تأخذك إلى أعماق الفكر

أكثر السيناريوهات رعبًا .. ماذا لو وصل فيروس كورونا إلى غزة المحاصرة؟

تخيّل أنك تعيش في مكان لا يمكنك الخروج منه مع المرض والتهديد بالموت من حولك. ربما ستفهم الآن، ماذا لو وصل فيروس كورونا إلى غزة المحاصرة؟

رغم أن هذه المسألة تحمل في طيّاتها قدرًا عظيمًا من التحدي بالنسبة لكل الفلسطينيّين الّذين يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن وضع غزة معقّد ومقلق للغاية.

لقد أعلنت حوالي 50 دولة بالفعل عن حالات إصابة بمرض كوفيد-١٩ المدعو (كورونا)، وهو أحد الأوبئة العالمية الناجمة عن فيروس (تاجي). وإذا كانت الدول المتقدمة مثل إيطاليا وكوريا الجنوبية، تناضل من أجل احتواء الفيروس القاتل، فلا يملك المرء إلا أن يتخيل ما قد يضطر الفلسطينيون تحت الاحتلال إلى مواجهته في حالة وصول الفيروس إليهم.

في الحقيقة، وصل فيروس الكورونا وفقًا لتقارير فلسطينيّة رسميّة بالفعل إلى فلسطين، بعد زيارة قام بها وفد من كوريا الجنوبية في شهر فبراير/شباط، والتي شملت جولة في المدن الفلسطينية الكبرى مثل القدس ونابلس وأريحا والخليل وبيت لحم.

ولقد سارعت السلطة الفلسطينية إلى استيعاب تداعيات الحادثة، التي سببت حالة من الذعر الملموس بين السكان غير شديدي الثقة بالقيادة.

إعلان

في البداية، كان رئيس وزراء السلطة الفلسطينية محمد اشتيه يأمل أن يمارس “أصحاب المنشآت المجهولة” المسؤولية الشخصية بإغلاق أعمالهم التجارية وغير ذلك من المؤسسات المتاحة للجمهور.

ثم أعقب ذلك إعلان وزارة الصحة في السلطة الفلسطينية عن “حالة الطوارئ” في كل المستشفيات الخاضعة لولاية السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، بتعيين مركز الحجر الصحي بالقرب من أريحا لأولئك القادمين من الصين وغيرها من المناطق التي أصابها الفيروس المستجد بشدة.

ولكن بالنسبة للفلسطينيّين فإن مكافحة تفشّي الفيروس ليست بالأمر البسيط، حتى ولو كانت مرافق السلطة الفلسطينية تحاول جاهدةً لاتباع تعليمات منظمة الصحة العالمية. فالفلسطينيون معزولون أصلًا عن العالم بمصفوفة سيطرة إسرائيلية تستبعد المجتمعات خلف الأسمنت الضخم، ونقاط التفتيش العسكرية، لإضعاف المجتمع الفلسطيني وتسهيل مهمة الحكومة الإسرائيلية في السيطرة على الفلسطينيين واستعمار أراضيهم.

ماذا تستطيع السلطة الفلسطينية أن تفعل لمساعدة عشرات الآلاف من الفلسطينيين فيما يسمى بالمنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة التي تخضع بالكامل لسيطرة الجيش الإسرائيلي غير المهتم أبدًا بمستوى معيشة السكان الفلسطينيين هناك؟ لابدّ من النظر في مثل هذه التساؤلات إلى سياق “التفاوت الصحي” بين الفلسطينيين كـ كل من ناحية، وبين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود المحظوظين غير الشرعيين من ناحية أخرى.

على نحو ما، غالبًا كل المجتمعات الفلسطينية موضوعة في الحجر الصحي بالفعل في ظل الاحتلال الاسرائيلي ولكن لأسباب سياسية وليست طبية. والواقع أن تفشّي الفيروس  في بعض هذه المجتمعات، وخاصة تلك التي تنفصل عن الرعاية الصحية اللائقة والمرافق الطبية جيدة التجهيز، من شأنه أن يؤدي إلى كارثة مأساوية.

لكن أسوأ ما ينتظرنا في غزة إذا ما وجد الفيروس القاتل الذي ينتشر بسرعة طريقه من كافة الاتجاهات عبر الحصار المحكم الذي يبتلع هذه المنطقة ضئيلة المساحة ولكنها مكتظة بالسكان. تستمر غزة في عامها الثاني عشر من الحصار الإسرائيلي، وهي ما زالت تعاني من الدمار الهائل الذي خلفته العديد من الحروب الإسرائيلية وأعلنت الأمم المتحدة بالفعل أنها “غير مؤهلة للسكن”.

بيد أن بؤس غزة لا ينتهي أبدًا، إذ لم يشير تقرير واحد صادر عن الأمم المتحدة عن المرافق الطبية المتعثّرة في غزة أو مدى استعدادها طيلة الأعوام العشرة الماضية على الأقل إلى أي أوصاف إيجابية أو حتى فيها شيء من الأمل.

في شهر مارس/آذار الماضي، ذكر السيد جيمي ماكغولدريك منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بتشاؤم “انقطاع التيار الكهربائي المزمن في غزة، والثغرات في الخدمات الحرجة، بما في ذلك الصحة العقلية والدعم النفسي الاجتماعي، ونقص الأدوية والإمدادات الأساسية”.

أما في يناير/كانون الثاني، تحدثت مؤسسة حقوق الإنسان “بتسيلم” عن أزمة صحية غير مسبوقة في غزة المحاصرة، حتى بدون وجود فيروس كورونا أو أي أوبئة أخرى من هذا القبيل؛ لأن مستشفيات غزة غير مجدية وبالكاد تحاول يائسة أن تتعامل مع سقوط الآلاف من الإصابات الناجمة عن مسيرات العودة على جانب غزة للجدار الفاصل.

ولقد ذكرت بتسيلم بالفعل أن سياسة إطلاق النار غير القانونية التي ينتهجها الاحتلال ضد هذه المظاهرات السلمية، والتي تسمح للجنود بإطلاق النار على المتظاهرين العزّل الذين لا يعرضون أي شخص للخطر، قد أدت إلى نتائج مروّعة”.

واستشهدت المؤسسة بتقديرات معتدلة قدّمتها منظّمة الصّحة العالميَّة، أنه بحلول نهاية عام 2019، اضطر أطباء غزة إلى إجراء عمليات بتر الأطراف ل155 متظاهرًا، وهو عدد يضم 30 طفلًا، هذا بالإضافة إلى عشرات المتظاهرين الذين أصيبوا بالشلل الدائم بسبب إصابات العمود الفقري الناجمة عن الاستهداف المباشر.

وهذا ليس سوى جزء صغير من أزمة تزداد سوءًا؛ إذ لا يقتصر الأمر على أي من الأمراض المعدية؛ بل إن الأمراض التي تنقلها المياه تنتشر أيضًا بمعدل ينذر بالخطر.

إن 97% من كل مياه غزة غير ملائمة للاستهلاك البشري، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، والتي تستطرح السؤال التالي: كيف لمستشفيات غزة أن تتمكن من مواجهة وباء الفيروس المستجد كورونا في حين لا تتوفر المياه النظيفة في أكبر مستشفى في غزة، “الشفاء”؟

ولقد تحدث جيرالد روكينسكيب مدير منظمة الصحة العالمية في فلسطين بكل تأكيد عن اجتماعه مع وزيرة الصحة في السلطة الفلسطينية مي الكيلا في رام الله في الخامس والعشرين من فبراير/شباط، حيث ناقش الجانبان الحاجة إلى المزيد من “تدابير الاستعداد” و”إجراءات الاستعداد الإضافية ذات الأولوية” في الضفة الغربية وغزة.

كما أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها “تنسق مع السلطات المحلية في غزة” لضمان استعداد القطاع للتعامل مع الفيروس المستجد في حال وصوله، بيد أن هذه اللغة المهدئة تحجب واقعًا قبيحًا، وهو واقع لم تستطع منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة بأسرِها مواجهته على مدى عقد من الزمان.

إنَّ كل التقارير السابقة التي تحدثت عن غزة من جانب منظمة الصحة العالمية لم تفعل إلا أقل القليل لتشخيص جذوره أو صياغة حل دائم له، على الرغم من التفاصيل الدقيقة للمشكلة، والحقيقة أن مستشفيات غزة تعاني من خلل وظيفي لم يسبق له مثيل يجعلها غير لائقة للسكن البشري، وذلك بفضل الحصار الإسرائيلي الوحشي المستمر وصمت المجتمع الدولي.

الحقيقة هي أن أي قدر من “الاستعداد” في غزة  _أو بصراحة في أي مكان من فلسطين المحتلة_ لا يستطيع أن يوقف انتشار الفيروس، والمطلوب الآن هو إحداث تغيير جوهري وبنيوي قادر على تحرير نظام الرعاية الصحية الفلسطيني من التأثير المرعب الذي يخلفه الاحتلال الإسرائيلي وسياسات الحكومة الإسرائيلية المتمثلة في الحصار الدائم وفرض “الحجر الصحي” على المستوى السياسي ـ والمعروف أيضًا بالفصل العنصري.

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: عبدالرحمن الحلو

تدقيق لغوي: سدرة الأصبحي

تدقيق علمي: أفنان أبو يحيى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.