تأخذك إلى أعماق الفكر

الإنسان في مواجهة الظلام – غياب الروحانيات عن العالم الحديث

الإنسان في مواجهة الظلام 'ولتر ستيس'

وهذا يعني بشكل ما أنه إن استطعنا رفْع غالبية البشر إلى نفس مستوى تعليم القلة الموجودة الآن فقد ننقذ الوضع. ونحن بالفعل نتحرّك ببطء في هذا الاتجاه عن طريق التعليم الجماعي. ولكنّ السؤال الحاسم يتعلق بالمدة الزمنية التي ستستغرقها العملية، ربما خلال بضع مئات من السنين – إذا استمرّ التعليم بالمعدل الحالي – سيكون أغلب البشر متحضّرين ومتعلمين بشكل كافٍ حتى يؤمنوا بالمُثل العليا في غياب الدين. ولكن قد يكون معدّل انهيار حضارتنا أعلى من معدل ارتفاع نسبة المتعلمين، فكيف إذًا نعيش خلال الفترة الفارقة؟

أنا واثق من أنّ أول شيء يتعيّن علينا القيام به هو مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاتمة، ثمّ تعلّم كيفية التعايش معها. وسأقول ملاحظاتي عن كِلا النقطتين.
ما أحثّ على فعله في النقطة الأولى هو الصراحة التامّة مع النفس. فأولئك الراغبون في إعادة إحياء المسيحية مخادعون لأنفسهم وغيرهم – ليس بقصدٍ منهم طبعًا– فهم يفعلون ذلك بطريقةٍ لا واعية تتمثل في تسكين النفس بالأفيون والأحلام. أما أولئك الذين يبحثون عن دين جديد، فمَثَلُهم كمثل النوع الأول لكنهم يبحثون عن مخدّر جديد، وكلاهما يرفضان مواجهة الواقع وحقيقة أنه لا توجد خارج الإنسان أيّ روحانية من أيّ نوع، ولا اعتبار لقيمنا، ولا أب لنا في السماء، ولا مساعدة لنا من أي نوع. ولكي نكون صادقين تمامًا مع أنفسنا، يجب ألا نبحث عن المأوى في أوهام، قديمةً كانت أم جديدة، وألا ننغمس في أيّ أوهام حالمة على صلة بهذا الأمر.
إنّ محاججتي تلك ليست مبنية على أي تقديسٍ مجرّد للحقيقة، ففكرة أنّ الحقيقة هي القيمة العليا التي يجب أن نضحّي بكلّ شيء في سبيلها ليست منطقية بالنسبة لي، فإذا اكتشف شخص ما حقيقةً قد تُهلك البشرية، أيكون كتمانها، بل واستبدالها بالكذب، مبرّرًا؟ هل الحقيقة في هذه الحالة أهمّ من الطيبة والجمال والسعادة؟ إذا ظننت بأن الحقيقة فعلًا أهمّ، فأنت تخلق مطلقًا جديدًا، وهمًا دينيًا جديدًا حيث تحتلّ الحقيقة فيه عرش الإله. والسّبب الذي يدفعنا الآن لمواجهة الحقيقة بصدق وجرأة هو أنّ الكون لا أخلاقي، وغير مكترث بالجمال، أو الخير، أو السعادة، أو حتى الحقيقة؛ وهذا لا يعني أنه سيكون عملًا شريرًا أن تخفي تلك الحقيقة الكونية، لكن ببساطة قد فات الأوان لفعل شيء تجاهها، فلم يعد أمامنا خيار سوى المواجهة. ومع ذلك فنحن نقف مرتعشين على حافة الهاوية، فَزِعين من السقوط، ولهذا يجب علينا أن نتحلّى بالصدق مع النفس، وأن نتحلى بالشجاعة. أما بالنسبة للنقطة الثانية، وهي أهمية تعلّم التعايش مع الحقيقة؛ فهذا يعني أن تعيش باستقامة وسعادة، أو على الأقل برضا ودون أوهام. وهذا بالطبع صعب للغاية، لأنّ ما بدأنا بإدراكه الآن أنّ حياة البشرية في الماضي وسعادتها قد اعتمدت بأكملها على الأوهام. قد قيل أنّنا بالحقيقة نحيا وبالحقيقة نكون أحرارًا، لكن يبدو العكس تمامًا بالنسبة لي. فقد نجحت البشرية بالنجاة فقط عن طريق الأوهام، وهذا يعني أنّ الحقيقة قد تدمّرنا. لذلك قد يؤمن أحدهم، إن كان من أتباع برجسون[3]، أنّ الطبيعة قد زرعت الأوهام في نفوسنا لحثّنا على الاستمرار في الحياة.

وقد تعاطت البشريّة نوعين من الأوهام، أولهما هي الأوهام العملاقة، كالوهم الديني، والوهم بخيرية الكون واتّباعه خطّة نبيلة ينتج عنها بعض المُثل العليا، وانتصار الخير في النهاية؛ أما ثانيهما فهي أنواع عديدة من الأوهام الصغيرة التي تتغذى عليها سعادة الإنسان، فكم من وهم عن المحبوب اقتاتت عليه سعادة المُحب؟ وكم من مرة سقطنا ووقفنا مجددًا في سبيل أوهام مثل الشهرة والمجد والسلطة والأموال؟ وكم من مرة أخذت الأوهام شكل الرموز من أعلام، ورايات، وشعارات، وأوسمة، ومواكب، وطقوس؟ كلها رموز لوهم أو آخر. وسأضرب  الإمبراطورية البريطانية كمثال على هذا النوع، فقد قامت كلٌّ من علاقاتها الخارجية وبنيتها الاجتماعية على أوهام صغيرة. إنّ العلاقة بينها وبين مستوطناتها مستمرّة لعدة أسباب، أحدها وهم المَلكية، كما أنّ السعادة الناتجة من اقتران لفظ صوتي لا قيمة له باسم الشخص مثل “سيدي” أو “الكونت” أو “اللورد” وظنّه أنّه يميزه عن عامة الناس ويجعله من علية القوم لهو وهم آخر.

هناك فيض من الأدلة على أنّ سعادة الإنسان تتكوّن بشكل أساسي من أوهام. لكنّ الروح العلمية على النقيض، هي روح الحقيقة، عدوّة الأوهام، وبالتالي عدوّة سعادة الإنسان، ولذلك فمن الصعب جدًّا التعايش مع الحقيقة. لا يوجد سبب يدفعنا للتخلّي عن الأوهام الصغيرة التي تجعل الحياة محتملة، لا يوجد سبب ليستخدم المحب الطريقة العلمية لفحص محبوبه، وحتى أوهام الشهرة والمجد ستبقى، لكن سينتهي الوهم الأكبر، وهم العالم الخيِّر، اللطيف، والكون ذو الغاية والخطة المحكمة. والطلب بأن نعيش مع تلك الحقيقة، ليس أكثر من الطّلب بأن نصبح كائنات متحضرة فعلًا، لا كائنات تتظاهر بالتحضُّر (شبه متحضرة). ولإيضاح المقصود من “التظاهر بالتحضر” سأستحضر ما قاله لي أحد زملائي عندما كنت طالبًا جامعيًا؛ أخبرني زميلي، الذي كان مسيحيًا متعصّبًا، بأنه لو لم يكن مؤمنًا بالحياة الآخرة وبالجنة والجحيم لأصبح قاتلًا ومغتصبًا ولصًّا وسكّيرًا، وهذا بالضبط ما أدعوه شبه تحضّر. وعلى الجانب الآخر، فقد استطاع العديد من الأشخاص أن يعيشوا حياةً أخلاقية كريمة بعيدًا عن الدين، وليس هذا حكرًا على المفكّرين أمثال هكسلي وجون ستيوارت ميل وديفيد هيوم فبإمكان عامّة الناس الحصول على حياة متزنة بدون الحاجة إلى الدين. أن تكون متحضرًا بحقّ، يعني أن تكون قادرًا على العيش باستقامة وأمانة دون الاستناد على دعائم أو عكازات من الأحلام الطفولية التي سيطرت على فكر البشرية حتى الآن، لن أدّعي أنّ تلك الحياة ستكون ممتلئة بالنشوة والسعادة الغامرة، لكنها ستكون حياة وديعة، هادئة، تتقبل فيها ما لا ليس لك يد فيه وما لا يمكنك تغييره، ولا تتوقّع المستحيل، وتكون سعيدًا بالمعجزات الصغيرة، هذا ما أضمنه لك. بالطبع لا أنكر أنّ هذا الدرس صعب على البشر أن يتعلّموه، لكنّني أؤكد أنه ليس مستحيلًا، لأنّ العديد بالفعل قد طبّقه.

لم تنضج البشرية بعد بشكل كافٍ، فما زال الإنسان يستنجد بالسماء ويعيش في عالم من الخيالات. وقد وصل جنسنا ذروة العقدة، فهل يمكن له أن يمرّ بنفس مراحل نضوج الفرد؟ هل يمكنه أن يدخل في مرحلة الرجولة متخليًا عن أحلام الطفولة وأوهام المراهقة؟ هل يمكنه أن يدرك العالم على حقيقته كما هو، قاسٍ وكئيب دون أحلام رومانسية أو أوهام دينية، وأن يحافظ رغم ذلك على مُثله وقيمه ساعيًا لتحقيق غايات عظيمة، وإنجازات نبيلة؟ فإن كان يستطيع، فقد يصبح كل شيء على أحسن ما يرام، وتسير العقدة نحو الحلّ. وإن لم يستطع، فمن الوارد جدًّا أن يرتدّ إلى الهمجية والوحشية التي خرج منها، عائدًا إلى تلك المكانة الوضيعة بين أدْنَى الحيوانات.

 

إعلان

[1] أطلس (Atlas): هو أحد الجبابرة الوارد ذكرهم في الأساطير الإغريقية. حكمت عليه الآلهة بأن يحمل السماء فوق كتفيه إلى الأبد عقابًا له على مشاركته في ثورة الجبابرة ضدهم.

[2] الأسرار الميثرانية : ديانة غامضة انتشرت في الامبراطورية الرومانية من القرن الأول للقرن الرابع الميلادي. توجد أوضح بقاياها في روما وأوستيا ومورتانيا وبريطانيا الرومانيتين وفي مناطق قرب الدانوب والراين وكلها متعلقة بالإله الفارسي ميثرا.

[3] هنري برجسون: برغسون (18 أكتوبر 1859 – 4 يناير 1941)، فيلسوف فرنسي. حصل على جائزة نوبل للآداب عام1927. يعتبر هنري برغسون من أهم الفلاسفة في العصر الحديث، كان نفوذه واسعًا وعميقًا فقد أذاع لونًا من التفكير وأسلوبًا من التعبير تركا بصماتهما على مجمل النتاج الفكري في مرحلة الخمسينيات، ولقد حاول أن ينفّذ القيم التي أطاحها المذهب المادي، ويؤكد إيمانًا لا يتزعزع بالروح. حظي إبّان حياته بشهرة واسعة الانتشار في فرنسا تؤثر في دوائر مختلفة: فلسفية ودينية وأدبية. حدث له العكس تمامًا بعد وفاته، إذ حدث انصراف تام أو شبه تام عن فلسفته حتى صارت تقبع في ظلال النسيان ابتداءً من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم خصوصًا وقد اكتسحتها الوجودية تمامًا.

إعلان

مصدر MAN AGAINST DARKNESS

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.