تأخذك إلى أعماق الفكر

نقد العلوم الشعبوية

عن استغلال العلم في تمرير الأيديولوجيا

 

2. ماهو (البوب ساينس) أو علم الشعبوي pop-science

أحب أن أسجل أنني لست من المعارضين لكل كتب (البوب ساينس) لكن هنا يجب أيضًا أن أسجل رفضي لعدد كبير من هذه الكتب التي يتم فيها تمرير أيدولوجيات بشكل مضمر في كثير من الأحيان، اسمحوا لي أن أبدأ القصة مع العالم تشارلز بيرسي سنو 1905-1980.
كان سنو عالمًا وأديبًا وكان يتحرك بين الثقافتين قدمًا هنا وقدمًا هناك، بدأ حياته في العلم وسجل الدكتوراه في الكيمياء من جامعة كمبريدج في أكتوبر عام 1928 وبدأ بحثه في معمل كافنديش الشهير على التحليل الطيفي لكنه اضطر إلى أن يترك حقلَ العلم عندما نشر في مجلة “نيشتر” هو وزميل له أنهما اكتشفا طريقة لإنتاج فيتامين أ اصطناعيًا وثبت خطؤها فاتجه إلى مجال الأدب، فنشر رواية بوليسة سنة 1934 وتوالت الكتابات حتى نشر كتاب “الثقافتان” حيث يريد سنو أن يجمع بين العلم والكتابة الأدبية فيقول: “دراستي علمية ومهنتي الكتابة.”
ومن هنا بدأ الكتابة العلمية أو ما يعرف بالثقافة الثالثة وفيما بعد بالبوب ساينس أو العلم الشعبوي، وهو تبسيط العلم للعامة من الناس.
وإلى هنا لا مشكلة في تبسيط العلوم إلى العامة من غير المتخصصين بدون دخول الأيدولوجيات في الامر لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. حيث تبدأ الأيدولوجيا في التسلل عبر الكتابات ومن ضمن هذا الأمر هو الوضعية المنطقية.

3. “الوضعية المنطقية” والعلم الموحد كأيدولوجيا

وضع الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت مؤسس علم الاجتماع الحديث مفهوم ومصطلح “النظرية الوضعية” وكانت متمثلةً في جماعة فيينا التي تدعو إلى الاقتصار في البحث العلمي على علاقات العالم المادي السببية وارتباطاته الكمية.
وفي القرن العشرين، تسلح المنظور الوضعي بالمنطق الرياضي وبمفاهيم النظرية النسبية فأفرز في أعقاب الحرب العالمية الأولى “الفلسفة الوضعية المنطقية” والتي أصبحت وقتها أشهر مدارس فلسفة العلم وأعلاها صوتًا والأكثر تطرفًا في النظرة المادية إذ اعتبرت أن كل ما يخرج عن عالم المادة ليس إلا تعبيرات انفعالية لا معرفية أو هراء يخلو من المعنى فضلًا عن الجدوى. وظلّت الوضعية المنطقية مسيطرةً حتى منتصف القرن العشرين وكأنها المتحدثة باسم العلم. وقد أعطى الفيلسوف الإنجليزي سير ألفريد آير الفلسفة جماعة فينا دفعةً قويةً حيت طرح مبدأ التثبت أو التحقق الذي يرى أن قبول أي افتراض أو مسألة يتوقف على القدرة على إثباتها أو نفيها علميًا بالتجربة ومن ثم فلا معنى لأي افتراض أو مسألة تقع خارج نطاق العلم التجريبي ومن ثم إنكار ما يسمى بالميتافيزيقا.

وقد بلغ الأمر مع الوضعية المنطقية ذروته بفكرة “العلم الواحد الموحد” التي تقوم على رد كل العلوم إلى الفيزياء مما يعني معالجة سائر الظواهر حتى الظواهر النفسية والاجتماعية في إطار ومصطلحات ولغة علم الفيزياء التي تتعامل مع كل المفاهيم في إطار المادة والزمان والمكان، واعتبار كل ما لا يقل (عن) ذلك من العلم الزائف. لذلك انهالت هذه الفلسفة بالنقد اللاذع على الميتافيزيقا في محاولة لاثبات عقمها. وللقيام بهذه المهمة وضع كارناب قطب الوضعية المنطقية ما أسماه “لغة العلم” للتعامل مع هذا المفهوم الموحد هذا قبلَ أن يتراجع عن أفكاره فيما بعد.
وينتهي عصر الفلسفة الوضعية عندما يعلن مُنظرها الأكبر في الخمسينيات للقرن العشرين سير (آير) أن هذه الفلسفة ملأى بالتناقض بالرغم من أنه قضى أكثر من ربع قرن في معالجة أخطائها. لقد تنبه (آير) إلى أنه لا ينبغي أن نحاكم قضايا مختلفة بنفس قواعد قضية واحدة أو أن نمارس لعبة الشطرنج بقواعد لعبة الكرة.
ولم يقف الأمر على هذا النحو مع دخول الفلسفة الوضعية المنطقية مجددًا في بعض كتابات (البوب ساينس) لكن الأمر أكبر من هذا حيث دخول ما يعرف بالحتمية القديمة من جديد مع اليمين الجديد بمعنى أننا من فترة إلى أخرى نرى عالم مثل واتسون يتحدث عن تميُّز البيض على السود في الذكاء ويقول أن الأمرَ جيني أو حتمية جينية ويضع بين قوسين “العلم يقول” لكن بغض النظر عن كونه عالم كبير وحاز على نوبل في الحماقة تظل حماقة حتى لو طلعت من أفواه العلماء. ومن هنا نبدأ في شرح الحتمية الجينية كمثال على مشاكل البوب ساينس هنا.

4. اليمين الجديد والحتمية الجينية

يستغل بعض العلماء مكانتهم العلمية في تمرير أفكار غير علمية باسم العلم، فكما ذكرنا موقف (واتسون) العالِم الحاصل على جائزة نوبل في اكتشاف الـ”دنا” حينما أدخل الحتمية الجينية في مسألة عنصرية قديمة يمارسها البعض من اليمينيين. على أن أيدولوجية “اليمين الجديد” يزرع فكرة أن هناك شعوب بعينها متخلفة جينيًا والأمر كله ليس بيدها فيبقى الغني غنيًا والفقير أكثر فقرًا وهكذا، وهنا يوجد الاتجاه التبسيطي وهو اسم أُطلِق على مجموعة من المناهج والطرائق العامة لتفسير عالم الأشياء المادية هو والمجتمعات البشرية معًا.

والمعنى الواسع هو أن التبسيطيين يحاولون تفسير خصائص الكليات المركبة -الجزئيات مثلًا أو المجتمعات- بِردها إلى الوحدات التي تتكون منها هذه الجزيئات أو المجتمعات. وهم يحاجّون مثلًا بأن خصائص جزيء البروتين يمكن تحديدها والتنبؤ بها على نحو متفرد في حدود خصائص الإلكترونات والبروتونات… إلخ، التي تتكون منها ذرات الجزيء. وهم يحاجّون أيضًا بأن خصائص المجتمع البشري هي بالمثل ليست إلا حاصل جمع التصرفات الفردية وميول أفراد البشر الذين يتكون منهم ذلك المجتمع. فالمجتمعات مثلًا “عدوانية” لأن الأفراد الذين يكونونها “عدوانيون”.

إعلان

وبلغة المصطلحات، فإن التبسيطية هي الزعم بأن الوحدات المكوِنة للكل هي أنطولوجيا سابقة على الكل الذي تكونه من السببية تجري من الوحدات إلى الكل. والموقف الفلسفي الثاني متعلقٌ بالأول. وهو حقًا بمعنى ما حالةٌ خاصة من التبسيطية. إنه موقف “الحتمية البيولوجية” والحتميون البيولوجيون يسألون في الخُلاصة، عن سبب كون الأفراد على ماهم عليه. لماذا يفعلون ما يفعلون؟ وهم يجيبون بأن حيوات البشر وأفعالهم هي نتائج متومة للخصائص البيوكميائية للخلايا التي تكوّن الفرد، وهذه الخصائص تحددها بدورها على نحو متفرد مكونات الجينات التي يحملها كل فرد. وفي النهاية، فإن كل السلوك البشري محكومٌ بسلسلةٍ من العوامل المحددة تجري من الجينات إلى الفرد حتى مجموع تصرفات كل الأفراد. فالحتميون يرَوْن إذًا أن الطبيعة البشرية التي تزعم هذه الأيدولوجيا أن لها ميزة التوصل إلى خصائصها الأساسية من اللامساواة والتنافس، وإلا فإن المجتمع الصالح هو مجرد يوتوبيا لا يمكن التوصل إليها؛ لأن الطبيعة البشرية تتناقض تناقضًا لا مبرد منه مع الفكرة التعسفية القائلة أن الخير هو مما يتوصل له دون الرجوع إلى حقائق الطبيعة الفيزيائية. وهنا كلام يطول شرحه في قدرة النظرية على التنبؤ أم لا. ولهذا موضع آخر في الأبستمولوجي بعيدٌ نسبيًا عن موضوعنا الأساس.

5. هل يتمتع كل العلماء بالنزاهة العلمية؟ (عن دور الشهرة في البحث العلمي)

يقول العالم (جون بولكينج هورن) في كتابه ما وراء العلم: “في مجال يتعامل مع الأساسيات ومنفتح للمزيد من الفهم والاكتشاف (كمجال الجسيمات الاولية)، يكون هناك تركيز للموهبة على جبهة ضيقة. ويجذب العديد من الشبان والشابات لمثل هذا المجال أملًا في تحقيق بصمةٍ لهم، والحصول على شهرة عالمية. وبدلًا من أن يخضعوا لتبجيل المحيط العلمي راسخ التقاليد، تراهم يحاولون التمرد على ما يقدم إليهم من حكمة، وينزعون إلى اتجاهات مستحدَثة. وإذا كان هذا النشاط المحمول لأُناس على هذه العبقرية غير متمخض عن فيض من النظريات المقنِعة فما ذلك إلا لأن مثل هذا الفيض لا وجود له أصلًا. إن صياغة النظريات أمرٌ أشق مما يقبل الفلاسفة الاقتناع به.

ورغم كون المصداقية في فهم الحقيقة هي غرض المجهود العلمي، فإنه لا يمكن إنكار أن السعي للشهرة يمثل حافزًا للكثير من العلماء. لقد تعرفتُ على أفراد مرموقين لم تكن الشهرة لهم شيئًا يعبؤون به، ولكنهم في هذا المضمار قليلون.

إن المجتمع العلمي مجتمعٌ منعزلٌ بشكلٍ ما، فحضارتنا لا تهتم بالأخذ بجِد الأمور العلمية، ناظرةً إليها على أنها أمورٌ صعبةُ المنال. وطريقةُ تعامل الصحف ووسائل الإعلام للإنجازات العلمية مشوبةُ بالسطحية والإثارة، وغالبًا النزوات تجري وراء أمورٍ مشكوكٌ في صحتها أو حوادث هامشية تاركة الجسيم من الأحداث. وغالبًا ما لا تحظى الكتب التي تهدف إلى تعريف العامة بالأفكار العلمية خارج المجلات المتخصصة إلا بالقدر الضئيل من الاهتمام إن لم يكن التجاهل. وأسماء الجهابذة من العلماء مجهولةٌ تمامًا للعامة فيما عدا القلة القليلة منهم. فاسم (بول ديراك) مثلًا وهو الذي لا يقل شأنًا عن (نيوتن) أو (جيمس كلارك ماكسويل) قد لا تكون أعماله الرائعة معروفةً حتى للكثير من المشتغلين بالعلوم. والنتيجة أنّ العلماء يتجهون لأقرانهم ابتغاء الشهرة والاعتراف، كمطالب إنسانية لا تثريب عليها. وحينما يكون تركيز الأذهان مُنصبًا على بحث في مجال ضيق، فإن الكل يعلم أن الفائز سوف ينال نصيب الأسد من الشهرة، فهي (تلهث) بصاحب أول ورقة بحثية تنشر، وهنا يجب أن أشير إلى نقطة في غاية الأهمية هي أن الشهرة للعالِم تكون لها عامل كبير في قبول نشر الورقة البحثية. فكما يقول (توماس كون) فيلسوف العلوم الشهير في كتابه “بنية الثورات العلمية” عن موقف لعالم شهير قدم ورقة بحثية له في أحد المجلات المتخصصة مع حصول خطأ صغير في اسمه فتم رفض البحث ومن بعدها حينما تم معرفة أنه كان خطأً في الاسم تم قبول البورقة البحثية مع اعتذار للعالِم.

كذلك أحب أن أذكر موقفًا حصل لآينشتين قاله لي أحد أساتذتي في الفيزياء التخصص في الكوانتم حيث أن آينشتين نفسه أثبت E=mc2 عدد من المرات كل مرة تكون فيها خطأ ما، وكانت تُنشر على العموم. نعود إلى كلام (جون بولكينج هورن) حيث يُكمِل أنه كم تباهى (جيمس واتسن) صراحةً بقصة سبقه وزميله (فرانسيس كريك) لمنافسيهم اكتشاف تركيب الـ “دنا”، ويبين هذا التباهي جو التنافس والإثارة الحقيقي الذي تجري فيه الأبحاث العلمية وهو أمر يقر به العلماء في مجالات علمية عديدة، من الذين لم يساهموا إلا بقدر متواضع من التقدم في مجالهم ولكنهم منفعلون لكونهم لم يكونوا في مقدمة الصف. ومن هنا يكون الجدل الحامي على ادعاء الأسبقية. ويلعب البريد الإلكتروني في (ايمانا) هذه نفس الدور في التسابق على إذاعة أخبار النتائج المتحققة جريًا وراء تحقيق الاسبقية ويؤدي كل هذا إلى نشاط محموم سواء في الإرسال أو في الاستقبال وما يتمخّض من تعجُّل في التقدير وادّعاءات سابقة لأوانها. وعلى أن الخزيَ الناتج عن الادّعاءات التي يثبت بطلانُها يعمل عملًا كابحًا لجماح هذا التصرّع.

6.نصيحة بيتر مداور

ونصل إلى نهاية المقال بنصيحة للعالم (بيتر مداور) الحاصل على جائزة نوبل في وظائف الأعضاء لعل الزملاء ممن يتبنون النظرة الوضعية المنطقية والترويج لها باسم العلم ويصدرونها للعامة، حيث يذكر في كتابه المُمتع “نصيحة إلى عالم مبتدئ”:

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد أبو الخير

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.