تأخذك إلى أعماق الفكر

الإبستمولوجيا المتطبعة وعدم القابلية للمقارنة: دراسة في طبيعانية كواين

مدخل إلى النزعة الطبيعانية:

فلا معنى لكلمة التفسير إلا في حدود المنهج العلمي (بمعناه الواسع الذي يتضمن الفلسفة و المنطق و الميتافيزقيا)، ولكن العلم لا يملك إجابات نهائية وشاملة لجميع الأسئلة، وما لا يفسره العلم بصورة شاملة لا يعني أنه يقع خارج حدود العلم من حيث المبدأ، أو أننا لا نعلم عنه شيئًا، ولكننا نكوّن حوله الفرضيات المؤقتة و أشباه النظريات quasi-theories حتى تزداد معرفتنا عنه مع الوقت وتترابط في رؤية شاملة داخل مخططنا المفهومي.

التفسير العلمي يتفاوت في الدرجة و الشمول، والتفسير العلمي يكون بِـ رد مجموعة من الظواهر أو النظريات المبدئية إلى إطار نظري أكثر عمقًا وشمولًا وتتمثل الوظيفة التفسيرية للعلم في عملية الربط والتشابك بين النظريات العلمية في مخطط مفهومي شامل، فلا يوجد شيء غير مفسر على الإطلاق، كما لا يوجد أيضًا شيء مفسر بشكل نهائي و مطلق، هناك فقط أشياء لها تفسيرات أكثر ثبوتًا و اتّساقًا من تفسيرات أشياء أخرى،  وتختلف القوة التفسيرية للفرضيات والنظريات العلمية أولًا من خلال درجة استيعابها لأكبر قدر ممكن للظواهر وثانيًا من خلال ترابطها منطقيًا مع بقية النظريات والفرضيات في الشبكة المعرفية.

إن القابلية للتطور والتعديل المستمر (fallibility اللاعصمة) للحقائق العلمية إحدى أهم سمات المعرفة العلمية، فالمعرفة العلمية ليست نهائية ولا مطلقة ولكنها مفتوحة دائمًا للتعديل والتطوير، وهناك ظواهر بالتأكيد لا نعلم عنها الكثير، وهذه المناطق شبه المظلمة في النسق العلمى تؤسس لما يُعرف بـ الفجوة التفسيرية.explanatory gapوهو ادعاء يستخدم أحيانًا كحجة بعدم كفاية المنهج العلمي للإجابة عن كل الأسئلة المشروعة، ومن ثم اقتراح وجود مناهج أخرى يمكنها الإجابة عن الأسئلة التي يعجز العلم عن الإجابة عليها (مثل الميتافيزقيا التأملية مثلًا).

نحن نفهم ظواهر الإحساس أكثر مما نفم الوعي، ونفهم قوانين الأجرام السماوية أكثر مما نفهم الثقوب السوداء، ونفهم التطور أكثر مما نفهم نشأة الحياة، ولكن ذلك لا يعني أننا لا نملك أي فكرة عن الوعي أو الثقوب السوداء أو نشأة الحياة، أي لانملك أي تفسير علمي لهذه الظواهر ونصفها أنها “ظواهر خارج إطار العلم” ومن ثم يجب أن نلجأ إلى طريق معرفي آخر لتفسير هذه الظواهر، بالعكس إننا نستدل إلى أفضل تفسير ممكن (Inference to the best explanation (IBE) ) عندما نحاول تفسير أي ظاهرة، ونختار النظرية الأبسط والأكثر hستعيابًا لتنوع الوقائع وفي نفس الوقت التي تكون أكثر اقتصادًا أنطولوجيًا، وكلما ارتبطت النظرية بروابط منطقية أكثر بالنظريات الأخرى والمحيط الحسي كانت نظرية أكثر ثبوتًا وأقل عرضة للتغيير في المستقبل، و كلما كانت هذه العلاقات أقل كلما افترضنا أنها فرضية تعتبر نموذج أوليّ لتفسير الظاهرة يمكن أن يتطور ويتعدل في المستقبل.

و إذا كان لدى أي شخص تفسير آخر لبعض هذه الظواهر يستوعب قدر أكبر من الظواهر ويرتبط منطقيًا ببقية معرفتنا عن العالم فهو دائمًا مٌرحبًا به لتقديم تفسيره هذا وربما يحصل على جائزة نوبل، ومن خلال هذا يتطور العلم، فالتفسيرات العلمية لا تدّعي أنها تفسيرات نهائية ومطلقة، ولا يوجد ادعاء علمي واحد محصن بشكل أولي من النقد والتعديل (ولا حتى قوانين المنطق) ولكن على العكس تقديم تفسيرات غير علمية، أي لم يتم التوصل إليها بأي طريقة منهجية كائنة ما كانت، ولكنها قائمة بشكل كامل على التأمل speculations والحدوس Intuitions ولا ترتبط بأي شكل منطقي مع رؤيتنا المعرفية الحالية عن العالم ولكنها تتجاوزها، كيف يمكن أن نسمي ذلك تفسير؟ فكل تفسير هو تفسير علمي بهذا المعنى، لأن أي تفسير آخر للظواهر هو ليس تفسير على الإطلاق، أي إنه لا يقدم أي وظيفة تفسيرية على الإطلاق ولا يجعل الظواهر مفهومة بشكل أفضل ومتسقة مع بقية معارفنا، وإنما هو اعتقاد غير مسوغ ودوجما غير نقدية يتم التوصل إليها بدون آلية منهجية ولا يوجد سبيل لمراجعتها.

إعلان

———————————————————

I. 	   لاحظ الطبيعانية لا تترادف مع المادية ، فمفهوم المادة ناتج عن النظرية العلمية و ليس سابق عليها ، و انطولجيا الكائنات المادية تبدأ بتصور الحس المشترك عن الأجسام و لكنها تتجاوزه نحو فهم علمي أكثر عمقا، و لا يجب أن نظن أن النظرية الذرية الحالية تتكافئ منطقيا مع الذرية القديمة، أو مع الجوهرية المادية، فالذرة ليست جوهرا بسيطا لا يقبل القسمة بل هي كتل طاقية و تتفتت إلى جسميات أولية، و الجسيمات الأولية هي كمات طاقية أبعد ما تكون عن المفهوم العادى لكلمة مادة و تخبرنا نسبية اينشتين العامة ان المادة تتحول إلى طاقة و العكس. ضف إلى ذلك أن الفيلسوف الطبيعي ليس مجبرا على تضييق إلتزامه الأنطولوجي ليسمح فقط بما نعتبره مادة و فقا للنظريات الفيزيائية ، فهو قد يقبل بمقولات أخرى فيقبل مثلا بوجود الطاقة ، أو القوة ، بل و حتى الكيانات الرياضية مثل الفئات و الأعداد – كما يفعل كواين، فالطبيعانية لا تساوى المادية أو الواقعية المباشرة ولا تعنى حصر الموجودات على ماهو محسوس و عيني في الحس المشترك، بل إن ما هو محسوس و عيني نفسه ليس معطى مباشر بل هو إطار نظري لإيستيعاب الخبرة الحسية... فالسؤال الانطولوجي المنطقي " ما ذا يوجد" لا تكون إجابته متاحة إلا من داخل العلم نفسه.، 
فيقول كواين في نص شهير : " الكائنات المادية، تم ادخالها مفهوميا كوسائط مناسبة ، ليس -من حيث التعريف- كوقائع تجريبية ، ولكن ببساطة كمواضعات (فرضيات) غير قابلة للإختزال ( اي لأن ترد الى خبرة تجريبية مباشرة) ، يمكن مقارنتها معرفيا بآلهة هومريس. بالطبع انا كتجريبي اعتقد الكائنات المادية ولا اعتقد بآلهة هومريس  بل أنني اعتبر الإيمان بآلهة هوميرس خطأ علمي. لكن من ناحية التأصيل المعرفي ، لا تختلف فرضية الكائنات المادية و فرضية الآلهة من حيث النوع، ولكن فقط من حيث الدرجة. كلا الأمرين يدخل في فهمنا كمواضعات ثقافية، أسطورة الكائنات المادية اعلى معرفيا من باقى الاساطير فقط من حيث أنها قد اثبتت انها اكثر كفائة كآداة لتكوين بنية ناجحة لاستيعاب المعطيات التجربية.
لاتقتصر الإفتراضات على الاشياء المادية العينية، فعلى المستوى الذري يتم أفتراض وجود كيانات لجعل قوانين الاشياء الكبيرة، وأخيرا قوانين الخبرة، بصورة أكثر بساطة وسهولة، والعلم استمرارا واستكمالا للحس المشترك، وهو يستمر في تطبيق حيلة الحس المشترك، تضخيم الأنطولوجيا  بغية تبسيط النظرية.
وليست الأشياء الفيزيائية كبيرها و صغيرها، هي وحدها الكائنات الموضوعة بالإفتراض، فالقوى مثل آخر، والواقع هو أنه يقال لنا في الوقت الحاضر، أن الحدود الفاصلة بين الطاقة و المادة قد عف عليها الزمن، علاوة على ذلك، إن الكائنات الرياضية التي هي جوهر الرياضيات - أي الفئات وفئات الفئات صعودا- هي كائنات موضوعة إفتراضيا بنفس الروح. تعتبر هذه من وجهة نظر نظرية المعرفة، أساطير بمستوى الأشياء الفيزيائية والآلهة، لا أفضل و لا أسوأ منها ما عدا إختلافهما عنها بدرجة تيسيرها تعاطينا مع الخبرات الحسية."”   عقيدتان للتجريبية – من كتاب من وجهة نظر منطقية ص 45
II.	  كواين – عن ماهو هناك – من كتاب من وجهة نظر منطقية ص 19
III.	  كواين – الكلمة و الشيء ص 23
IV.	  كوين – عقيدتان للتجريبية – من كتاب من وجهة نظر منطقية  ص 42
V.	  كواين – عن ماهو هناك – من كتاب من وجهة نظر منطقية ص 16، 17 و عقديتان في التجربية ص 45
VI.	  د. صلاح إسماعيل – نظرية المعرفة المعاصرة ص 187

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد يوسف

تدقيق لغوي: آلاء الطيراوي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.