تأخذك إلى أعماق الفكر

هل محتم علينا أن نكون ما نحن عليه ؟ “الجينات والسلوك 4”

 المغالطة الوراثية لاتكمن في الإدعاء بأن الذكاء وراثي ، ولكنها تكمن في مساوتة بين ماهو مراثي وماهو حتمي .
ستيفن جاي جولد

معنى القول أن الخلط بين ماهو وراثي وماهو حتمي سيخلق لدينا مشكلة وراثية ، فماهو وراثي ليس بالضرورة ان يكون حتمي عليك والعكس أيضا ، وسنميز هذا أثناء الشرح بشكل أكثر وضوحا ، وحبذا لو تعيروني انتابهكم لهذا الحديث استكمالا لما قلناه عن مساهمة الجينات في السلوك ، فبالرغم من أنه سهل أن يطرح للنقاش إلا أنه يدخلنا في مشكلة الحتمية … هل نحن محتم علينا أن نكون عباقرة أو قتلة أو عدوانيين أو مدمنين أو رياضيين محترفين الخ ؟؟

علم الأعصاب السلوكي ودراسة الدماغ ” الجينات والسلوك 1″

هذة قضية جدلية كبرى احتلت عقول علماء النفس والإجتماع في القرن الماضي من بينهم فرويد وكان يعتقد بحتمية تربية الوالدين على الأبناء أي أن الإنسان يكون تحت رحمة ثقافة أبويه بشكل حتمي ، وكان ادوارد سابير يعتقد بحتمية اللغة مثلا وغيرهم ، وهذا جعل الاعتقاد السائد في وقتها أن الأمراض النفسية سببها ثقافي واجتماعي ، ولكن هذة الأفكار انهارت في بدايات الخمسنات حيث أخذ العلاج البايولوجي النفسي ( الأدوية ) الذي يستهدف منطقة معينة لحل مشاكل نفسية فشل فيها كل تاريخ التحليل النفسي في الوصول لنتيجة ..

اليوم نحن نعرف أنه قد يكون لديك استعداد جيني ( يؤثر في بنية دماغك ) للإكتئاب الحاد ، والحقيقة أن قضية [السلوك الجيني] مفزعة فهل نحن حقا لانمتلك الإرادة الحرة ؟ وهل نحن محتم علينا جينياً مصائر شخصياتنا ؟ الجواب لا ليس هكذا بالمطلق فالجينات تحتم علينا الأمور التي لاتحتاج لأي عوامل خارجية لإتمامها بشكل نهائي ، فلون عيونك هو ذاته مهما كان المجتمع عندك وشكلك ونوع ميولك الجنسي وطولك وعرضك وعدد الألياف العضلية في عضلاتك هذا محتم عليك لأنه لا يحتاج لعامل آخر غير جيني لاستكماله ، هذا محتم عليك فإن هذه الأمور التي من هذة الطبيعة الحتمية إذا كان سينتج عنها سلوك فسيكون حتمي أيضاً لاشيئ يؤثر به ولا يتغير ، وهناك سلوكيات خصوصا ذات الطابع الاجتماعي الأمور فيها تاخذ منحاً مختلف حيث أن السلوكيات هذه تشكلها البيئة والمجتمع والثقافة ، وهناك سلوكيات أساسها جيني أو لديك استعداد جيني لها ولكن لاتكون إلا بتحفيز من البيئة المحيطة ، تحتاج لعامل الثقافة والبيئة لاستكمالها وصياغتها ، وهذا ماسنناقشه هنا . فلا حتمية مطلقة هنا للجينات ولا حتمية مطلقة للثقافة ، هذه السلوكيات هي مزيج بين الأثنين … الجينات تساهم في تخصيص الدماغ وتحديد صفات مناطقه وحجمها والقالب العام له ، وتقوم البيئة بملئ هذا القالب وصناعة المعنى بداخله ، والسلوك هو نتيجة متداخلة بين المعنى الثقافي للبيئية وكيف تعاملت معه خلاياك العصبية .

ولو عدت وقرات ماقلنا في التجربة الهولندية الناجحة جدا في مكافحة الجريمة سوف تعرف ما أقصده ، وسأستطرد بنقاش قضية القابلية للجريمة والتي أحببت أن أغير اسمها للقابيلة والاستعداد للقتال (وهي قابلية جينية ) لأن إسمها ظالم ويعتبر إهانة للشخصيات الناجحة التي آتى نجاحها نتيجة لنفس القابلية هذه ( القابلية للقتال ) حتى لاتؤخذ كشماعة أو مبرر للجريمة لأن هذه القابلية قد تستخدم في مجالات نافعة جدًا إذا وجد المحفز البيئي والثقافي لذلك.

إعلان

فكما قلنا إذن فصاك الجداريان أكبر من الحد النسبي فيمكن أن تكون عبقريا بالفيزياء أو بالبرمجة أو بالرياضيات أو بالمحاسبة ، ليش شرطا في فيزياء فقط بل بحسب الموضوع الذي شدك وجذبك واستثار دماغك ، كذلك القابلية على الهجوم والقتال التي قد تخرج مجرما هي ذاتها تخرج شرطياً أو محترفا بالألعاب القتالية أو مغامرا خطراً بمعنى ، أن كل تلك المجالات لها نفس الطبيعة تقريبا من الناحية العصبية ، لهذا دور البيئة أساسي أيضا في صقل الشخصية.

في تجربة أجريت على أحد القوارض لمعرفة تاثير الأشارات القادمة من البيئة على تركيبة المخ العصبية ، تم إعادة توصيل العصب البصري في فصه الصدغي أي المسؤول عن المعالجة السمعية ، وتمكن الحيوان من الرؤية بنسبة 35% ، وهي نسبة صاعقة ، أي أن المخ غير من تركيبته عند الفص الصدغي ؛ ليتلائم مع طبيعة الأشارات البصرية الجديدة بنسبة 35% . واتى لذكر تجربة على الرئيسات (لم يحدد نوعهم هل هم تشيمبانزي أو غيرهم ) حيث تم أخذ مجموعة من أطفال الرئيسات الخجولين بطبعهم أي وراثيا ووضعوا ليتربوا وينشؤوا بين أمهات واثقات وسرعان ما تجاوز الأطفال خجلهم رغم أنه موروث …

الذي أريد أن أقوله أننا علينا معرفة ما هو حتمي وما هو ليس حتمي هناك وراثيات حتمية بلاشك ، ولكن هناك غيرها ليست حتمية وهناك ماهو بين الأثنين أي له استعداد جيني ، ولكنه لايكتمل بدون عامل الثقافة ، و أنك تولد بقدرات ومواهب وصفات دماغية مختلفة وبالتالي شخصية مختلفة عن الاخرين ، ولكنها ليست حتمية عليك بكل شيئ ، بل ترشح حدوث أمر ما أو ترفع نسبة أن تصبح الشخص الفلاني ، ولكنها ليست محتمة دائما خصوصا للنوع الثالث من السلوكيات التي ذات أساس جيني ولكنها بحاجة لعامل البيئة والثقافة لاستكمالها فقد تعيش حياتك كلها وأنت لاتعرف أنك عبقري أو موسيقي موهوب أو قيادي كاريزماتي أو بطل ملاكمة … وعلى النقيض حيث أن هناك الآف الموسيقيين المحترفين ، ولكن عباقرة الموسيقى معدودين على الأصابع ..

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

خيال علمي بطلته الخلايا الجذعية وآمال قد تغدو حقيقة في القريب

هل البرمجة اللغوية العصبية … عصبية ؟

اصطدام نجمين في زمان الديناصورات ينتج تريليونات الأطنان من الذهب ويثبت نظرية آينشتاين

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.