تأخذك إلى أعماق الفكر

“فوزي”: من أجدر منك بمساءلة هذا العالم؟

0

في الفترة القليلة الماضية كنت أبحث وأقرأ في أدب الرسائل، العربية منها والأجنبية، القديمة منها والحديثة، الحقيقية منها والمتخيَّلة، لشخصيات مشهورة أو مجهولة إلى حد ما، وتوقفت عند الكثير منها. البعض لروعة أسلوبها وسلاسة لغتها والبعض الآخر لشدة صدقها وبراعة كشفها عن ذات كاتبها والانتقال به من الخاص إلى العام.

لكنني توقفت كثيرًا عند هذه الرسالة التي بعثها “محمد فوزي” المعتقل إلى “عبد الرحمن يوسف” ولا أدري لماذا توقفت عندها تحديدًا، هل لأنه ابن محافظتي؟ هل لأنني ابن جيله وابن لغته الثورية؟ هل لأنني سمعت عنه الكثير والكثير في نادي أدب كلية الصيدلة جامعة المنصورة الذي كنت أتردد عليه؟ هل لأنني أحب أدب السجون منذ قرأت الساخر محمود السعدني؟ هل لأنني كنت أتمنى أن أقبع معه خلف الجدران لأصل إلى ذاتي التائهة كما وصل؟ هل لأسلوبه الرفيع وفكره السليم وحديثه الشفاف عن ذاته وإليها؟ في الحقيقة لا أدري أي من هذه الأسباب كان وراء هذا التوقف وربما كلها مجتمعة لكنني أعرف أنني لم أتوقف بقراءته عنده فقط بل توقفت عند كثير ممن يشبههم هذا الشاعر المعتقل.

ربما يعتقد البعض من لغته حين يتحدث أنه راهب فى صومعته أو متصوف في خلوته لكنه في الحقيقة معتقل فى زنزانته. زنزانة قد تدفع البعض بسبب الكبت الحاد أو اليأس المفرط إلى الانهيار أو التطرف.

لكنها دفعت “الرقيم” إلى ذاته، دفعته إلى الكتابة والشعر وإلى البحث عن حرية قائمة ما وراء القضبان وسلخانات التعذيب وحفلات اللكمات وارتفاع نبرات “الباشا”.

هذا المعتقل الذي يقبع خلف الجدران ينطلق كمهر انفك لجامه في حقول الكتابة الفسيحة تلك الحقول التي تمثل الحرية بكل معانيها، يروض هذا المعتقل رغباته الإنسانية بسياط القضبان حتى تمسي خاضعةً له. هذا الذي يؤلف من نغمات رغباته الحسية الحبيسة لحنًا رائقًا لا يسمعه سوى الأحرار. هذا الذي تعلق حيًا في القبور، عرف كيف يواجه مصيره ويحمي ذاته من التآكل؟

من ضيق الزنزانة تعلم “فوزي” أنه قد لا يكون بوسعه فتح الأبواب لكنه قادر على ثقب ثغرة في كل جدار، من عداء الزنزانة تعلم “فوزي” كيف يشهر سلاحه السلمي في وجوه الضباط كأنه “غاندي”، سلاحه ذلك الذي كان سؤاله في البداية وهو “الكتابة”.

إعلان

من ظلام الزنزانة تعلم كيف يقدس النور ويحميه ويمرره إلى الرفاق ولو على جناحي قصيدة. من جهل الزنزانة تعلم “فوزي” أن مسيرة النضال هي ذاتها مسيرة المعرفة، ومن حصار الزنزانة تعلم أن قمة النضال هي أن تبقى قادرًا على السؤال!

قليلون هم من مثله يؤمنون بأن للسجون جدران كالمرايا بحيث يستطيع المرء أن يرى روحه عارية فيها بدقة متناهية.

في ظنّي لم يكن “فوزي” يتحدث إلى “عبد الرحمن يوسف” وحده بل كان يتحدث إلى كل المعتقلين القابعين خلف جدران السجون المصرية والعربية معًا ممدًا لهم ذراع الأمل، كأنه الرواي الذي يحدثنا داخل روايته عن أدب السجون، كأنه الراوي الذي يتحدث إلينا نحن الصامتون عمّا كل ما يحدث، نحن من لا تختلف رائحتهم عن عطن الزنزانة!

وبرغم هذا العطن الذي يملؤني سأوجه حديثي الآن إلى “فوزي” الذي خرج نظيفًا من كل هذا العطن ومن تجربة من أقذر ما يمكن أن يمر به الإنسان؛ لأهمس في أذنه: “لا تتوقف عن الكتابة يا صديقي، من أجدر منك بمساءلة هذا العالم؟ من يتحداه في بحث مستمر عن معنى الخير والجمال والعدل والحب؟ لا تتوقف عن الكتابة أبدًا لأنه مازال في “الأفق نور”. وسامحنا يا صديقي لأننا ساهمنا في تكوين ذاكرتك التي تغص بالندوب، سامحنا لأننا شاركنا بأخطائنا بما مررت به من حالات الوهن والضعف، سامحنا لأننا لم نؤمن بذواتنا فاهتز فينا الإيمان والمبدأ ولم نعد كما عدت أنت عبر الكتابة “سؤالك الأبدي”، سامحنا لأننا انجرفنا إلى منحدرات الزيف وفخاخ الصمت”.

فريق الإعداد

إعداد: بشري محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...