تأخذك إلى أعماق الفكر

إسرائيل الأخرى “أولى الفرص الضائعة لتفادى نكبة الشعب الفلسطيني”

قبل قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، كانت بلد قياصرة آل رومانوف تتكون من العديد من القوميات المتناثرة على مساحة روسيا الشاسعة، ومع قيام تلك الثورة التاريخية الكبرى ونهاية الحرب العالمية الأولى، تكون الأتحاد السوفيتي في شكل فيدرالي جامعا كل التجمعات القومية تحت مظلة دولة واحدة مع إعطاء بعضهم الاستقلالية الإدارية وحق الحكم الذاتي.

فى ظل حكم القياصرة، وفى ظل هيمنة الكنيسة الأرثودوكسية القوي على سياسة البلاد، كان اليهود يشكلون فئة مهمشة من المجتمع، تخصصت فى أعمال التجارة وأعمال الأقراض المالية منذ عهود طويلة، فكان تواجدهم متناثر فى كل التجمعات السكانية حيث فرص العمل بالتجارة والإقراض بالربا متاحة، رافضين العمل كغيرهم فى المجال الزراعي. وقد أدى هذا الوضع إلى استفذاذ كثير من أهالي روسيا نظرا لممارسة اليهود أعمال أقل مشقة جثمانية وأكثر ربحا، مما كان يسبب من وقت لآخر فى اندلاع ثورات دموية ومجازر يذهب ضحاياها العديد من أهالى اليهود. وكانت أشهر تلك المجازر فى بولندا، التي كانت جزءا من روسيا العظمى فى ذلك الوقت. وقد حاول القيصر نيقولاى الثاني، آخر القياصرة، إقناع اليهود بالإلتزام بالأعمال الزراعية كغيرهم لتفادي ثورات الأهالي، إلا أنه فشل فى إقناعهم واتهموه بمعاداة السامية.

ومع قيام الأتحاد السوفيتي على مبادئ الشيوعية، تم اعتبار أعمال التجارة وأعمال الإقراض من الممارسات الرأسمالية البورجوازية، فكان لابد من إجبار اليهود على العمل فى القطاع الزراعي كغيرهم من أفراد الشعب. فقامت بعض المحاولات خلال بداية عشرينات القرن الماضي، ولكنها تسببت أيضا فى تضرر المزارعين الآخرين بسبب فرض وجود هؤلاء المزارعين الجدد على أرضهم.

لقد أقر الدستور السوفيتي المعتمد فى يناير عام 1924 حق القوميات المؤسسة للإتحاد السوفيتي فى حيازة القطر الجغرافى حيث موقع تمركز كل قومية، ورغم أن اليهود لم يكونوا يوما قومية ثابتة إنما فقط أصحاب ديانة وهوية تاريخية، ورغم تناثر تواجدهم فى مختلف الأقطار الروسية، إلا أن رئيس السوبريم سوفيت، ميخائيل كالينين، قدم اقتراحا باعتبار اليهود أصحاب قومية يعطى لهم حق حيازة قطر جغرافي له سيادة. وقد أصدر جوزيف ستالين قرارا عام 1928 بانشاء جمهورية لليهود ذات سيادة ولها حق الحكم الذاتي تحت مظلة الأتحاد السوفيتي : “الأوبلاست”، وتم تخصيص منطقة تقع شرق الاتحاد السوفيتى، بجوار الحدود الصينية، بها غابات الأخشاب الثمينة ومناجم الفحم والجرافيت، ونهرين لخدمة الزراعة ( خاصة نهر الأمور).

كذلك قام ستالين بإعطاء مميزات وحوافز أخرى لإنجاح هذه الجمهورية اليهودية، فقد أقر لها عاصمتها “بيروبيجان”، حتى تم تسميتها فيما بعد بدولة بيروبيجان، كما أعتمد لها اللغة اليديشية كلغة رسمية (لغة اليهود قبل العبرية الحديثة)، وأقام المدارس اليديشية، وكذلك مسرحا شهيرا باللغة اليديشية “مسرح نجمة بيروبيجان”. كذلك تم تقديم العديد من الحوافز المادية لليهود فى أنحاء الأتحاد السوفيتي ، بل فى أنحاء العالم، للانتقال إلى جمهورية البيروبيجان.

إعلان

كان الأتحاد السوفيتي بهذه السياسة التحفيزية يقاوم المشروع الصهيوني لنقل اليهود إلى فلسطين، فكان يعتبر أن الصهيونية مشروع استعماري رجعي وبورجوازي، يتنافى مع الفكر الاشتراكي، وعند وفاة ستالين عام 1953، نشطت الحركة الصهيونية داخل الأتحاد السوفيتي لقتل فكرة الجمهورية اليهودية السوفيتية “بيروبيجان”، وقامت المخابرات البريطانية بلعب دور محورى فى إفشال هذه التجربة خدمة للحركة الصهيونية. وبالفعل بدأت حركة الهجرة من الأتحاد السوفيتي تتجه خلسة إلى فلسطين.

وللعلم، كانت مساحة جمهورية بيروبيجان تمثل 36620 كيلومتر مربع، أى مساحة فلسطين ولبنان مجتمعين. وهى قائمة حتى اليوم، حيث يصل تعداد سكانها لنحو 200 ألف نسمة، ولكن لم يعد بها سكان من أصول يهودية سوى نسبة صغيرة تقدر بنحو 12% فقط.
هكذا تواجدت إسرائيل أخرى قبل إسرائيل الشرق الأوسط. فهل كانت هى أولى الفرص الضائعة لتفادى نكبة الشعب الفلسطيني؟ قد يكون… ولكن لن ننسى أن قرار عصبة الأمم عام 1920 بفرض الحماية على فلسطين بمعرفة بريطانيا كان سببه الرسمى حماية الهجرة اليهودية إلى فلسطين . ولهذا حديث آخر.

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

يا كاتب التاريخ ماذا جد فاستثنيتنا ؟!

الثورة على الاحتلال لا تقل عنها في الأهمية الثورة على نقص الاستقلال

لقد أصبح السكر مرعبا قليلا .. علينا التفكير جيدا في كيفية استهلاكه !

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.