تأخذك إلى أعماق الفكر

الثورة على الاحتلال لا تقل عنها في الأهمية الثورة على نقص الاستقلال

في هذه الليلة المباركة، ليلة 1 نوفمبر 1954 ، يتذكر الشعب الجزائري ويسترجع لحظة عزته وكرامته ويحتفل بذكرى عزيزة مر عليها 63 عاما، اسمع فيها فرنسا المحتلة صوته باتخاذه رنة البارود وزنا، وناداها من تحتها خذي منا الجواب، وأرسل لها رسالة التحرير، وأعلمها أن الإرادة التي لا تقهر (إرادة الشعب ) قد أزف وقتها وحل تنشد الحرية وتنجزها ، وأن عهد العتاب.قد ولى وطوي إلى الأبد وترك في الخلف، وقد نفذ الشعب مشروعه الثوري الجهادي بصدق في ليلة كانت الوطنية فيها اتسعت وامتدت لتشمل مساحة جغرافيا الوطن، وموصولة بالأفق المدد الغيبي . ولذلك إكتمل بذله السياسي وحراكه الذي دام مستمرا طيلة قرن ونصف من الإحتلال، وتوجت حركاته الجهادية المتتالية، بملحمة جهود الدم والعرق والحبر، فكان الاستقلال رغم مضادات الحرية التي أحاطت به من محيطه كصراعات فئوية وهامشية، فإلى المحيط الدولي وقوى الحلف الاطلسي، وواجهها الشعب ومجاهديه بثبات وشجاعة ضحى بمليون ونصف شهيد، وبالغالي والنفيس ، فكانت ثورة شعبية جهادية تمازج فيه الوطني والدبني والتربوي والأيديولوجي والمصلحي.. شكل كوكتيل وطني متحد عريق في وطنيته، ونموذج قيمي جامع فريد متميز .استحق أن يكون بجدارة محل استلهام الشعوب والثورات في العالم يوم ذاك، غير أن النتيجة وإن هي توجت بشعار” افرح يامحمد، الجزائر راهي رجعت ليك” أحيطت بسلاسل تحاصر حرية الشعب من كل الجوانب أعاقت استكمال مشروع نوفمبر من حيث هو مشروع ذو أطوار ثلاث (الاستقلال . بناء الدولة الديمقراطية في إطار المبادئ الاسلامية بناء المغرب العربي ) ولا أتردد في تسميته ما حدث بالثورة المضادة، استندت على مؤتمر الصومام المثير للجدل، فبالإضافة إلى سلاسل اتفاقات افيان المجحفة، ورثت الثورية العسكرية في مؤتمر طرابلس ، ثقافة استبعاد مفهوم الثورية الشعبية من المشروع الوطني، وكرست الديكتاتورية والاستبداد العسكري واحتكار الاستقلال بإسم الشرعية الثورية، فتحولت الثورة من التحرير بعد الاستقلال إلى ثورة الإقصاء في مشاريع أعدت سلفا خارج الوطنية مناسبة لما بعد الكولونيالية، حيث فرص استمرار فرنسا في متننا الثقافي كان قويا في مشروع طرابلس، ثم في مشروع ما بعد انقلاب 1965 رغم ماقيل عن عدائه للرأسمالية ، ومازال ينخر وحدتنا ويخرب شبكتنا الإجتماعية التي بنيت متماسكة في نسيجها أيام الإخاء الثوري . ولا شك أن الشعب الجزائري ممثلا في نخبه العلمية والسياسية الواعية الرافضة للاقصاء لم يتوقف بذله في مواجهة مشاريع ما بعد الكولونيالية، من حيث هي ليست إلا مشاريع تمدد للدولة الوطنية الغربية في فراغاتنا، بوجه ثقافي لغوي تارة، وبوجه أيديولوجي تارة، ليبرالي واشتراكي تارة، فلم يحصد منها الشعب إلا استباعد لدولة نوفمبر العادلة، وتكريس لدولة إدارة الصراعات والقسمة الضيزى للريع المالي . فالنخب في جمعية العلماء المسلمين وجمعية القيم، والنخب الميدانية المتمسكة بمشروع نوفمبر والتي تحفظت على مخرجات الصومام، تموقعت كمعارضة وتصدرت مطالب الشعب في انهاء حالة المؤقت والشرعية الثورية والحكم بالانقلابات، وقادت حركات يمكن وصفها على اختلافاتها بأنها حركات استرجاع الشرعية الشعبية طيلة فترة الاستقلال، باعتبارها أبرز المسلمات الناقصة في بناء الدولة الحديثة كما رسمها نوفمبر، من حيث هي دولة ذات مضمون محل اجماع وتوافق شعبي، وعلى الرغم من أن سلطة الشرعية الثورية المستأثرة بالحكم بمنطق الانقلابات والقوة وحسمت اتجاهها السياسي بالاستغناء عن إشراك الشعب في الحكم ، والتعاطي مع الرأي الأخر والتنوع، بالاستبعاد والاقصاء والقمع والنفي، وأحيانا بالتصفية، إلا أن ضعف الخطاب السياسي في حل مشكلات الشعب المتنوع بالمنطق الأحادي والارتماء في التبعية، وصعوبة تجاوز طبيعة الشعب الجزائري الثائر ضد الظلم والإقصاء، فشل في تحقيق كل الوعود التنموية التي وعد بها الشعب، سواء في مرحلة الخطاب الإشتراكي والدولة التي لا تزول بزوال الرجال ، أم في مرحلة التفكيك وإعادة البناء البروسترويكا في ظل شعار من أجل حياة أفضل . حيث اندلعت ثورة الشباب في 5 أكتوبر 1988 إذن بعهد جديد ، ورغم القراءات السطحية لتلك الانتقاضة ومحاولات تقديمها في المطالب الإجتماعية، إلا أنني اعتبرها ربيع جزائري بعد الربيع الأمازيغي، يدفع باتجاه تصحيح مسار الاستقلال واستكماله بعودة الشرعية الشعبية، من حيث هي شرعية العدل والاعتراف بالتعدد الثقافي والعرقي والأيديولوجي والمناطقي الجغرافي باعتباره نعمة وثروة معرفية. وإذا كان حراك الشباب وتضحياتهم الجسيمة يوم ذاك توج بإعادة صياغة دستور توافقي يؤسس رغم نقائصه لعودة الشرعية الشعبية وتحديد صلاحيات الجيش وإخراجه مما ورط فيه من انقلابات والتدخل المباشر في ما هو سياسي . وقد استبشر الشعب خيرا في ذلك الدستور، وشهد الناس في الداخل والخارج أن صوت الشعب بدأ يسمع في الجزائر في سلسلة من انتخابات النزيهة كانت تعمق مفاهيم نوفمبر بشكل واضح ، وتزيح تدريجيا الطابورالخامس وما يعرف عندنا بحزب فرنسا الذي أعاق نهضتنا واستقلالنا وبناء وطننا ومغربنا بما ابتدع من ثورة مضادة مستمرة منذ 1962.

ومن الطبيعي أن يستنفر الطابور الخامس (الثورة المضادة ) كل قواه ويتحصل على الاشارة الخضراء من فرنسا، لتنفيذ الانقلاب على إرادة الشعب واسقاط الدستور الذي يعطي للشعب فرصة الظهور، وأدخل الجزائر في المجهول ودفع من أجل الحفاظ على سلطته بمائتي إلف قتيل في حرب قذرة استخدم فيها أبناء الشعب في مواجهة مسلحة مع أبناء الشعب ، ودام منطق الابادة والاستئصال طيلة عشرية كاملة ، كانت عشرية حمراء وسوداء، بل كانت جهنم أحرقت الجزائر، ولم يستطع الشعب أن يقتنع أو يبرر ما حدث ، سيما وأنه حدث بالطريقة البشعة الانتقامية الحاقدة غير انسانية قل مثيلها في التاريخ، حدثت محرقة لا تعير لأخلاقيات المعركة اي اهتمام ، ولا لحق الشعب في الأمن، ولا في الحرية و، لا في مشاعر الأخوة في الدين والعرق والوطن ..ولذلك لم يقتنع بما حدث بعد ذلك وتزوير ما عرف بميثاق المصالحة الوطنية الذي تم فيه ادانة المعتدى عليه، وتبرئة المعتدي، ولم يقتنع كذلك بالواجهة الديمقراطية وتفريخ الاحزاب التي لا علاقة لها بالتنوع الثقافي والجغرافي والايديولوجي للشعب الجزائري، ولا علاقة له باستحقاقات دولة نوفمبر بعد الاستقلال، بقدر ما له علاقة بتقسيم الريع وشراء السلم المدني ومعارضة المعارضة، في ظل مشاريع الانتخابات بالتزوير والكوطات والتوريث البيروقراطي والسياسي، .فأشرك الجميع في الفساد وصاروا مناضلين في المشاركة في الفساد رغم اتساع رقعة المقاطعة للمشروع الانتخابي ، وعادت الجزائر في ظل التوريث إلى الشرعية الثورية المسروقة من أصحابها الشرعيين – إن كانوا شرعيين – بأثرياء الحرب والمال الفاسد والحزب المائع، لم تشهد الجزائر مثيلها في فساد حكم الالغارشية حيث اختطفت منصب الرئيس، وتنهب المال وتطرد الشباب وتقمع الأصوات وتضيق الحريات .فلا نستغرب والوضع بهذه القتامة وفي هذه الذكرى أن بهاجر الشباب ويختار بطن الحوت من العيش من غير كرامة، ولا نستغرب ان يمنع الصوت الحر ويزج بالأحرار من النشطاء الحقوقيين والنقابيين وتغييبهم في السجون، ولا نستغرب أن يمنع ابن شهيد من الحركة وزيارة اصدقائه، ولا نستغرب ان يصطف الشباب اليائس من الطلب في طوابير أيام العيد الوطني أمام المركز المركز الثقافي الفرنسي – وهي التي نهبت أموالنا وبنت مجدها من ثرواتنا – يطلب تأشيرة الدخول إلى متن ثرواته المنهوبة والمسروقة ولا يعير أي اهتمام للمشروع الانتخابي البلدي أية قيمة من حيث هو مشروع استنزافي ولن يكون إلا في صالح الاستبداد ولا يزيد المواطن الا لهيب الأسعار وضياع الحقوق والعدل، كما ضاعت أيام الاستعمار وخرج الشباب الطلبة يوم ذاك إلى الجبال للجهاد واسترجاع الحقوق والحريات ،، ولكن كل تلك الاحتجاجات في الشارع والنضال الحقوقي والهجرة للخارج ،،، إنما هو – في قراءتي – من جنس أو سليل ثورة نوفمبر واستمرار الشرفاء في طلب استعادة السيادة الشعبية على مؤسساته التي اختطفتها الثورة المضادة.. والتاريخ لا يمكن في ظل استمرار التضحيات، أن يكون إلا في صالح حرية الشعب، وبناء دولة نوفمبر المجيد كاملة واستكمال الاستقلال الناقص .ولهذا أعلن أنني اترحم على أرواح الشهداء جميعهم، احتفل بالذكرى المجيدة مع كل الاحرار من الشعب الجزائري هذه الليلة إن شاء الله وهنيئا لشعبنا لتحقيق النصر والأمل في الاستكمال والإمام، من حيث هو اتمام لمكارم اخلاق الحرية. رحم الله الشهداء . العربي

مساهمة من العربي فرحاتي

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.