تأخذك إلى أعماق الفكر

(إيمي واينهاوس) والعودة إلى الأسود

العيون المحددة بالأسود الثقيل وتصفيفة الشعر العالية المميزة التي تذكرك بمغنيات الخمسينات والستينات. الجسد المليء بالوشم والملابس المختلفة. صوت الجاز الرخيم الخاص بها والكلمات التي تنجح في اختراق مشاعرك. كل تلك الأشياء التي ميزت المغنية الإنجليزية (إيمي واينهاوس) لتجعلك متأكدًا من أنك أمام موهبة استثنائية لن تتكرر.

“أنت عدت لِما كنت تعرفه.. مبتعدًا عن كل ما مررنا به”

27 عامًا فقط هو العمر الذي عاشته وسطنا (إيمي)، لتنضم بجدارة لنادي الـ 27، ذلك العمر الذهبي الذي رحل فيه الكثيرون قبلها. كأنما المواهب الاستثنائية لا يُقَدَر لها أن تعيش طويلًا. (براين جونز) من (الرولينج ستونز)، (جانيس جوبلين) مغنية الروك، (جيم موريسون) مغني فريق (ذا دورز)، (كيرت كوباين) مؤسس فريق (نيرفانا) وغيرهم ينضمون مع (إيمي واينهاوس) في انتهاء حياتهم عند ذلك العمر الذهبي.
قالت إيمي يومًا عن كتابتها: “أنا لا أكتب شيئًا إلا إذا كان موجهًا بشكل شخصي إليّ. فقط لأنني لن أستطيع وقتها قول القصة بصدق لأنني لن أكون قد مررت بها”. مفاهيم جديدة عن الذاتية تطرحها (إيمي) في أغنياتها، بأن تجعل كلماتها النابعة من تجاربها وأزماتها الشخصية أكثر رحابة من مجرد تجارب ذاتية، فتصل إلينا حتى تتماس مع نفس كل شخص منّا. كانت روحًا قديمة داخل جسد صغير طوال الوقت.

“أما أنا فأسير في مسار مضطرب، باحتمالات مكدسة.. سأعود إلى الأسود”

في فيديو كليب أغنيتها الأشهر “العودة إلى الأسود”، كانت (إيمي) ترتدي الملابس السوداء وتهبط مترنحة على السلالم. ببطء تصعد إلى سيارتها لتسير في موكب جنائزي وسط المقابر. ذلك المزيج من الغموض الساحر والقوة الذي يميز أغانيها كلها. مزيج الكلمات التي تصل للقلب مباشرة ربما لذاتيتها الشديدة وتنعكس مباشرة داخل ذواتنا. الكلمات الحزينة ولكنها تُغَنَى بصوت في غاية القوة. يقف الجميع أمام القبر المفتوح الذي لا يوجد داخله سوى صندوق صغير قديم. يبدأ الأشخاص في الرحيل فُرادى حتى العازفون. يبقى المشهد خاليًا إلا منها وحيدة بملابسها السوداء أمام الحفرة الضيقة. تمسك بيدها حفنة صغيرة من التراب وتلقي بها داخل القبر الصغير.

صِدق المَشَاهد التي كانت تؤديها (إيمي) في أغانيها تجعلها تنعكس داخلك كأنها نابعة منك أو من موقف قد تكون مررت به يومًا. كاتبة أو مغنية أو شاعرة ذاتية هي كلمات تفقد معناها حينما نتحدث عن (إيمي واينهاوس). فهي لم تكن فقط كاتبة ذاتية لكنها كانت أشبه بـ (سيلفيا بلاث) في الشعر. فأنت تشعر أن كل أزمات حياتها لم تكن موجودة إلا لكي تعبر عن موهبتها ولكي تكتبها وتأسرنا معها. كأن حياتها كانت تطل بيننا فقط كي تقصّ علينا بعض كلماتها النفاذة ثم ترحل فجأة في عمر مبكر متوارية عنّا.

“لقد قلنا وداعًا بالكلمات فقط، وقد متُ مئات المرات.. أنت ستعود لها، وأنا سأعود إلى الأسود”

تظل اللحظة الفاصلة في حياة (إيمي واينهاوس) كلها حين قابلت (بلايك) -الذي سيصبح حبيبها- في إحدى حانات لندن عام 2005. كان لابد من وجود “هو” في حياتها لتتفجر آلامها وذاتيتها أكثر فأكثر. في هذا الوقت كانت (إيمي) ماتزال في بداية حياتها الفنية أما (بلايك) فكان يعمل كمساعد إنتاج. ومنذ بداية علاقتهما معًا وقد ظهر على إيمي تغير كبير في ملابسها وشكلها وحتى الوشم المرسوم فوق جسدها وبدت أنها مفتونة حقا بـ (بلايك). استمرت العلاقة مدة ستة أشهر فقط ثم انفصلوا بعدما قرر (بلايك) العودة مجددًا لصديقته السابقة.

إعلان

الفترة التي عقبت انفصالهما كانت هي الفترة التي نظمت فيها إيمي معظم أغانيها المشهورة في ألبوم “العودة إلى الأسود”، وكأنما كانت تود أن تؤرخ داخلها كل لحظاتهما وكل آلامهما معًا، كما بدأت في تلك الفترة في شرب الكحول بكثرة حزنًا على الانفصال. كان وقع تركه لها وعودته لحبيبته السابقة كالصفعة التي أسقطتها تمامًا. كانت تخبر محدثيها دائمًا أنها لا تتذكر أنها وصلت إلى قاع حالتها النفسية إلا حينما تركها (بلايك). حاول أهلها دفعها للذهاب إلى مصحة للعلاج لكنها لم تمكث هناك أكثر من دقائق ثم رحلت.

في بدايات عام 2007 عاد الثنائي (إيمي) و(بلايك) معًا مجددًا. ولكن في ذلك الوقت كان للعلاقة أثر أكثر تدمير عليها. لم يمضِ وقت طويل من نفس العام حتى سافرا إلى ميامي وأعلنا زواجهما هناك وسط استنكار الأهل الذين رأوا تأثيره السلبي عليها. في ذلك الوقت كان (بلايك) يتعاطى الهيروين لأنه “يبعد عنه أي إحساس سلبي” مثلما كان يقول، فأرادت هي تجربته معه. وهكذا بدأت (إيمي) في التعاطي بكثرة حتى أنها بعد أشهر قليلة اضطرت إلى دخول المستشفى بسبب تعاطيها أنواعًا مختلفة من المخدرات.

بقيت (إيمي) في تلك الدائرة أسيرة دون توقف رافضة المساعدة أو الذهاب لأي مصحة أو مركز تأهيلي. كانت علاقتهما مزيجًا من العشق الشديد والغضب والخلاف كثيرًا أيضًا، لكن كلمات أغانيها كلها كانت تدور في فلكه. ولم تتوقف علاقتها بـ (بلايك) إلا بعدما تم القبض عليه والحكم عليه ب27 شهرًا في السجن. خلال تلك الفترة، بدأت (إيمي) في حصد العديد من الجوائز ودخلت المصحة عدة مرات. بابتعادها عنه، بدأت في إدراك سوء علاقتهما وسوء تأثيره عليها، وتم طلاقهما رسميًا في 2009.

عانت (إيمي) بعدها لفترة طويلة من إدمان الكحوليات والمخدرات وكان هذا مؤثرًا طوال الوقت على أدائها حتى أنها كثيرًا ما كانت تعتلي المسرح وهي ممسكة بكأس من الكحول أثناء الغناء، وحينما كانت تتمكن من التوقف كانت تقول لصديقاتها إن الحياة دون مخدر مملة جدًا. أثر (بلايك) على حياتها في الفترة التي تليها لا يمكن تلاشيه تمامًا. فرغم أنهما لم يعودا معًا إلا أنها كانت في معظم لقاءاتها وحفلاتها خلال تلك الفترة تبدو حائرة وحزينة للغاية.

وأنا سأعود إلى الأسود

رغم تحسن حالة (إيمي) بالتدريج عما كانت عليه من قبل حتى أنها أقلعت عن إدمانها للمخدرات وبقيت فقط شراهتها للكحول، إلا أن انهيارها السريع قد تم أثناء عام 2011 في حفلة (بلجراد) التي لم تكن تود حضورها تمامًا، حتى إنها شربت الكثير من الكحول قبلها كي لا تتمكن من أداء الحفل. ورغم أنه قد أُغمي عليها وهي نائمة على أريكتها من فرط الشراب، إلا أن والدها ومدير أعمالها قاما بوضعها في المقعد الخلفي لسيارتها وهي نائمة وحينما استيقظت وجدت نفسها في المطار ووُضِعت في طائرة خاصة.

في قلعة (كالمخدان) الساحة المفتوحة ببلجراد، اضطرت (إيمي) على غير إرادتها أن تعتلي المسرح لكنها كانت تتعثر أثناء دخولها ولا تستطيع النهوض. يبقى فيديو هذا الحفل هو أصعب حفل غنائي يمكن مشاهدته لمغنية أو مغنٍ. هو حفل لشخص يوقن من داخله أنه يحتضر، كل ملامحها كانت توحي أنها ستذهب لنهاية محتومة لكن لا أحد يكترث بها تمامًا.

لا يمكن أن تمحو من ذاكرتك وقفتها كالطفلة الصغيرة فوق المسرح. شعرها و(الميكب) الخاص بها البائس جدًا كأنما أفاقت لتوها من نومها. طوال الوقت تقف دون حراك عاقدة ذراعيها. تحاول أن تبتسم أو تحرك جسدها قليلًا لكنها تعاود الانغلاق مجددًا. عدم استطاعتها حتى على حمل الميكروفون. صوتها الذي لا يتماشى تمامًا مع اللحن بسبب عدم قدرتها على الغناء. تلقي الميكروفون من يدها ولكنها تعاود إمساك آخر. عيناها المستجديتان اللتان تتحولان في نهاية الأغنية لعينيين باكيتين. الجمهور الذي يصرخ غاضبًا حينما تتوقف عن الغناء. هل كانوا يعلمون أنها بصدد الموت؟ هل كان أحدهم يعرف أن هذا الجسد الذي يغني يخص شخصًا على حافة الهاوية؟ كان هذا الحفل الأخير في حياة (إيمي) القصيرة. كان حفلًا مليئًا باستغاثات النهاية التي كانت ظاهرة. لم يمر بعدها ثلاثة أشهر إلا ووجدوها في منزلها ميتة بجرعة زائدة من الكحول. مستوى الكحول في دمها كان أكثر بـ 45 مرة من الحد الأقصى للشرب أثناء القيادة مثلما قالت طبيبتها.

“إن خوفي الاكبر ربما هو الموت دون أن يعلم أحد عن أي إسهام يمكن أن أكون قد حققته في الموسيقى الإبداعية” – إيمي واينهاوس في إحدى حواراتها

نرشح لك: موسيقى الـ Grunge التي فاقت حوادثها على شهرتها

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: جيلان الشمسي

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.