تأخذك إلى أعماق الفكر

الأديان في الفكر العلمي من أنكساغوراس إلى مرسيا إلياد الجزء الثاني

فلسفة الأديان

يسود اعتقادٌ بأنّ الفكر النّقديّ المقارب للأديان من الخارج بدأ مع اليونان تَأْرِيخِيًّا، إذ لا نعرف فكرًا من هذا الطراز مُؤرَّخًا وقابلًا للدراسة وفق أنساق فلسفية أو علمية، حيث “عرفت بعض مسائل علم الأديان الظهور منذ البدايات الإغريقية الأولى” (11). ففي هذه الفترة ومع بعض وجهاء الفكر في هذا القوم سوف يُعاد النظر لأول مرة تقريبًا في شكل الأديان الشائع آنذاك وهو “الأسطورة”. فقد عرفت القرون الستة قبل الميلاد حركة فكرية نشيطة متفلتة من قيود الرقابة المعيارية للمجتمع اليوناني القديم.

الأديـان في الفكر العلمي  الجزء الأول

ذلك ما سمح بظهور كوكبة مباركة من الفلاسفة والعلماء الذين وضعوا الأسطورة على مشرحة النقد والشك والدراسة، فكانوا أقرب إلى نقّاد للمعتقدات الدينية أكثر منهم علماء أديان. لعل أشهرهم: “أناكساغوراس الأقلازوماني الذي اتُّهم بالإلحاد جراء اعتباره الشمس جرمًا عاديًا وليس إلهًا مقدسًا. فبفضل معاينة نيزك جوي متهاو سنة 468-467ق.م على أكيوس بوتموس اقتنع بواحدية الكون” (12). فمن المحال أن يكون الكون جوهرًا منفصلًا عن جوهر الشمس، فكلاهما من طبيعة واحدة. وبما أن الكون غير مؤلّه (بالكلية) فيتبعه في هذا الاعتبار الشمس والقمر. فالإله لا ينثر أجزاءه على أيكوس بوتموس. سيظهر بعده “كسينوفان دي كولفان الأيوني” الذي اشتهر بنقده لتشبيه الآلهة بما يتصوره ويشاهده البشر. يقول: “قد نسبوا للآلهة كلَّ مشينٍ وعار يعرفونه، مثل السرقة والزنا والغش والجنس”. حيث ما فتئ البشر يتصورون الآلهة على شاكلتهم، تملك ألسنة ولها صوت وبدن مثلهم، إلى حد اعتباره للحيوانات لو كانت تملك ما يملكه الإنسان من خيال لكانت في رؤوس آلهتها القرون وفي أرجلها الحوافر (13). فـ”الآلهة-كما يقول كزينوفان- ليست سوى رغبات الإنسان المتحولة إلى كائنات سماوية” (14).

من جهةٍ أخرى حاول “فيوثجان الريجوني” تقديم تأويلٍ مجازيٍّ للأساطير. حيث اعتبر الآلهة قوى طبيعية مؤلّهة لعدم قدرة الإنسان على اكتناه أحجيتها. ما يُظهر أنّ الأسطورة كانت جوابًا مقدّسًا يعوّضُ جهل الإنسان بالطبيعة ويشعره بالاطمئنان. “فتأليه القوى الطبيعية التي تبقى آليتها مجهولة من طرف الإنسان، تثير مشاعر الرهبة والافتتان لديه” (15). وفي نفس الاتجاه يعتبر “هيراقليطس الأفسوسي” أن الأساطير ليست إلا ترميزات للحقيقة التي تعين دون حصر الجوهر الخفي للآلهة، فالأساطير مجرد غشاء يفصل البشر عن الحقيقة الإلهية.

و هنا تقفز للعيان أحد أهم خصائص الأديان -حسب فلاسفة الأديان- و هو ميزتها “الخفية والعجائبية” (16). بعد اليونان سيأتي الرومان، حيث ستختلف مساهمة المفكرين الرومانيين في نقد الأديان، فبالاستفادة من التراث اليوناني ذي النزعة العقلانية، سرت في الفكر النقدي الروماني الاستثنائي (وليس الشائع) روح عقلانية راديكالية. ذلك ما يظهر من موقف “لوكراس” الذي كان يعتبر الأساطير مجرد خرافات ناتجة عن الجهل وعديمة الفائدة، لا تصلح إلا “لخرفنة” الناس. لذلك ندّدَ بمختلف أشكال التلاعب بالدين من طرف راكبي حصان السلطة. يقول: “إن هذه الآلهة المزعومة ذات القوة الجبارة والعلم الواسع والحضور الكلّي والساكنة في السماوات، لا تزيد على كونها نتاج الجهل الإنساني، فبوادر الرهبة الأولى من الكون هي التي ولدتها” (17). أكثرُ راديكاليةً منه نجد “فارون” الذي بدوره يعتبر الإنسان هو من خلق الإله وليس العكس. إذ إن “الآلهة ليس لها من حقيقة إلا بحسب ما يرفع لها الإنسان من عبادة” (18). فحسبه لولا وجود الإنسان لما وجدت الآلهة.

بالانتقال إلى الفترة الحديثة ومع تصاعد النزعة العقلانية خصوصًا أثناء وبعد عصر التنوير، ستتميز الفلسفات التي ظهرت في هذه الفترة بروحٍ نقديّةٍ عالية، تتمايل بين الاحتفاظ بقيمة وجدانية للدين رغم نقد محتواه المعرفي والتاريخي من جهة، أو الدعوة إلى تجاوزه والانتقال إلى شيء آخر مسايرةً “للتقدم” الذي شكّل في فكر الأنوار هدفًا مقدّسًا. وأكيد أن أيديولوجية هذه الفترة وهي “العقلانية الخالصة” أثّرت على تأملات الفلاسفة في هذا الشأن، إذ نجد مثلًا “جيمس فرينتال” في هذا السياق يقول: “إن البحث في الأساطير ليس لهدف آخر سوى الكشف عن تاريخ أخطاء العقل الإنساني” (19)، طبعًا من أجل تدارك هذه الأخطاء بهدف تعبيد الطريق أمام البشرية من أجل التقدم. غير أنّ هذا التيار زاحمه آخر وسار في اتجاه مختلف تمامًا جسّدته الرومانسية الألمانية أو “التيار المثالي في فلسفة الدين” الذي كان ردّ فعل ضد تيار “العقلانية الخالصة”.

إعلان

حيث أصبح الهدف من دراسة التاريخ ليس كشف أعطاب استعمالات العقل، بل صار ماضي الإنسانية في وعي “فرهارد هردر” مثلًا “عبارة عن مستخلص لتربية البشرية لأنه منتوج من خبرات محددة و أصيلة” (20)، و به تحوّل التاريخ كذاكرة للأديان من محتوى للخرافات إلى خزان للحكمة الإنسانية. و لعلّ “بنجامين كونستان” أحد أهم ممثلي هذا التيار، فهو يعتبر بأن العقلانية ليست بذي جدوى لفهم الظاهرة الدينية، إذ من اللازم اعتماد إحساس ونوع من “الحدس”، لأن “الشعور الديني” هو الوسيلة لمعرفة العبقرية الخاصة بكل الشعوب والأديان. فهذا الشعور يتطلّب الإقرار بعالم متعالٍ لامرئيّ. إضافة إلى ذلك، فللإنسان “رغبة” ملحّة و حاجة للدخول في تواصل مع عالم آخر لامادي. فإنه يصاب بالقنوط في العالم المعاش لذلك يطير إلى عوالم متخيَّلة، لا يمكن التحقق من وجودها بالفعل، لكنها موجودة في “شعور الإنسان”. ذلك عند بنيامين هو جوهر الدين المتفلت من كل عقلانية مادية (21).

و يبقى “شلايرماخر” واحدًا من أشهر فلاسفة ولاهوتيّي هذا الاتجاه، فقد برَّأ الدين مما يُنقص من قيمته، وهو “الادعاءات” أو نظرية المعرفة التي تقبع في كل دين بشأن أصول الأشياء. حيث يميل كل دين بطبيعة من أنتجه إلى أن يجيب بطريقة أسطورية عن أسئلة تجيب عنها أشكال أخرى للمعرفة الإنسانية كـ”العلم” بطريقة تجريبية أكثر إقناعًا. بذلك تصبح أجوبة الأديان في موضع لا تحسد عليه كلما تقدمت العلوم. بخلاف ذلك عند شلايرماخر “ليس هدف الدين تفسير الكون أو قول الحقيقة المطلقة بشأن الموجودات كما تفعل الميتافيزيقا، و لا حتى هدفه إصلاح العالم بحسب نوامس أخلاقية، بل إن الدين في جوهره ليس فعلًا و لا فكرًا، وإنما هو تأمل حدسي وشعور رفيع” (22). إذا كان شأن الأجوبة عن أسئلة الإنسان شأن المعرفة، فإنّ هذه الأخيرة خاضعة للتحول والتطور حسب أدوات ومدارك البشر حسب الزمان، غير أن “الدين غير مرتبط كشعور وحدس بأي زمن ولا تقليد منتقل من عصر إلى آخر” (23)، وهذا ما يضفي على الدين شيئًا من الفطرية القابعة في نفس الإنسان.

لم تمرّ استنتاجات التيار المثالي بشأن الدين مرور الكرام، فقد تعرّض إلى حملة نقد شعواء من طرف الجيل الثاني لتيار “العقلانية المادية”. إذ حصل التحول بدءًا من “فلهايم هيغل”، فقد أتت مقاربته إلى الدين متأثرةً بمشروع فكري هائل كانت غايته طبعًا هي التقدّم، و حثّ الألمان على التحرك كما فعل الفرنسيون. حيث كان هيغل يعتبر فرنسا الثورية منارة للتنوير، وكان يعتقد بأن مع الثورة الفرنسية “أبواب التغيير قد فتحت من أجل استعادة الحرية” (24). و بالتالي فما هو سياسي أثّر بشكل ملحوظ على نظرة هيغل للدين، فقد أدرك هذا الفيلسوف -بحسّه التاريخي- بأن الإنسان والمجتمع تاريخيًا تحرّكه معانٍ مثالية كانت فاعلة جدًا في بعض فترات التاريخ، إلا أنها أصبحت عاجزةً عن ململته منذ القرن 17م على الأقل.

صحيح أن هيغل أكد أن الإنسان هو من ينتج هذه المعاني ثم ينسبها إلى قوى خارقة كـالآلهة، غير أنه يدعو إلى: “المطالبة -وإن نظريًا- بالكنوز التي بيعت للسماء بثمن بخس بعدما كانت ملكًا للبشر” (25). و لا يقصد بهذه الكنوز سوى تلك المعاني التي تحرك التاريخ. ففي سياق هذه الدعوة سيتحوّل ما هو مثالي ومتخيل في الأديان إلى ما هو واقعيّ وعينيّ ومساعد على التغيير المُراد. يحصل ذلك بدياليكتيك خاص يتحوّل فيه “الإله” محرك التاريخ القديم إلى “العقل” محرك التاريخ القادم. حيث تبتغي هذه الفلسفة إرجاع الإلهي وتجسيده في الإنساني، وتحويل الجنة من التحقق فيما بعد الموت إلى التحقق في الأرض وفي الواقع.

بذلك فإن فلسفة هيغل تؤنسن اللاهوت وتُعقلن ما تَمثلن فيه في التاريخ، من أجل إحداث تغيير في المجتمع تقوده عوامل إنسانية واقعية أكثر من العوامل اللاهوتية المثالية التي فقدت قدرتها على التغيير، خصوصًا بعد أن تجمّدت في قوالب دينية طقوسية غير معترفة بحركة التاريخ. لذلك سنجد هيغل منذ شبابه ينتقد “الدين المُنزَّل”، الذي حسب ما يذكر جون هيبوليت يعتبره هيغل: “قائمًا على السيطرة ويعامل الإنسان كطفل ليفرضَ عليه من الخارج ما ليس متضمّنًا في مبادئ عقله” (26)، وبالتالي يعيق مسار تقدمه. فمتى كان شرط التقدم الحرية أو “تقدم الوعي بالحرية وبعده يخطو الوعي إلى الفعل”، فإن الهيغيلية تحاول تحرير الأول (الوعي/الإيمان) من أجل تحقيق الثاني (الفعل/ التغيير) (27). يقول هيغل: “إن الحاجة الملحّة للإنسان في زماننا هي أن يكون حرًا، أي ألا يتلقى من أحد سواه قاعدة فعله” (28). إذا علمنا أنّ من جملة الأشياء -حسبه- التي تقيد حرية البشر وتفرض عليهم قاعدة السلوك خارج ذواتهم هي الدين، أدركنا أنّ نقده غير موجه سوى لجهاز ليس أحد جناحيه غير الدين والآخر السياسة. إذ حسب هيغل: “المسيحية الثيولوجية الطقوسية أصبحت تمارس استلابًا على المؤمنين بها، وأنّ التحرر منها هو السبيل نحو أوربا جديدة” (29).

منتقدًا لهيغل ومتجاوزًا له، سوف يعمل “لودفيغ فيورباخ” على توضيح ظلال الميثولوجيا التي بقيت في الفلسفة الهيغيلية، إذ أكد هذا الفيلسوف بأن: “الهيغيلية كانت المحاولة الأسمى والأخيرة لاستعادة المسيحية الحائرة والمخلوعة عن عرشها” (30). حيث بقيت هذه الفلسفة تفصل بين الإله والإنسان، في حين أن هذا الفصل مجرد وهم عند فيورباخ (31)، حيث اعتقد أن الإنسان والإله لهما جوهر واحد هو الأنثروبوس، وكلاهما يعيش فقط في الأرض. ذلك ما لم يدركه هيغل. لذلك دعا فيورباخ كما يوضح هربرت ماركيوز إلى: “تحويل النظرية في الإله (الميثولوجيا) إلى النظرية في الإنسان (الأنثروبولوجيا) لتتحقق السعادة الأبدية مع تحول مملكة السماء إلى جمهورية أرضية” (32). فلا يجب المناداة باستعادة ما بيع للسماء بثمن بخس كما اعتقد هيغل، بل لا يوجد في السماء شيء يشتري ممتلكات الأرض، بل كل ما يجب فعله حسب فيورباخ هو “قلب الجوهر”، أي قلب الإله إلى وجهه البشري الذي نسيه، وقلب الإنسان إلى وجهه الإلهي الذي غاب عنه بين غبار التاريخ. وهذا ما يسمى بالديالكتيك النازل والصاعد عند الهيغيلي الشاب.

فحسبه، الإنسان لم يخلق الإله، بل هو نفسه الإله. فهذا الأخير عند فيورباخ ليس سوى إنسان قد تخلص وتحرر من الحدود والقيود المحيطة به أو المصادرة عن طبيعته. ولفيوراخ من الأدلة على حكمه هذا الكثير، وقد عرضه في كتابيه “أصل الدين” و”جوهر المسيحية”. فعنده تشبيهات الإله في الكتب المقدسة على أنه شخص يتكلم ويغضب ويتوعد ويحب ويتأثر بالرجاء وغيره، ذلك كله بالنسبة إليه لا ينبئ إلا بما هو بشري، إذ “وحدها -يقول فيورباخ- الكائنات المادية من تتأثر وتنفعل وتثار” (33). كما يوضح ميسلان “فإن فيورباخ تصور مختلف أشكال التعبيرات العقدية والشعائرية ليست سوى وظيفة طبيعة للخيال” (34)، لذلك اختلط الإنسان مع الإله فقط تحت تأثير الخيال. وبالتالي يظهر مما سبق “أن الإله ليس سوى إنسان دون لحم و دم”. إذا كان ذلك كذلك فإن فيورباخ يدعو إلى “التحول فورًا إلى تمجيد الإنسان وتنصيبه في مكانه الحقيقي والإقرار علنًا بأنه هو الكائن المتعالي” (35)، وهو في رأيه سبيل الخروج من حالة العطالة الحضارية التي كانت تتخبط فيها ألمانيا منذ أواخر القرن 18م.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.