تأخذك إلى أعماق الفكر

انفصامٌ في ثلاث.. أو ربّما في واحد..

إنّ تجرِبة مدينة جديدة تَمدّ الإنسان بشعور عظيم من الحماس والتفاؤل والأمل الكبير، هذا ما أحسّ به وأنا أحلُّ ضيفًا في مكان لم يسبق لي رؤيته. مدينة صغيرة نسبيًّا بشوارع نظيفة ومصابيح ليليّة كثيرة وأزقة ضيّقة، يسكنُها مجتمع تقليديٌّ يجِد متعته في سرد الأساطير ونقل الحكايات الخرافيّة.
أول ما وصلت هناك حتى صار الجميع يحدّثني عن ذلك المجنون الذي خسر ثروته ولم يتزوج أبدًا وكيف أنزل به الربُّ  عقابًا، جعله أبكمًا لا ينطِق منذ عشرة سنوات، جزاءً لأفكاره التي يؤمن بها، خاصّةً احتقاره للمجتمع وسعيه في تسميم عقول شبابنا . . . كانت هذه البدايات التي عِشتُها داخل العيادة الجديدة التي بُعثت طبيبًا فيها، عيادةٌ مختصّةٌ في الذاكرة والزهايمر، تعتني خصوصًا بكبار السّن.
كان يوم الاستقبال احتفاءً هائلًا، بلغ من ذلك أنّ المرضى أنفسهم لم يأتوا لزيارة استشفائيّة بل مهنّئين ومرحبين بي. كان شيئًا جميلًا رائقًا، حتّى أنّ بعضهم جلب هدايا خاصّة لي، يعلّقون قائلين: لقد أبدلنا الله بذاك المجنون المسخوط إنسانًا عظيمًا مثلك، هي رأفة ورحمة تنزل من قبّة السّماء على بيوت مدينتنا الصغيرة . . . كل هذا زاد من فضولي الشّديد في معرفة تفاصيل قصّة هذا الأبكم الذي لم يسمع الناس صوته من عشر سنوات، الجميع كان يترنّم ويتغنى به كأيقونة، لوهلة شعرت أنّه الشيطان بالنسبة لهم وهم كانو في انتظار النّبي المخلّص، غير أنّني كففت عن التساؤل بصدد فضولي تحقيقًا للّباقة، وقد سرّني أخيرًا التوقف عن الحديث في تلك المسألة لمّا دخل أحد الرجال مُوقِفًا النقاش، رجلٌ طويلٌ ممشوط القِوام، شبيه بأرستقراطيّ غنيّ، وجهه مشرق ينمُّ عن ذكاء، مع ابتسامة لا تفارق محياه، وسرعان ما أفضى عن مرامه بأنّه يودّ حديثًا خاصًّا في قضيّة مهمّة بل وخطيرة جدًا في نظره، بيد أنّ الحضور من أصحاب المدينة منعوه وصدّوه، واعتبروا فعله من قلّة الكياسة، ثم اعتذروا عن سلوكه وتصرفه ذاك ولم تسنح لي الفرصة أن أسمع ما أراد، إلّا أنّ ضحكات هنا وهناك و تسامرًا خفيًّا قد ألمح لي بعبارة غريبة صدرت من الأرستقراطيّ أنّه ينوي محو ذاكرته، ولم أعتبرها شيئًا البتّة.
انقضت الأمسية بشكل جيد، وقد ألحّ الحضور أن يوصلوني إلى بيتي خوفًا عليّ من المجنون الأبكم، غير أنّي رفضت وقررت المضي وحيدًا تحت جنحة اللّيل. إنّ المشي في اللّيل البهيم يَمدّني بنشوة عظيمة ويساعدني على التوغّل لأعماقي والكشف عن بعض الخبايا المطمورة داخلي. اللّيل بالنسبة لي ساعة التواصل الصّادق مع نفسي ولا شاهد على ذلك إلّا نَقطُ النّجوم. عمومًا، أغلقت العيادة وانفصلت عن الحضور، ورحت أخطو خطواتي ببطءٍ ونسيم اللّيل البارد يَلفح وجهي بنعومة وكعادتي أغلقت عيوني و أقللت من سرعة تنفسي وأبطأت من سيري، طلبًا لخلود تلك اللحظة و استمرارها إلى الأبد.
دومًا ما شعرت بشبه هذه اللحظة بتلك التي يعاينها الغريق في وسط المحيط قبل غرقه تمامًا، هو يُبصر المحيط بجماله المُطلق في ذلك الكسر من الثانية، يُبصر المحيط بسكونه وصمته وحكمته، جمال لامتناهي، قلت ذلك الكسر من الثانية لو استمر إلى الأبد لما رضي الغريق أن ينجو بنفسه، بل يظلّ على غرقه مع ما يجده من جمال المحيط في أعماقه والصمت ُيطبق على جميع الجهات، هذه شاعريّتي مع لفحة النسيم تلك في اللّيل البارد . . .
بيد أنّ هذه الشاعريّة بدأت تفقد جاذبيّتها وأنا أسمع حثيثًا سريعًا يخطو باتجاهي ويهمس بجمل متقطّعة: “هل تغفر لي؟” “هل تفهمني؟، أريدك أن تفهمني فقط”، “الاعتراف هو ما أحتاجه فقط” . . . التفتُّ خلفي فإذا برجل على رأسه قلنسوة تغطّيه يسرع باتّجاهي و يدمدم حروفًا ما، أسرعت كي أسبقه غير أنّه زاد من قوّة سيره، استدرت في أحد الأزقّة الضيّقة، ليستدير هو الآخر، ولم تمض لحظات حتى أمسكني من كتفي، و رماني على حافّة الجدار وقلبي يكاد يخرج من قفصه،    ورجفة تُصيب جسدي كاملًا برعداتٍ من الخوف المُميت. هي نهايتي هكذا خَطَرَ لي، وما ضاعف من رُهابي هو أنّ وجه الشخص مختبئ في مسحة من الظلام، لا يكاد يبرز شيء منه إلا عيونه البرّاقة، عيون واثقة تثقِب الحديد، ثم أدركت أنّه لا يملك سلاحًا، لكن عضلاتي كانت متقلّصة متشنّجة ولم يخطر في ذهني القيام بأدنى حركة، كنت مشلولًا تمامًا، وهكذا انطلق صوتٌ دافئٌ حصيفٌ يهمس من تلك الظلمة…
قال الصوت :

. . . . .أريدُك أن تسمعني فقط، سأمضي سريعًا، سريعًا أقول لك أيها الإنسان الطيّب، أنت بروحك الطّاهرة تُدرك حاجة الإنسان إلى الاعتراف، حاجته كي يجد شخصًا ولو طفلًا صغيرًا يغفر له ويعطيه أملًا. إنّ ما يحتاجه كبار المفسدين أحيانًا ما هي إلّا كلمات الصّفح والغفران حتى يستحيل الواحد منهم إلى راهب عظيم ومصلح هائل، هذه بغيتي عندك أيها الإنسان الطيّب، تسمع لي، نعم، نعم، سوف تسمعني وتغفر لي ويمضي كلٌّ منّا في سبيله . . . الذنب الذي يؤرّقني ويُثقِلُ كاهلي أيها الإنسان الطيب أنّني سَترتُ جرمًا عظيمًا ارتكبه أحد الأرستقراطيِّين العدميِّين، آسف لن أحكي لك الجريمة، إنّها شنيعة، بل ليس هناك ما هو أشنعُ منها، بشعة تقتل النّفس الطّاهرة أقول لك، وإذا علم هذا الأرستقراطيّ العدميّ أنّي أخبرتك وأفصحت لك، سَيُقدِم على قتلي، هو ليس برحيم البتّة البتّة، اعتذر عن كلامي المتفكك و جسمي المرتعش، لا أستطيع السيطرة على أعصابي، أنا أنفعل بسرعة وقوة، فأفقد توازني العقليّ، بل لا عقل لي البتّة، أنا مجنون هاهاها . . . حسنًا، إليك التفاصيل: 

لم يكن هذا الأرستقراطيّ العدميّ إلّا فلاحًا حقيرًا مغمورًا في تراب أرضه الصغيرة، يهتمُّ بها اهتمامه بنفسه، بل أعظم ربما، وبقدر غبائه الفطريّ، إلّا أنّه امتلك نزعة تؤهله لإخفاء تلك الغباوة، أعني امتلاكه لقوّة تأمّلٍ هائلةٍ تساعده في تحليل الأمور. ولا جرم أنّك تدرك للحظة صغيرة كيف لموقفٍ بسيط أن يغيّر من مجريات الحياة و يقلبها رأسًا على عقب، حتّى قد يخلق مثل هذا الموقف البسيط من الفلّاح الساذج فيلسوفًا ضخمًا، وهو ما كان لهذا الأرستقراطيّ، ففي أحد الأيّام شاهد على تراب أرضه طفلًا صغيرًا مصابًا بأحد الأمراض الموسميّة، وهو مرض موسميّ له أعراض بارزة على الجسد لا إمكانيّة في سترها، احمرار في الأنف، وسيلان الدموع، وسعالٌ مستمرٌ ومتقطّع، وجفاف في الفم.

لقد كان الفلّاح مصابًا هو الآخر منذ عشرة أيّام بهذا المرض وقد أرهقه جدًا. في اليوم التالي مرّ الطفل ذاته من هناك، غير أنّه بصحة وحالة ممتازة، ليست عليه علامة مرض واحدة، حيث أدهش الأمر الفلّاح واستغرب لفترة مديدة تلك الهيئة، على أنّه خبير وملمٌّ بمثل هذه الحوادث. لم تشكل القضية سحرًا بالنسبة للفلّاح فقد عايَن نفس الأمراض الموسميّة لمدة طويلة، إنّ ما خالج ذهنه ونبت في خلده تلك السّاعة هو سؤال سوف يصوغه بعد سنوات في هذا القالب: 

ما الفرق بين الشخص العادي وبين الشخص صاحب المعرفة ؟

سابقًا كان هذا الفلاح يعتقد بأنّ الشخص العادي الساذج أفضل من ذاك صاحب المعرفة، أي الشخص العاديّ له القدرة على عيش التجربة ذاتها والانغماس فيها والتمرّغ في وحلها، وهذا هو الشعور بالحياة حقًا، في حين صاحب المعرفة أقلّ عيشًا للتجارِب وأقل انغماسًا ومنه يكون إحساسه بالحياة ضئيلًا فقيرًا. أن يعرف المرء متتالية فيبوناتشي الرياضيّة في أوراق الزهور، لا يساوي فلّاحًا يمسك الزّهرة و يستنشق عبيرها ويُبصر امتصاص رحيقها وهو قطعًا يجهل فيبوناتشي. أن يعرف المرء القانون الثاني للديناميكا الحرارية لا يساوي شخصًا فوق سفح جبل مثلج بارد يستدفئ عند نار دافئة صفراء. أن يعرف المرء نظريّات أوجست كونت وغوستاوف لوبون وآدلر لا يساوي شخصًا يتعارك مع الحياة داخل المجتمع ويقع في العصاب والأمراض النفسية . . .

ثم جاءت واقعة الطفل، استمرَّ مرض الطفل يومًا أو يومين، في حين استغرق مَرضُ الفلّاح عشرة أيّام، السرّ هو نبتة علاجيّة علم بها هذا الفلّاح لاحقًا. معرفة النبتة تلك، هو الشيء الجوهريّ الذي جعل الطفل يَسبِق بالشفاء الفلّاح مدّة ثمانية أيام. هنا برز استنتاج الأرستقراطي: معرفة النبتة قلّصت زمن الشقاء وضاعفت من زمن المتّعة واللّذة، معرفة النبتة ساهمت في رفع رصيد الحياة، هذه الحيثيّة تجعل صاحب المعرفة أكثر إحساسًا و شعورًا بالحياة، بل وتكشف له النقاب عن شيء مكتوم، هو القدرة على تحديد الأهداف الحقيقيّة في الحياة، ذلك أنّ البشر العاديّون ممنوعون من قدرة تعيين الأهداف الحقيقيّة والسعي والبذل لها. هو السؤال الثاني في قصة تولستوي عن الملاك المعاقب بالطرد من الملكوت، ولن يعود إلّا بالإجابة عن أسئلة ثلاثة، منها: ما الذي منعه الإنسان؟

يجب أن أذكر هنا صفة أساسيّة تتعلّق بهذا الفلاح الذي صار فيلسوفًا ضخمًا. إنّ الوفاء صفة ثابتة في البشريّة ولا مناص في التملّص منها، حتّى أنّها تكون حقيقيّة ومجازية، يبقى فقط اختلاف لِما أو لِمن نحن أوفياء؟. البعض منّا وفيٌّ لنفسه فإذا ما تعلّق الأمر بذاته كان راضيًا، مركزيّته هي ذاته ليست شيئًا آخر يبحث في الشيء المتّصل بالذّات أهو حقٌ أم كذب؟ أهو جريمة أم عملٌ إنسانيّ؟ هذا النّوع من الوفاء يبحث فقط عن الذات ويقوم بإقصاء الغير. البعض الآخر وفيٌّ لشخصٍ آخر، فكلّ ما يرتضيه الشخص الآخر هو مقبول سائغٌ عنده ولا يتعلّق الأمر بإرادتِه هو، إرادته هي ما يرضاه الشخص الآخر سواءً كان عشيقة أم أمًّا أم أبًا أو شخصيّة خياليّة. الفلاح يختلف عن كلّ هذا فهو وفيٌّ فقط للقِيمة، وفيٌّ للمبدأ، وإذا ما خُدش المبدأ يخسر الأرستقراطيّ نفسه وتنكسِر روحه ويصبح كلّ شيء بلا معنى في نظره واعتقاده، ولمّا كان وفيًّا للقيمة المطلقة، وفيًّا للمبادئ السامية، استطاع أن يقوض الفلسفة و الفكر والمعرفة عمومًا، قلت استطاع أن يقوض كل هذا خدمة للمبدأ وعلى أمل تغيير العالم.

هو مؤمن مسرف الإيمان بما قاله ماركس أنّ مهمة الفيلسوف لا تكمن فقط في تحليل العالم بل في تغييره. هذا التغيير للأفضل و السعي لخدمة الإنسانيّة والصلب من أجلها حتى لو استلزم الأمر . . . ربما بدأت تفهم الآن أيها الإنسان الطيب أنّ سبب معاناة الفلاح يتعلق بهذه الصفة خصوصا، الوفاء للفضيلة والقيمة المُطلقة. لقد قابل المجتمع أفكار هذا الإنسان في الرقيِّ بأحوال الناس، بمحاصرته وعزله بأفكار دونيّة تارة وبسذاجات وسخريات تارة ثانية، لم يعد مفهومًا لهؤلاء الناس مجريات الأمور و المقاصد التي يسمو إليها هذا الفيلسوف الفلّاح، وبقدر سخريتهم وصدّهم عن سبيله، ازداد بؤسًا وأرقًا  وكآبة، تتألّم نفسه في سبيلهم ولأجلهم، إنه في حالات كثيرة يُصاب بحالة هيستريّة، يضطّرب فيها عقله ويغدو شبيهًا بإنسان سكران يحاول الهروب من نفسه ومن ذاته. إنّ عدم تحقيقه لشيء كفيل بخدمة الإنسان والعالم يعذّبه، ويزداد عذابه بمرور الوقت وتعاقب الأيّام، يغدو الألم عميقًا وشرسًا يفترس كل إحساس بالسعادة ولو صغيرًا كان، أخيًرا يستعمر الألم القاتل كل الأحاسيس، و يستحيل الفلاح إلى كآبة لا تطاق، لو جاز لها أن تتمظهر على أرض خضراء يافعة لأحالتها لشيء محروق أسود سواد الفحم الخام.

إنّ كآبته كانت شيئًا مدمّرًا هذا الفلاح، غير أنّ شيئًا زاد في جُرعتها فصارت سُمًّا زُعافًا. زوجته تركته في اعتقاد منها أنّ زوجها قد تغيّر وأصابه مَسٌّ من الجن، هو مجنون الآن، مجنون أرستقراطي، و الفلّاح كان يُحبّها حبًّا مقدّسًا إلهيًّا، حبّه لها كان مثاليًّا، حبّه لها كان مبدأٌ بحياله من مبادئه السامية، ولما افترقا كان يردد دومًا وأبدًا أنّها تعشقه، فقط هي تجهل، ذلك أن تَمظهُرات العشق متعدّدة، من عشق الجسد إلى عشق المرأة لأبيها في صورة عشيقها، إلى عشق المرأة لمعشوقها وهو في صورة ابن لها هي أمّه. يُردّد الفيلسوف الفلاح دومًا أنّ تلك المرأة تحبّه حبًّا عارمًا جارفًا لكن هي تجهل بذلك، وحينما تكبر وتنضج ستدرك هذه الحقيقة، هي تحبّه هو الفلاح كشبح في جسد زوجها الجديد لا أكثر.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: صيقع سيف الإسلام

تدقيق لغوي: فاطمة الملّاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.