تأخذك إلى أعماق الفكر

الحق في النسيان: الكثير من الهُراء حول لا شيء (الجزء الأول)

علاوة على ذلك، أشارت محكمة العدل الأوروبية إلى استثناء “لأغراض صحفية” يعفي ناشري الأخبار من تبعات الحق في النسيان، في الأصل المادة 12 (ب) من توجيه DP. وهذا الإعفاء لن ينطبق على المعالجة التي تنفذها محرك بحث، ولكن يمكن أن يُنتفع منه بشكل جيد للغاية. تشير محكمة العدل الأوروبية أن الحق في النسيان لا يمكن أن يمارَس ضد ناشر صفحة الويب إذا كانت العملية قد تمت “لأغراض صحفية فقط”.

بالإضافة إلى ذلك، نظرت محكمة العدل الأوروبية صراحة في حرية التعبير في حكمها كشرط مسبق لتنفيذ الحق في النسيان، وفقًا للقواعد التقليدية التي تحكم الموازنة الضرورية بين الخصوصية وحرية التعبير. في مناقشة المسألة القانونية – وبالتالي الموازنة اللازمة للحقوق التي يجب أن تطبقها المحاكم الوطنية – تشير محكمة العدل الأوروبية إلى أن المادة 9 من التوجيه 95/46 المعنون “معالجة البيانات الشخصية وحرية التعبير” تنص على:

تقدم الدول الأعضاء إعفاءات أو استثناءات من أحكام هذا الفصل والفصل الرابع والفصل السادس من أجل معالجة البيانات الشخصية التي تتم فقط لأغراض صحفية أو لغرض التعبير الفني أو الأدبي، فقط إذا كانت ضرورية للتوفيق بين الحق في الخصوصية مع القواعد التي تحكم حرية التعبير.

يجب أن تكون هذه الإشارة كافية بالنظر في نطاق اختصاص محكمة العدل الأوروبية في هذه الحالة. كانت إحالة كوستيا تسأل المحكمة عما إذا كانت محركات البحث هي وحدات تحكم في البيانات، وليس ما إذا كان يجب موازنة حرية التعبير وشواغل الخصوصية في هذا السياق المحدد أم لا. في غياب “التعديل الأول المطلق”، يجب موازنة الخصوصية وحرية التعبير على قدم المساواة في أوروبا وفقًا للمادتين 8 و 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ويُترك قانون موازنة الحقوق للمحاكم الوطنية وسلطات الخصوصية.

استخدمت السلطات الأوروبية الأخرى والمحاكم الوطنية هذه الإشارة/المرجع إلى التوازن الضروري بين الخصوصية وحرية التعبير لتنفيذ ضمانات كاملة لحرية التعبير ضد الحق في النسيان. في 26 نوفمبر 2014، اعتمدت سلطات حماية البيانات الأوروبية (DPAs) التي تم تجميعها في بالمادة 29 والمعمول بها (WP29) مبادئ توجيهية بشأن تنفيذ حكم محكمة العدل الأوروبية. تحتوي هذه المبادئ التوجيهية على تفسير مشترك لحكم محكمة العدل الأوروبية، وكذلك المعايير التي يجب استخدامها من قبل DPAs الوطنية عند معالجة الشكاوى.

إعلان

وفقًا المادة 29 المعمول بها، يجب إقامة توازن بين طبيعة وحساسية البيانات ومصلحة الجمهور في الوصول إلى تلك المعلومات. ومع ذلك، إذا كان موضوع البيانات يلعب دوراً في الحياة العامة، فإن مصلحة الجمهور تكون أكبر بكثير. وبالتالي، خلصت المبادئ التوجيهية إلى أن تأثير الحذف على الحقوق الفردية في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات سيكون محدودًا للغاية. عندما تقوم DPAs بتقييم الظروف ذات الصلة، لن يكون الحذف مناسبًا إذا غلبت مصلحة الجمهور حقوق بيانات الموضوع. تحتوي الإرشادات أيضًا على 13 معيارًا رئيسيًا، والتي ستطبقها DPAs الوطنية على الشكاوى التالية لرفض محركات البحث الحذف. تهيمن ضمانات حرية التعبير على هذه المعايير، والتي يتم تطبيقها على أساس كل حالة على حدة، ويجب قراءتها في ضوء “مصلحة عامة الناس في الوصول إلى [المعلومات]”.

كذلك ، فإن الموازنة بين الحق في النسيان والحقوق المنافسة تأتي من اللائحة العامة لحماية البيانات التي تم سنها مؤخرًا. وعلى الرغم من أن  اللائحة ستكون قابلة للتطبيق في 25 مايو 2018، إلا أنه من الصعب التنبؤ بكيفية تطبيق أحكام هذا القانون في الممارسة العملية حيث تم تضمين ضمانات متعددة لحرية التعبير في النص. على وجه الخصوص، ينص الحكم المتعلق بالحق في النسيان، المادة 17، على أن واجب وحدة التحكم لا ينطبق على المدى الذي تكون فيه معالجة البيانات ضرورية “لممارسة الحق في حرية التعبير والمعلومات”.  لكنها تنطبق إذا كانت المعالجة ضرورية “لأغراض الأرشفة لتحقيق المصلحة العامة أو أغراض البحث العلمي أو التاريخي أو لأغراض إحصائية” بقدر أن الحق في النسيان “من المرجح قد يجعل من المستحيل أو يضعف بشكل كبير تحقيق أهداف تلك المعالجة.” أيضًا، يبدو “الاستثناء الإعلامي” في هذه اللائحة أوسع بكثير من ما يقابله في التوجيه السابق لحماية البيانات.

لم يعد الاستثناء مقصورًا على معالجة البيانات “التي تُنفذ فقط لأغراض صحفية أو لغرض التعبير الفني أو الأدبي”. بل يهدف الاستثناء بشكل عام إلى التوفيق بين حقوق حماية البيانات و “الحق في حرية التعبير والمعلومات، بما في ذلك معالجة البيانات الشخصية للأغراض الصحفية وأغراض التعبير الأكاديمي أو الفني أو الأدبي”. وأخيراً، في حالة “الحق في تقييد المعالجة” والتي تم استحداثها مؤخرًا من قبل اللائحة كما ذكر سابقًا، فإن وحدة التحكم يجب أن تقيد المعالجة، وبالتالي تجعل البيانات غير قابلة للوصول فور المطالبة، و “لفترة تمكن وحدة التحكم من التحقق من دقة البيانات الشخصية”.  في الواقع، قدم المشرّع حكماً حقق توازنًا لصالح الخصوصية من خلال تقييد الوصول إلى المحتوى بشكل استباقي، في انتظار التحقق من دقته.

يجب أن تكون النتائج بالغة الأثر على حرية التعبير محدودة. أولاً، هذا سيناريو أضيق ومختلف اختلافًا جوهريًا عن الحق في النسيان أو الحق في الحذف لأنه ينطبق فقط على الحالات التي يتم فيها الطعن في دقة البيانات الشخصية. ثانياً، يجب أن يكون تقييد الوصول إلى البيانات التي يتم تحدي دقتها مختصراً. وفقًا لمعدل اللائحة، يجب رفع التقييد بمجرد أن تقوم وحدات التحكم في البيانات بالتحقق من دقة البيانات. يجب أن يحدث هذا في نفس نطاق الوقت الذي يستغرقه وقت معالجة طلبات نسيان الحق، والذي تم تقليله بشكل متزايد في العامين الماضيين إلى أقل من 20 يومًا لكل طلب.

ب. تنفيذ التوجيهات الأوروبية في المحاكم الوطنية

وفي الوقت نفسه، بدأت المحاكم والسلطات الوطنية الأوروبية في تنفيذ قرار محكمة العدل الأوروبية بشأن مراحل موازنة الحقوق بين مصلحة الخصوصية الشخصية والمصلحة العامة في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات. ضيقت محكمة أمستردام اختبار محكمة العدل الأوروبية بقولها إن قرار جوجل اسبانيا “لا ينوي حماية الأفراد من جميع سبل الاتصال السلبي على الإنترنت، ولكن فقط ضد “المتابعة” لفترة طويلة من خلال تعبيرات ذات طابع “لا صلة له” “مبالغ به” “مشهّر به بشكل لا لزوم له”. وواجه هذا القرار قضية مالك وكالة مرافقة أراد إزالة روابط على جوجل تؤدي إلى سجله الإجرامي. رفضت جوجل الامتثال التام لهذا الطلب. طلبت الدعوى أمرًا قضائيًا من جوجل لإزالة جميع نتائج البحث التي تشير إلى إدانته. في إصدار قرارها، أوضحت محكمة أمستردام أن الخصوصية يجب أن تتفوق على حرية التعبير والمعلومات. وشددت المحكمة على أن الشخص المدان بجريمة خطيرة لن يفي بالكاد بمعايير المبالغة والتشهير وعدم الصلة المشار لها سابقًا مشيرة إلى أن الإدانة بجريمة خطيرة، والدعاية السلبية نتيجة لذلك ، تقدم بشكل عام معلومات عن الفرد قد لا يرغب بمشاركتها. لكن المعايير أعلام يتم الامتثال بها فقط في ظروف استثنائية للغاية، “على سبيل المثال عندما تعود الجريمة المرتكبة مرة أخرى إلى الساحة دون سبب واضح، على ما يبدو ليس لأي غرض آخر سوى إلحاق الضرر بالشخص المعني”.

بعد فترة وجيزة من حكم محكمة أمستردام، عززت هيئة الخصوصية الإيطالية النقطة التي مفادها أن الحق في النسيان يجب موازنته مع حرية الصحافة. في 31 مارس 2015، أصدرت هيئة الخصوصية الإيطالية قرارًا ينص على أنه لا يمكن للمستخدمين الحصول على حذف نتائج البحث للأخبار الحديثة ذات المصلحة العامة ذات الصلة. يجب على محركات البحث حذف أو تعديل المحتويات المُنشأة اتوماتيكيا والمصاحبة لنتائج البحث في حال كانت مضللة. واعترض المدعي على قرار جوجل بعدم حذف مقال إخباري يشير إلى تحقيق قضائي شارك فيه المدعي مجادلًا بأن المقال الإخباري “مضلل للغاية ومؤذ بشدة”.  ورفضت الهيئة طلب الحذف لأنها وجدت الأخبار حديثة للغاية. بالإضافة إلى ذلك، سلطت الهيئة الضوء على المصلحة العامة ذات الصلة للأخبار، والتي أشارت إلى قضية قضائية مهمة التحقيق مع إشراك عدد كبير من الناس على المستوى المحلي. لجميع هذه الأسباب، وجدت الهيئة أن حرية الصحافة يجب أن تتفوق على حق النسيان في ظل الظروف الحالية. فإذا رأى الطرف المعني أن هذه الأخبار خاطئة، فقد يطلب من الناشر تحديث المقالة أو تصحيحها أو تعديلها بشكل ما. استنتجت الهيئة أيضًا أن محركات البحث يجب أن تحذف أو تعدل المحتويات التي يتم إنشاؤها تلقائيًا لتلخيص المعلومات المضمنة في نتائج البحث إذا كانت مضللة. في الواقع، في هذه الحالة، تبرز احتمالية أن لا يتطابق الملخص مع الحقائق الموضحة في مقالة الأخبار، ويرتبط المدعي بجرائم أكثر خطورة من تلك التي واجهها قيد التحقيق.

في إيطاليا، تم الحصول على مزيد من الإيضاحات حول التوازن الضروري بين الحق في النسيان وحرية التعبير من قرار محكمة روما الصادر في ديسمبر 2015 إذ بينت محكمة روما أن المحامي المعروف، الذي تورط في أنشطة غير مشروعة مزعومة خلال 2012 إلى 2013، إلى جانب شخصيات دينية ومجرمين إيطاليين معروفين، لا يمتلكون الحق في طلب حذف 14 عنوان ورابط يشير إلى تلك الأحداث. فسرت المحكمة بهذا الخصوص مفهوم الشخصية العامة والدور العام بطريقة شاملة، معززةً الفهم القائل بأن جوجل اسبانيا يفيد بعدم وجود إمكانية المطالبة بأي حق في النسيان بسبب البيانات الحديثة للمصلحة العامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أي دعوى ضد الطبيعة التشهيرية للمعلومات تتطلب إحضار المعلومات المناهضة للدعوى في مواقع الطرف الثالث التي تنشر الأخبار الكاذبة أو القديمة، بدلاً من محرك البحث.

كما حكمت محكمة التمييز البلجيكية (أعلى محكمة وطنية) بقضايا مرتبطة بالحق في النسيان. وهناك، لم تتضمن القضية شطب اسم من محرك بحث جوجل أو من جهة وسيطة، بل سلطت الضوء على ما إذا كان الحق في النسيان يجب أن يسود على حرية التعبير في سجلات أرشيف الصحف. أتاحت جريدة Le Soir البلجيكية أرشيفها بالكامل مجانًا على الإنترنت في عام 2008. وشمل الأرشيف على مقالة نُشرت عام 1994 عن حادث سيارة توفي فيه شخصان وتم ذكر الاسم الكامل للسائق في المقال. طلب السائق من Le Soir إزالة المقالة أو إخفاء هويته. وبالإشارة لحادثة جوجل اسبانيا، وضحت المحكمة البلجيكية بشكل محدد وقررت أن الحق في الخصوصية – تضمين حق النسيان – قد يبرر  في ظروف محددة  تقييد حق الصحيفة في حرية التعبير. موضحة أن مسؤولية الصحيفة يبررها الفاصل الزمني المناسب في الوقت المناسب، وقلة الاهتمام الفعلي في التواصل مع اسم سائق، والظروف التي لا يكون لإخفاء الهوية تأثير على جوهر المعلومات. لذلك، كان مطلوبا من الجريدة إزالة اسم مقدم الطلب من المادة في قاعدة البيانات الخاصة به المرتبطة بالأرشيف.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

ترجمة: افنان ابو يحيى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.