والقذرين الذين يُعانون الاضطرار جراء تحمّل عبء العيش.

بالتأكيد سيقول العديد من الناس «أنهم يستمتعون في عملهم»؛ إلاّ أنّنا سوف نتساءل بعد ذلك عمّا إذا كان ينبغي لنا ألا نرى في مثل هذا التمجيد للعمل وسيلة لدعم إمبراطورية الإنسان التي لا تُطاق، والتي هي في سخافتها وسيلة لصنع الحتمية في النهاية. كم من هؤلاء الرجال المتحمسين سيقبلون الآن العمل بدون أجر؟ القليل جدًّا، وهذا أمرٌ مفهوم. وبالرغم من ذلك فإنهم يتوقعون دائمًا شيئًا آخر من عملهم وأنهم لا يكرّسون أنفسهم له في حدّ ذاته كنشاط ينتهي، أو كنزهة -على سبيل المثال- أو محادثة أو قصيدة؛ إذ أنّ هذه الأشياء عادة ما يكرّسون لها وقت فراغهم عندما تكون لديهم القوة والرغبة.

إعلان

إذا فكرنا في الأمر مليًّا فمن الصعب ألاّ نرى العمل كعقوبة يومية، فهل العمل جيّد إذًا؟ وهل هو عقاب لأولئك المدانين المحكوم عليهم أحيانًا بالعمل القسري، وأحيانًا أخرى بالعمل الذي يكتسي صفة المصلحة العامة؟ وإذا كان العمل ذا قيمة، فلماذا يحظى الأرستقراطيون والمستأجرون وكل أولئك الذين لديهم وسائل تُعفيهم من العمل بحياة ترفيهية مكرّسة للمزاح العاطفي والتسلية والمرح والتكرار اللاّمبالي للرسائل والفنون والعلوم؟ أيضًا، لماذا تبدو لنا الطفولة مرحلة عمرية سعيدة في الحياة؟ هل لكوننا نبدو خلالها أنّنا خارج وطأة وثقل العمل؟ ولماذا نرى أخيرًا في منح الإجازة مدفوعة الأجر في القرن العشرين غزوة اجتماعية كبرى؟ لماذا نرى العمل شيئًا جيدًا إذاً؟ تُظهر التجربة التاريخية دائمًا نفس الشيء، ثم تتفق مع هذا الخطاب الديني الذي يرى في العمل عقوبة يتحملها الرجال بسبب عصيانهم الأصلي والدائم في التقاليد المسيحيّة، ويشي الواقع الآن بأنّ الإنسان لم يعد يتمتع بجنّة عدن ما دام يكسب خبزه بعرق جبينه.

في هذا الإطار تم تسمية العمل على نحو مناسب: tripalium* بمعنى أداة تعذيب، والذي يشير في أصله اللاتيني إلى أداة التعذيب ثلاثيّة القضبان. العمل عبارة عن تعذيب يومي، يخترق الحيوية ويقطعها، ويجهد حيوية الأرواح البشرية التي يسكنها الفقير كما الوحشي. الحياة التي قضاها الإنسان في العمل دون الاستمتاع بالحياة ليست جديرة بأن تكون بشريّة. إنها حياة خسيسة تلك التي تخصّ الحيوانات، حياة كلب كذلك. إنّ ما نهرول لفعله في الصباح هو الذهاب والمعاناة في أسرع وقت ممكن. هل هذا دليل آخر على جنون الناس؟ من ناحية معيّنة ربما، خاصّة إذا كنّا نعتقد أنّ الإنسان -مثلما اعتقد ذلك روسو- كسول بشكل طبيعي؛ حيث لا يجد السعادة إلا في الهدوء الذي يكمن في طبيعته. لكن إذا رأينا هنا جزءًا فقط من الظاهرة، فهذا يعني أنه لا يزال هناك شيء ما لابد من فهمه: أولًا  ما يحدد المشقّة الناجمة عن العمل، ثم بعدها ما يستحق بالضبط العناء الذي يطالنا. وبالتالي سيكون من الضروري تجاوز البرنامج الصارم للتجربة المعيشة، والتفكير في المنحى الذي يمكن أن يتخذه نشاطٌ ما. سيكون التساؤل كله إذًا موجهًا نحو معرفة ما هو مقدس في العمل ويستحق التعب الذي نقوم به، بل وشمعة الحياة التي ما فتئ يستهلكها.

الجهد الذكي لتحويل الواقع

من الصعب فهم كيف يمكن للكائنات التي تحس بالتعب أن تعمل كثيرًا؛ وذلك لأن حجم الظاهرة كبير إذا لم يكن هنالك شك حول أيّ شيء آخر غير المعاناة. كل من يذهب للعمل يشعر أنه ينضم إلى الإنسانية قليلًا  من خلال القيام بما كان يفعله مليارات الناس منذ آلاف السنين. الذهاب إلى العمل هو الانضمام إلى الإنسان، إنسانية الإنسان. حيث يشعر كل فردٍ إذن أنه يشارك في شيء يفوقه بكثير، مثلًا: في نظام يسحقه ولا يعرف كيف يحاربه، وبالتأكيد أيضًا في نظام اجتماعي يأمره ويرفعه ويمنحه مكانةً في تنظيم حياة أكبر، وحياة تنمّيه وتجعله يُشارك في حركتها. الأمر يتعلق -من خلال العمل- بأن يكون للشخص جزء في ديناميكية الحضارة وعملية الثقافة.

سيكون الفيلسوف حينئذٍ قادرًا على أن يرى في الضرورة المذكورة أعلاه، بعدًا يجعل من الممكن التفكير في حقيقةٍ، مظهرًا أساسيًا، وبالتالي غير قابل للاختزال للحالة الإنسانية. لذلك من الضروري تصحيح البصريات الجزئية والمتحيزة للتجربة السطحية المباشرة السريعة في تشويه معنى الأشياء العميقة. فللحديث عن التعذيب نفكر كثيرًا في الضحية، ونادرًا ما نفكر في الجلّاد الذي يعاقب الرجل الخاضع للسؤال، وقد يصرخ الضحية دون أن يفشي ما يعرفه. إنّ الإنسان وهو على نفس المنوال يدمر الطبيعة (أي الشكل المباشر للواقع، وطرق أن تكون منتظمة وعفوية للأشياء)؛ لتحقيق غاياته. أصبح العامل جلادًا في هذا العالم، ورغم ذلك، فإنّ الإنسان كان على مرّ التاريخ مدمن عمل: يطوي، ويطحن، ويحرق، ويذوب، ويقطّع، ويخلط، ويكسر، ويدق، ويهاجم، وينشر، ويستخدم الأشياء، ويلمّع…إلخ. باختصار، إنّه كائن ينكر الطبيعة ويعمل على نفي الشكل الفوري للأشياء التي لا ترضيه.

ومن المفارقات التي كرّسها هذا الوضع أن أصبح العمل تعذيبًا حتى للذي يعمل أقل. ولئن كان المرء يعاني في العمل، فقد أصبح محتملًا أن يتعلّق بواقع معذّب عنيد يعمل فيه للحصول على شيء. غير أنّه لمّا كان من الضروري العمل؛ فقد غدا المأمول في رؤيته يتحسّن ما دام لا يمكن الاستغناء عنه. إذ عبر نشاطنا والأشياء التي نمارسها، أصبح القيام بالعمل يقتضي بشكل دائم هذا التحوّل جيئة وذهابًا. يبقى الذهاب إلى العمل مؤلمًا بالنسبة إلينا؛ لأنّ قوانا تواجَه باستمرار عبر تجربة مقاومة عالم الشغل (ذلك العالم الذي لا يسمح من تلقاء ذاته بما نحتاجه منه، عالم الصمت الذي لا يقدم شيئًا من ثرواته الكامنة فيه مجانًا).

بالفعل، فصناديق الكرتون لا تُحْمَل من تلقاء ذاتها، والأوراق لا تفرَز وحدها، والنفط لا يبقى دومًا خامًا. إن تحويل حالة الأشياء لتتوافق مع ذكائنا البشري يتوقع منا المطالبة بالتغلب على العديد من العقبات (على مستوى براغماتي)، وحلّ العديد من المشكلات (على المستوى النظري) -أي باختصار، أن يستمر كل ذلك في إثارة الكثير من الانزعاج-. إنّ العمل مرهق كمجهود، وربما لا يوجد في هذا الأمر شيء غريب؛ وهذا هو السبب في كونه شاقًا بالنسبة للإنسان، والذي يكشف لنا عن جزءٍ من معناه. إننا نستعجل المعاناة السخيفة بالإسراع في الذهاب إلى العمل، أكثر مما نستعد له مهما كان الثمن، لضبط جزء من الواقع الذي نحاول تحويله بالطرق الأكثر ذكاء.

ولذلك سيكون العمل دائمًا هو بذل مجهود ذكي لتحويل الواقع. هذا هو ما نستعجله عندما نسارع للذهاب إلى العمل:

الجهد والذكاء والتحول المتحكم في الأشياء هو أقل من ذاك المعنى الذي يحمله الـ«tripalium» الذي كان اللاّتين يتحدثون عنه. العمل شاق لأنّه يفترض في المحراث قَلْب الأرض كي يجعلها خصبة ومغذية، وبالتالي يتطلب من الإنسان دراية كاملة. حيث إن كل عمل عبارة عن مختبر يمكن للأشياء الممتازة أن يتصورها فيه الإنسان باستعمال تصوره العقلي وتصاميم يديه. لذلك، فالمهارة مطلوبة دومًا؛ لأنّ مكان العمل هو بمثابة فضاء اجتماع للمتعاونين الذين يعملون معًا لتجميع قدراتهم. رغم شرور العمل المتمثلة في آلامه، فإنّه يظلّ منقذنا من شرور ما هو أسوأ منه (المجاعة، والمرض، والموت العنيف تحت أنياب المفترس)، وبالتالي رواج نقل الخيرات الوفرة، واللقاحات، وجمال الموسيقى، والتي بدون العمل ستنقرض من العالم إلى الأبد.

اعتبار غرفة العمليات المكان الذي سيتم فيه فحص آلام المرأة التي ستلد هو أمر مناسب جدًّا، وألم ما قبل الولادة سرعان ما يُنسى بمجرّد ما تَسمع الأم صرخة مولودها الجديد، (طفل جاء لتوّه إلى هذا العالم كوجهٍ جديد لإنسانية لا تفتأ تتطلع نحو المستقبل). إنّ العمل حتى لو كان شاقًا يظلّ هو الخلاص، فما أشبه التعجّل إلى العمل بـ”الإسراع في الولادة”. هكذا هو العمل! لذلك بفضله سيفتخر الطاهي وصانع الآلات الموسيقية والبناء بعملهم النهائي الذي سينجزونه. بفضل العمل يحصل هنالك جديد تحت الشمس.

العيش على الموروث

بواسطة العمل، يوفر الإنسان الموارد التي تتطلب نشاطًا بشريًا مضنيًا بالرغم من توفّرها في الطبيعة. فأعمال الاستخراج (في مناجم الحجر الجيري)، أو في مصانع المعالجة (في مصنع الطباشير)، أو في مكاتب وورشات التشغيل (التجاري أو الإداري، في المتجر أو الاحتياطي)، يميل دائمًا العمل إلى تلبية مختلف الاحتياجات (الأولية والثانوية) للناس الذين يتكيفون بالتالي مع بيئتهم المعيشية (معاطف الأنويت  Inuitsالدافئة) مع تعديلها لجعلها أماكن إقامة (أكواخ الأنويت). فحتى عندما تشارك الآلاتُ الإنسانَ، يستغرق الأمر من العمال وقتًا طويلًا في ابتكار هذه الأجهزة، وفي وضبطها، وصيانتها، وإصلاحها. والإنسان بما أنّه كائنٌ محتاج وذو رغبة؛ فهو يدرك أنّه يتوجّب عليه العمل باستمرار. إنّه مثل “سيزيف” يدفع دائمًا الصخرة التي من شأنها أن تسحقه، أو مثل “أطلس” يحمل هذا العالم على كتفيه دائمًا، وإلاّ فمن دونه سوف نغرق. هكذا أصبح لزامًا على الإنسان العمل باستمرار لإنقاذ هذا العالم من الانهيار. هذا هو الإلحاح الذي يشعر به الإنسان الذي يذهب إلى العمل، وإنّه لمن الجيّد أن يكون الرجال العظماء أساطير سواء في المعرفة أو في الفن.

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: الحسين أخدوش

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.