تأخذك إلى أعماق الفكر

إلى أين يذهب انبهار المرات الأولى ؟!

كثيرة هي المواقف والقصص التي تروي لنا تفاصيل اللقاء الأول مع مختلف الأشخاص والأماكن التي نقابلها ونزورها على مدار أعمارنا ، مثل أول يوم ذهبت فيه إلى المدرسة ، أول مرة تحدثت مع زميلك الذي أصبح فيما بعض أقرب أصدقائك ، أول مرة رأيت مكتبك في عملك الجديد ، أول نظرة تُلقيها على سيارة الأحلام ، وأول قطعة تتذوقها من طبقك المُفضل بعد جوع شديد وانتظار طويل ، والحديث يطول إذا تذكرنا كل المواقف التي عشناها وكيف تصرفنا في المرة الأولى في كل منها ، البعض يقف منبهراً يحدق في كل شيء من حوله ، و قد يخيم الصمت على المكان من شدة الصدمة ، وقد يضحك البعض ضحكاً هستيرياً ، بينما تتسارع دموع آخرين لا يستطيعون تصديق أن أحلامهم قد تحققت أخيراً !

لماذا نعتاد الأشياء بمرور الوقت ؟

أذكر تلك الفترة التي كنت أتمنى فيها أن أكبر لأصبح في عمر الشباب ، وأنظر لمن هم أكبر مني سناً بإعجاب شديد، كيف يعيشون حياتهم كل يوم وماذا يفعلون ، أردت دوماً أن أصبح مثلهم وبسرعة فائقة، حتى إذا مرت السنوات دون أن أشعر بها، ووجدت نفسي في نفس أعمارهم شعرت أنه أمر عادي لا يستحق الكثير من الإعجاب والتطلع، الأمر نفسه يحدث مع كل منا فعندما يُطلق إصدار جديد لإحدى الهواتف المحمولة يتسابق الجميع على اقتنائه وتعديد مزاياه ، ثم تأتي حالة السعادة العارمة عند شراءه فينظر إليه كل عشرة دقائق ليطمئن على أنه في مكان آمن ، ويقتني له الكثير من الإكسسوارات ويتعامل معه بحرص، ويستمر الأمر هكذا حتى موعد صدور الإصدار الأحدث ! ماذا حدث بعد ذلك؟! يبدأ صاحبنا يشعر وكأن هاتفه أصبح لا يُلبي احتياجاته كما كان يحدث سابقاً، ويتطلع لشراء الإصدار الأحدث في دائرة استهلاك مستمرة لا نهاية لها !

أمر مشابه لذلك يحدث عندما نقابل شخصاً ما لأول مرة، فنقع في أسر تفاصيل شخصيته و ملامح وجهه، كيف تصبح عندما يغضب أو يبتسم ابتسامة من أجل المجاملة فقط، كيف يمكن أن تسرقنا التفاصيل الصغيرة في المرة الأولى حتى نعتادها بعد ذلك فتمر علينا دون أن نلاحظها أو نفهمها !

لم أستطع الوصول إلى إجابة واضحة عن هذا السؤال ولكن حاولت استنتاج بعض الأسباب مثل أن الإنسان مُعرض دائماً لأن يعتاد الأشياء التي يمتلكها أو يضمن وجودها معه طوال الوقت، فنحن نبذل الكثير من الجهد والوقت من أجل الوصول إلى حُلم ما أو وظيفة مميزة، وكذلك من أجل النجاح في الحصول على شيء ما نسعى كثيراً وننفق الكثير من الوقت حتى يصبح بين أيدينا فتقع أعيننا على شيء آخر يجذب أنظارنا ويسرق انتباهنا عن غيره، وتبدأ نفس سلسلة الأحداث من جديد، هل نحن حقاً مثلما يقول المثل الشعبي المعروف “ميملاش عيننا إلا التراب” أم الأمر له أبعاد أخرى، ويُمكن أن يعتبر نوعاً من أنواع الطموح أو التطلع لما هو أفضل، ولماذا لا يبذل أحدنا جهداً للحفاظ على ما يمتلكه، لماذا نضمن وجود الأشياء بحوزتنا على الرغم من أنها محتمل أن تضيع منا ونفقدها في أي وقت!

الأمر قد لا يكون بهذا السوء إذا ما تعلق بالأشياء المادية كهاتف محمول، ولكن ماذا إذا حدث الشيء نفسه بين صديقين أو زوجين ! كأن يرى أحد شخصاً ما فيعتقد أنه أفضل من صديقه الحالي، ويبدأ بفقدان الرغبة في الاهتمام به ومشاركته كل ما كانا يفعلاه في السابق.

إعلان

الانبهار ظاهرة لا يجب أن نعول عليها كثيراً !

في حقيقة الأمر تختلف نفسية الإنسان وشعوره ونظرته للأشياء من وقت إلى آخر، قد يكون أحد الأسباب الرئيسية هو تقدم الإنسان في العمر فما نظنه شيئاً كبيراً وعظيماً في وقت ما يفقد أهميته وتأثيره علينا إلى حد كبير، مثل طفل صغير ينظر دائماً إلى الأبراج العالية والعالم من حوله فيراه كبيراً حتى يشب ويكبر فتعود الأشياء إلى حجمها الفعلي لأنها لم تكن كبيرة في الأصل ! كذلك قد ننبهر بشخص ما لأنه يتفوق علينا في شيء واحد، بينما بالتعمق فيه بشكل كامل نجد أنه مماثل لنا تماماً، لديه قدر من العيوب والمميزات بشكل متوازن كأي شخص طبيعي ولا يستحق الكثير من الانبهار أو الإعجاب، دائماً ما ننجذب نحو من استطاعوا اجتياز الاختبارات التي فشلنا فيها حتى إذا استطعنا أن نحقق النجاح أصبح كل شيء عادي وفي حجمه الطبيعي، لذلك الوقت هو الحل الأمثل دائماً ليدرك الواحد منا حقيقة شعوره وفكره تجاه كل ما يدور من حوله ونحو كل من تجمعهم به ظروف الحياة، ولأن الوقت هو الاختبار الحقيقي للانبهار وصدقه، فإذا كان عرضاً مؤقتاً حتماً سيمر وينتهي سريعاً فور قدوم شيء ما له جاذبية أكبر!

مساهمة من نادين عبدالحميد

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.