تأخذك إلى أعماق الفكر

أسطورة الأنثروبوغونيا الأمازيغية… تشريح مع مقارنة

إنَّ الميثولوجيا الأمازيغية وعلى العكس من الأساطير الخاصة بالشعوب التي كانت تتواجد في عصر البروتولتريت، لم تقم بتدوين أساطيرها كتابيًا والتوثيق لها فاكتفت بسردها ونقلها شفاهيًّا بين الأجيال، وفي العقل الجمعي لدى شعبها -كما هو معروف عن الأساطير- وعلى إثر ذلك فقد تعرضت لظلم وتعتيم على مر قرون مع عدة عوامل أخرى مثل انتشار الإسلام الذي حد من نشر هذه الأساطير أو الإحتلال الفينيقي والروماني الذي طمس حصصًا من هويتها باختلاطها معها، بالرغم من هذا الاختلاط هناك إيجابيات عديدة له، لكن بالمقابل فإن أكثر الأشخاص الذين حافظوا عليها هم الأمازيغ أنفسهم الذين ظلوا متمسكين بالعادات والتقاليد من أحفاد الطوارق في الصحراء أو الذين فضلوا الانعزال في الجبال خوفًا على الهُوية.

ومن جهة أخرى فإنها تسسم بالإيجابية فقد قام الاحتلال الروماني والفينيقي بحفظ جُغرافيتها، وميراث شعبها بتأريخها ولفت الأنظار إلى شمال إفريقيا من دون نسيان المؤرخين والفلاسفة اليونان والرومان واللاتيين والأمازيغ والعرب الذين تحدثوا عنها من كل جانب مثل؛ هيرودوت، ديودور الصقلي، كوريبوس، القديس أوغسطين، ابن خلدون، ابن عذارى المراكشي، سترابون، بومبينوس، سكيلاكس، سالوست وبليني الأكبر.

ورغم أن الإسلام -كعامل مهم- قد ذكر قضية غياب الأساطير الأمازيغية فإنه بالمقابل لم يستطع التأثير كثيرًا على الجانب الحكواتي من العقل الجمعي فقد ظلت عدة حكايات شعبية وخرافات على قيد الحياة، وانبثقت حكايات جديدة متأثرة بالسرد الإسلامي والمعتقدات الأمازيغية وتمازجت، لكن الخسائر الميثولوجية الأمازيغية كانت كبيرة.(1)

ولعل أكبر دليل يشير إلى أصالة الميثولوجيا الأمازيغية ، والعقائد السحرية مع عقائد الخصب في موطنها الأصلي، هو رسومات الطاسيلي وأكاكوس التي في الجزائر وليبيا حيث تعد من المتاحف الطبيعية في العالم، أي نلاحظ وجود رسومات ونقوش لعدة مخلوقات أسطورية من الآلهة الأم، إلى آلهة الخصوبة والبقرة المقدسة ومجموعة الشياطين والجن والمخلوقات الهجينة والشخصيات الأسطورية والرجال برؤوس الحيوانات.( 2 )

أسطورة الأنثروبوغونيا الأمازيغية
الالهة انيتا ربة الجمال و الحب في منطقة جبارين

إن الإمتزاج والتلاقح الثقافي والمعرفي والفكري بين الشعوب  ليس بالأمر السيء، لكن العديد من الأشخاص غير المتخصصين يعتقدون بأن أساطير شمال إفريقيا بدأت مع هذا التمازج، ولذلك وجب التوضيح للفهم، فإن أي شعب موجود على الأرض لديه أساطيره التي يخلقها من بطانة عقله الجمعي “فالشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد “كما قال ديلاتور .

إعلان

بدايةً، هذه الأسطورة خالية من دور الآلهة وغير مستوجبة إطلاق صفة أسطورة عليها، إلا أنها اكتسبت قوامها الأسطوري عبر عدة ميزات، فهي تدخل في نطاق أساطير خلق الإنسان التي أثارت التساؤل عند جميع المعتقدات، وأيضا تأرجحها بين نوعين من الأصول الميثولوجية، بداية من الأصل النباتي الذي يشرح ميلاد خلق الإنسان من الأرض، وانتهاءً بالأصل الحيواني الذي يشرح حالة وَعيه الشبيهة بالحيوانات، وهذان الأصلان موجودان بغزارة في أساطير سومر وبابل الموثقة كتابيًا. كما تقدس هذه الأسطورة الأرضَ بصفتها أمَّ الأحياء والخلق، وعلاقتها بالخصوبة وكذلك أحد عناصر الطبيعة الأربعة التي تمثلها المياه. كما أنها تحتوي على جوهر من الخرافة والحكاية معًا يمكن لأي قارئ لمسها. هنالك أيضًا عناصر في الأسطورة تجسد قيم الأنوثة والذكورة وأدوار المرأة والرجل الجنسية وما يلفت الانتباه وجود تصوير أو محاكاة لقصة ليليث العبرية وحواء الإبراهيمية ستلحظها عزيزي القارئ عند إعادة قص هذه العناصر.

لا نعرف بعد كيف تشكلت هذه الأسطورة وإذا كان كل تفصيل قد صب في كأسها دفعة واحدة، لكن ما يمكن تأكيده هو أصالة فكرتها وأسسها التي قامت عليها من دون غض النظر عن مساهمة الثقافات، والأفكار المتلاقحة معها والمشتركة الموجودة في مناطق أخرى غير المناطق الأمازيغية، وبالأخص الشرق الأوسط. (3)

تبدأ الأسطورة في باطن الأرض، حيث يُخلق زوجان أوليَّان، في وقت لم يكن يوجد غير الماء والظلام والبلل. وكبداية مشابهة لما ورد في سفر التكوين فهذان الزوجان لم تفتح بصيرتهما بعد ليستطيعا إدراك ماهية الجنس وطبيعة جسديهما؛ إلا عن طريق بركة ماء أرادت المرأة أن تنهل منها أولًا مما جعل الرجل يدفعها فتكون السبب في كشف جسدها ليحصل أول فعل جنسي بين الزوجين فكانت هذه البركة بدل شجرة المعرفة في أسطورتنا الأمازيغية ماثلةً، وسببًا لهذه الممارسة.

لقد نتج عن هذا الاتصال الجنسي أطفال كثر وجدوا أنفسهم عالقين في الوحدة، من دون أن تخبرنا الأسطورة عن مصير الأبوين، حيث كان الأطفال مجبرين على المسير داخل رحم الأرض؛ فقد انفصلوا إلى قسمين: إناث وذكور، إلى أن وصلوا إلى الخارج تحت قيادة ضوء الشمس، وقد تم ذلك من قبل البنات أولًا ثم الذكور بعد سنوات من نجاح أخواتهم، وهذا دليل آخر على تجسيد الأسطورة لقيمة المرأة الجنسية والمعرفية في بحثها عن سبل البقاء وبعثها للحياة.

سكنت الفتيات قرب ضفة النهر ليدل الأمر على الزراعة وبداية استقرار البشر، أما الفتيان؛ فكانوا في الاتجاه المقابل له؛ بسبب فصل النهر للجنسين بعضهم عن بعض، وعدم مقدرتهم على اجتياز النهر الذي جعلهم يقومون بتأسيس بيوت يسكنون فيها عكس الإناث، وهذا ما يشير غالبًا لدور الرجل في بناء المستوطنات والقرى.

نفس المعضلة كانت بالنسبة لأبناء الزوجين الأوليين؛ فلم يدركا -رغم ذلك- طبيعة الجنس، وأجسادهم إلى اليوم الذي استحم فيه الفتيان على مرأىً من الفتيات قرب النهر، ففي تلك اللحظة إذا بهرمونات الأنوثة وحب الاستكشاف الجنسي تسود عند المرأة، من دون حدوث أي طارئ بينهما، إلى أن جاء اليوم الذي استطاعت فيه إحدى الإناث عبور الضفة الأخرى للنهر، لتنسل بذلك داخل أحد بيوت الجنس الآخر؛ لاستكشافه. الأمر الذي يمثل تجسيدًَا لربة البيت أيضًا العالمة بكل شيء والفطنة، لكن المصيبة تكمن في حدوث محاولة إعتداء عليها من طرف ذكر مختلف عن البقية، بامتلاكه لتلك الطبيعة الحيوانية كإحدى الإناث كذلك، واللذان يجسدان شخصية ” الغول والغولة ” .

وانتهاءً بسماع صراخ رفيقتهن التي تتعرض لمحاولة اعتداء جسدي، هرعت الأخريات إليها؛ فحصل اشتباك بين الجنسين، وقد كانت الغلبة للإناث اللواتي كن أقوى، لكن الهرمونات عادت من جديد في خضم هذا؛ لتشجعهن على اكتشاف أعضاء الذكور الجنسية مجددًا عبر اللمس هذه المرة، وبذلك فقد حصل أول اتصال جنسي بينهما، حيث كانت الأنثى سباقة لاعتلاء الآخر، ومن هنا تم اتخاذ زوجة لكل ذكر، لكن عادة تغيير اعتلاء المرأة الرجل تم عكسها، أما الذكر المتوحش والأنثى التي تماثله فصارا أسدًا والأخرى غولة؛ ليتشردا معًا ويهيما بعيدًا عن المجموعة في سبيل البحث عن فريسة مرتقبة.

كبداية، الأسطورة تحتوي على عدة رموز وقصص، نستطيع ترتيبها على هذا النحو إن أمكن لخيالنا أن ينهمر، ومقدرتنا على ربط المعطيات الموجودة في الأسطورة مع الإرث العقائدي في العالم ذي القواسم المشتركة.

-رمزية الأرض: لطالما قدس الأمازيغ الأرض، وجعلوها الأم الجامعة لكل الأحياء؛ لدرجة النهي عن ضربها بالأقدام وقت الاحتفالات خوفًا من ألمها، ففي هذه الأسطورة كانت الأرض هي الرحم الذي ولد أول زوجين فيها، والمسكن الأول والوحيد لهما ومثلما انبعث الإنسان فإنه يعود لها عند الممات. وهنالك عدة أساطير تتحدث عن بقاء بذور الميت في الأرض، وسرته متصلة فيها عند الموت وما شابه ذلك مما تم ذكره.

– رمزية الماء: لقد كان الماء عنصرًا مهمًا في حياة الأمازيغ؛ من ناحية الزراعة والعيش. وقد عرف عن الأمازيع عبادتهم لينابيع الماء وبرك الماء وتأديتهم لطقوس قربها؛ بما فيها الزواج. وعن نفسي وجدت عند زيارتي لإحدى القرى الأمازيغية، كهف صغير قرب ينابيع المياه على جداره آثار أيادٍ، لأدرك فيما بعد أنها كانت أيادي العرسان الجدد، المغمسة في صبغة حمراء والمتروكة آثارها هناك، وقد كان المكان مقسمًا لمناطق بين رجال ونساء؛ ففي الصباح تأتيه النساء للاغتسال وفي المساء يأتيه الرجال.

– رمزية الماء والظلام: فمن الماء الذي كان في باطن الأرض المعبر عن الخصوبة والإنجاب، إلى الظلام الذي يعبر عن بدايات الكون، وما يثبت ذلك؛ وجود عدة أساطير كوسموغونية عند عدة شعوب تشير إلى تواجد المياه والظلام في بادىءالأمر.

– رمزية الماء مع الجنس: اكتشف آدم وحواء نفسيهما حين أكلا من شجرة المعرفة، كما نقرأ في سفر التكوين ” فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضًا معها، فأكلا فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عُراة … “، فاكتشفا كذلك نفسيهما في هذه الأسطورة؛ بفضل بركة المياه والمرأة على وجه خاص، أما النهر؛ فقد حرك روح الاكتشاف الجنسي عند الفتيات وهن يشاهدن الفتيان أثناء استحمامهم، وإن هذه الأسطورة شبيهة بالأسطورة الرافدية حول تلذذ الإله ” إنليل ” بمفاتن الإلهة ” سود “، وهي تستحم قرب النهر إضافة إلى ولادة أبنائهم في العالم الأسفل على قارب بالنهر.

– رمزية الشمس: إن ضوء الشمس الذي كان يقود الأبناء نحو الخارج، لهو دليل على أهمية الشمس ميثولوجيًا وزراعيًا عند الإنسان الأمازيغيّ قديمََا، وقد كانت وضعية الميت في شمال إفريقيا في عدة مقابر اكتشفت متجهة نحو شروق الشمس، وهذا ما يعزز أهميتها، ناهيك عن عبادة آلهة تختص بها عند العديد من القبائل. ( 4 )

– المجتمع الأمومي: لقد كانت الزوجة الأولى حسب الأسطورة صاحبة الحق في الشرب، أما الفتيات فهن اللواتي وصلن إلى السطح قبل الفتيان، وهن من اكتشفن الاختلاف، وكن أقوى منهم واعتلين أجسادهم أولًا، وهذا ما يشير إلى تفوق المرأة على الرجل قديمًا وربما في ذلك إيحاء على البلوغ الجنسي للفتاة الذي يسبق الفتى، واكتشافها لجسدها وللآخر. ( 5 )

– المجتمع الأبوي: انقلاب المجتمع الأبوي على الأمومي؛ فالزوج قد أسقط زوجته التي كانت ترى استحقاقها شرب المياه أولًا، كما أسقط الرجل المرأة مع مرور الوقت، وتفوق عليها بقدراته الجسدية مثلما حدث حين قام ببناء بيوت له، واعتلائها في الجنس بعد أن كان الأمر يخصها.

– التحضر: فالأسطورة -ولو أنها لم تتحدث عن الزراعة- إلا أن وصول الفتيات أولًا، ووجود النهر، وسكنهن قربه؛ دليل على ظهور أمر متعلق بالعصر النيوليتي “الزراعي”،من دون نسيان أهمية الزراعة بالنسبة للمرأة والأساطير التي حيكت حول أنها أول من اكتشفها وعلمها. كذلك الأرض الخصبة التي سمحت بتشييد البيوت وتأسيس الحضارة الإنسانية للفتيان والفتيات، عكس الفتى والفتاة المتوحشين اللذين بقيا على طبيعتهما الحيوانية الأولى، وابتعدا عن روح الجماعة والتحضر. ( 6 )

– الجنسانية: الهوية والأدوار الجنسانية التي تميز بها الجنسان معًا، تبدو واضحة في هذه الأسطورة، منذ اكتشاف الزوجين أحدهما الآخر إلى الانفصال الأول في المسير والسكن، إلى طريقة الحياة، واختلاف التفكير والجسد، ثم التفوق الجنسي حسب كل مرحلة، ومن ثم السيطرة على الآخر بنحو عكسي. وعمل المرأة والرجل في الحياة قديمًا وتمايزهما، وجميع المؤثرات الجنسية، وحب التكاثر، واضح أكثر في الأسطورة.
بعد قراءة التصنيف الذي وضعته، نتجه إلى رمزيات أخرى، تخص بالدرجة الأولى “ليليث”، وفي الدرجة الثانية “حواء”، التي مثلت في هذه الأسطورة -إن جاز التعبير- الامتزاج والاختلاط ، لكن متحدين في نفس الوقت. وكمقدمة صغيرة عن ليليث؛ نستطيع القول إنها شخصية معروفة في التراث الرافدي واليوناني واليهودي والمندائي، فعند بلاد الرافدين هي “ليلتو” أو أردت “ليلي” (عفريتة تقتل الأطفال و تغري الرجال، وهي لاميا مختطفة الأطفال في الأساطير اليونانية)، أما عند اليهود؛ فهي زوجة آدم الأولى المتمردة، لكن عند المندائيين وعلى عكس ما سبق، فهي حامية الأطفال وراعية الولادة، ما يظهر وجهيها المتناقضين بوضوح.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.