القوانين والقواعد الماليَّة التي وُجِدَت مدفونةً في أطلال مدينة بابل

(مُلَخَّص كتاب: أغنى رجل في بابل)

“إنَّ مستقبلك ممتدٌّ أمامك مثل طريقٍ يقود إلى أرضٍ واسعةٍ. وعلى طولِ هذا الطريق، ستجد أنَّ لديك طموحاتٍ تتمنى أنْ تحققها، ورغباتٍ توَدُّ أنْ تُشبعها؛ ولكي تُحقِّق هذه الطموحات والرغبات، يجبُ أنْ تكون ناجحًا في تعاملك مع المال، فالمال هو الوسيلةُ التي يُقاس بها النجاح الدُّنيَوي”. جورج كلاسون «أغنى رجل في بابل»

لاشكَّ أنَّ لِكُلِّ واحدٍ مِنّا أهدافًا معيَّنةً يسعى إلى تحقيقها، وهذه الأهداف تكون مختلفةً من شخصٍ إلى آخرٍ، وقلَّما نجدُ أُناسًا لديهم نفس الأهداف والأفكار؛ لكنَّ هنالك هدفٌ واحدٌ نتشارك فيه نحن البشر، ونسعى جاهدين إلى تحقيقه مُنذ الوهلةِ الأولى التي نعي فيها أهميته الكبيرة في تسييرِ أمور حياتنا، ألا وهو المال. إنَّنا دائمي البحث عن الوسائلِ والطرقِ التي ستوصلنا إلى جَني المزيد والمزيد منه، وفهم أسرار التعامل معه، ابتداءً من كيفيَّةِ الحصولِ عليه، ومرورًا بكيفيَّةِ تنميَتِهِ واستثمارِهِ والحفاظِ عليه، وانتهاءً بتحقيقِ مستوياتٍ لا بأس بها من الثراءِ الماليِّ.

وفي هذا الصَّدَد، قدَّم لنا الكاتبُ ورجل الأعمالِ الأمريكيِّ (جورج كلاسون)، في كتابه الأشهر على الإطلاق «أغنى رجل في بابل»، مجموعةً شيِّقةً جدًا من الحكايا والقصص الرائعةِ، التي تحمل في طيّاتِها الكثير من النصائح والإرشادات، وستمكِّننا من فهم أساسياتِ التعامل مع المال، والحفاظ عليه، وجعل الفائض منه يجني المزيد.

لذلك، فإنَّ هذا الكتابَ يُعدُّ هديَّةً لا تقدر بثمنٍ يمكن تقديمها لكلِّ الشباب والخرِّيجينَ الجددِ، ولجميعِ الأشخاصِ الذين تعبوا من إخفاقاتِهم المُتتاليةِ في التعامل مع الأموال، ويشعرون بالحيرةِ في عالم المال والاستثمار؛ فهو علاجٌ فعالٌ للتغلبِ على المشاكل الماليَّةِ المُستعصية.

نبذةٌ عن مدينةِ بابل، وعن سبب اختيار الكاتب لها:

لقد ألَّف (جورج كلاسون) كتابه الشهير «أغنى رجل في بابل» من خلال عرضِ سلسلةٍ مشوِّقةٍ من الحكايات والقصص عن حضارة بابل القديمة، تلك الحضارة العريقة التي لا تزال كتبُ التاريخ تضجّ بذكرِها إلى وقتنا هذا، فمن مِنّا لم يسمع من قبل عن مدينةِ بابلَ ذات الأسوار العظيمة التي كانت تحيط بها وبقصورها من جميع الاتجاهات، كيف لا وقد صُنِّفت هذه الأسوار من قِبَل العظماء بأنَّها من عجائبِ الدُّنيا السبع إلى جانب الهرم الأكبر في مصر! وعلى الرغم من أنَّه لا يوجد أيُّ آثارٍ بارزةٍ لهذه الأسوار حاليًّا، إلّا أنَّ هناك الكثير من الحكايا التي تروى عنها.

وعندما نتحدَّث عن هذه المدينة، فإنَّ أول شيءٍ سيتبادر إلى أذهاننا مشاهدُ الثراء والفخامة والكنوز التي لا حصر لها من الذهب والفضة، وللوهلة الأولى سنتصوَّر أنَّ تلك المدينة شديدةَ الثراء كانت تقع في موقعٍ جغرافيٍّ استراتيجيٍّ، وأنَّها محاطةٌ بالموارد الطبيعية ومناجم الذهب والمعادن النفيسة؛ لكنْ في الواقع ما يُمَيِّز هذه المدينة ويجعلها ذات شأنٍ عظيمٍ في التاريخ، هو أنَّها من صنع الإنسان؛ فالإنسان البابليّ هو مَن صنع كل هذا المجد لمدينته التي كانت لا تمتلك سوى موردين فقط، وهما الأرض الخصبة ومياه النهر، ومن خلال هذه الوسائل البسيطة وبإرادة الإنسان تشكَّلت فيما بَعد هذه الحضارة العظيمة.

إعلان

لقد كان سُكّانُ بابل يمتلكون قَدْرًا لا يُستهان به من العلم والثقافة في شتّى المجالاتِ، فقد سبقوا غيرهم من الحضاراتِ في العديد من الابتكارات؛ فاستطاع مهندسو بابل عمل أعظم الإنجازات الهندسيَّة، أبرزها قيامهم بتطوير أنظمة الرِّي التي حوَّلت الواديَ الأجدب إلى جنَّةٍ خضراء.

كما أنّ شعبَ بابل يُعتبر أول شعبٍ له لغةٌ مكتوبة، فَهُم مَن ابتكر طريقة الكتابة والتدوين على الألواح الصلصاليَّةِ، فلم يكن يوجد ورقٌ حينذاك، حيث كانوا يحفرون كتاباتهم على ألواحٍ من الصلصال، وعندما ينتهون من ذلك يقومون بوضع ألواحِهم في الأفران حتّى تصبح مثل القرميد الصلب، فقد كان البابليون يستخدمون تلك الألواح بشكل كبير، فهم يدونون عليها أساطيرهم وأشعارهم وحتى تعاملاتهم التِّجاريَّة.

ولولا هذه الألواح لما عرفنا تاريخ هذه الحضارة وعمرها الحقيقي؛ حيث أنّ علماء الآثار اكتشفوا مكتباتٍ كاملةً، مكوَّنةً من آلاف الألواح التي وُجدت مدفونةً في أطلال هذه المدينة بطريقةٍ آمنة. وهناك قصةٌ مشوِّقةٌ، فقد وجد العلماء- أثناء تنقيبهم عن الآثار- كتابةً فيها وصفٌ دقيقٌ لكسوف شمسٍ كان قد حدث في عصرِهم، فقام علماء الفلك في العصر الحديث بسهولةٍ بحساب الوقت الذي حدث فيه هذا الكسوف، وبالتَّالي استطاعوا إرجاع تاريخ هذه الحضارة إلى 8000 عام مضت، كما وتوصَّلوا إلى حقيقةٍ مهمّةٍ، وهي أنَّ السوماريين الذين سكنوا إمبراطوريَّة بابل كانوا يعيشون في مدنٍ ذات أسوار.

وهو ما يدل على أنَّ البابليين كانوا أُناسًا متعلِّمين وعلى قدرٍ من التنوير، فمنهم المهندسون وعلماء الفلك والرياضيات، كما أنّهم الرأسماليِّون الأوائل في التَّاريخ، والتُّجار البارعون؛ فقد كانوا هم المبتكرين الأصليين للمال كوسيلةٍ للمقايضة والكمبيالات والسندات أيضًا.

كيف نجني الأموال ونتغلب على محافظنا الخاوية؟

يذكر الكتاب مجموعةً طريفةً من الحكايات والقصص، أبطالها كانوا يُعانون من مشاكل ماليَّةٍ، ناجمة عن فشلهم في فهم الأساسيّات والقواعد التي تحكم التعامل مع المال؛ لكنّ الشخصيَّة البارزة هي لحكيم بابل وأغنى رجلٍ فيها، وهو شخصٌ يدعى “أركاد”.

“أركاد” رجلٌ بابليٌّ حقق ثروةً ضخمةً جدًّا، وأصبح مشهورًا بثرائه الفاحش في المدينة كلِّها، على الرَّغم من أنَّه في ما مضى كان شخصًا فقيرًا، ولا يملك مميزاتٍ تتنبأ بأنّه سيصل إلى هذه المرتبة العالية؛ حتى أنّ أصدقاءه القدامى باتوا يتساءلون عن الكيفيَّةِ التي استطاع من خلالها أن يحقق كل هذا الثراء، وهو  الذي كان في نفس مستواهم المعيشي فيما سبق، بل ولم يكن يتفوق عليهم بأيِّ شيءٍ يُذكر، أيُّ حظٍ هذا الذي جعله يصبح من الأغنياء؟ وهم لا يزالون يعيشون في مستنقع الفقر، ويكافحون من أجل البقاء.

لذلك يُقرر هؤلاء الأصدقاء الذهاب إلى صديقهم الثريِّ هذا؛ حتى يطلبوا منه النُّصح، ويعرفوا سر ثراءه ونجاحه المالي.

يأتي الأصدقاء إلى “أركاد” ويبدأون بطرح التساؤلات عليه، ويشكون إليه ضيق حالهم ورغبتهم في تعلُّم الكيفيَّةِ التي ستجعلهم أثرياءَ مثله، فيرد “أركاد” عليهم قائلًا: “إنَّ السبب في عدم كسبكم لمالٍ أكثر يرجع إلى فشلكم في تعلم القوانين التي تحكم بناء الثروة، أو عدم التزامكم بها.”

ولم يقتصر الأمر على أصدقائه فحسب؛ بل وصلت شهرةُ غِنى “أركاد” ونجاحهِ الماليِّ إلى الملك، الذي استدعاه وطلب منه تعليم رجال المدينة حكمته في التعامل مع المال، ليوافق على ذلك، ويبدأ بعمل حلقاتٍ دراسيَّةٍ تهدف إلى نشر الثقافة الماليَّة. وهذا مُلخَّصٌ للدروس الماليَّةِ التي أعطاها حكيمُ بابلَ لأصدقائه وطلَّابه:

الطرق السبعة للتَّغلُّب على المحافِظ الخاوية:

“المالُ ميسورٌ بوفرةٍ لهؤلاء الذين يفهمون القوانين البسيطة التي تحكم كسبه”.

شرح “أركاد” لطلَّابه على مدى سبعةِ أيامٍ مجموعةً من الدروس الماليَّةِ، فقد راح يعطيهم كلَّ يومٍ طريقةً جديدةً ستمكِّنُهم من ملء محافِظِهم الخاوية، وستجعلها متخمةً بالأموال.

الطريقة الأولى: ابدأ في ملء محفظتك.

هناك العديد من الأعمال والمهن التي يستطيع الإنسان كسب الأموال منها، وكل شخصٍ لديهِ عملٌ أو وظيفةٌ معيَّنةٌ يقوم بها، مقابل حصوله على أجرٍ يوميٍّ أو شهريٍّ جرّاء قيامه بعمله هذا؛ بالتالي إذا كانت لدى الإنسان رغبةٌ في بناء ثروةٍ لنفسهِ، يجب عليه أن يبدأ بالاستفادة من مصدر دخله هذا وهو عمله اليومي، وذلك من خلال ادِّخار نسبةٍ بسيطةٍ منه بشكلٍ مستمر. فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك شخص يعمل بوظيفةٍ مقابل راتب يُقدَّر بـ100 دولار شهريًّا، كل ما عليه فعله لكي يُطبِّق هذه القاعدة هو أن يدَّخِر عُشر هذا المبلغ، وينفق ما تبقى منه لاحتياجاته اليوميَّة، باختصار اصرف 90 دولارًا وادَّخِر 10 دولاراتٍ، ومع الوقت ستلاحظ بنفسك كيف أنَّ هذا الادِّخار البسيط سيتراكم شيئًا فشيئًا، حتى يُكوِّن مبلغًا لا بأس به من الأموال.

الطريقة الثانية: تحكَّم في نفقاتك.

قد يقول البعض أنَّ راتبه الشهري الذي يتقاضاه من عملهِ لا يكفي لتلبيةِ نفقاتِه واحتياجاته الضروريَّة، فكيف سيدَّخر منه؟ كما أنَّ هناك شيئًا مهمًا آخر، وهو أنَّنا نختلف في مقدارِ ما نكسب من المال، فالبعض يكسب أكثر من غيره، والبعض أقلَّ؛ وهناك أشخاصٌ لديهم عائلات كبيرة، بالتالي فإنَّ نفقاتهم تكون أكبر من غيرهم.

لكنَّ مسألةَ التحكم في النَّفقات أمرٌ ضروريٌّ للغايةِ يجب على الجميع أن ينتبه له، بغض النظر عمّا يكسبه، أو عن المسؤوليّات التي تقع على عاتقه، وذلك لأنَّ هناك حقيقة مهمَّة للغاية تتعلق بالنَّفقاتِ، وهي أنَّ “هذه النفقات دائمًا ما تتزايد لتكافئ مواردنا، ما لم نعمل على مكافئة ذلك”، بمعنى أنَّ أيَّ زيادةٍ في رواتبنا ستتبعها زيادةٌ أكبر في نفقاتنا ورغباتنا، ما لم نتحكَّم ونروِّض هذه الرَّغَبات.

وفي هذا الصَّدد يجب أنْ نفرق بين أمرين، وهما: النفقات الضروريّة والرَّغبات الشخصيَّة، بحيث نعطي الأولويَّةَ في الإنفاق للأشياء الضروريَّةِ، ونُهمل الرَّغبات التي غالبًا ما تكون ليست ذات أهميةٍ كبيرةٍ؛ بل إنَّها دائمًا ما تكون أكبرَ من أنْ تستطيع إراداتنا تلبيتها.

ولكي يَسهُل الأمرُ علينا، هناك شيءٌ بسيطٌ يلزمنا القيام به، وهو أنْ نقوم بعمل ميزانيَّة صغيرة لأنفسنا، من خلال كتابة جميع الأشياء التي نحتاجها وسننفق الأموال لكي نلبِّيها، ثمَّ بعد ذلك نختار منها الأشياء الضروريَّة فقط، ونحذف الأشياء الأقلَّ أهمية، بحيث لا ننفق من أموالنا سوى التِّسعة أعشار التي كسبناها دون أنْ نمسَّ الجزء المُدَّخر.

الطريقة الثالثة: اعمل على إنماء ثروتك.

بعد أنْ قُمنا بادِّخار جزءٍ بسيطٍ من إيراداتنا، وتعلَّمْنا كيف نتحكَّم في نفقاتنا حتى نتمكن من تجميعِ مبلغٍ ماليٍّ لا بأس به بعد فترة من الزمن، الآن جاء دور البحث عن وسيلةٍ تمكِّنُنا من إنماءِ هذا المبلغَ الماليَّ المُدَّخر من إيراداتنا، وذلك عن طريقِ استثماره في مشروعٍ مُعيَّنٍ لكي يُنتِج رِبحًا إضافيًّا ويتكاثر.

الطريقة الرابعة: حافِظ على ثرواتِك مِن الضَّياع.

قبل أنْ نُفكِّر في تكوينِ الثروات وكسبَ مبالغٍ طائِلةٍ من الأموال، يجب علينا في بادِئ الأمرِ أنْ نتعلَّم كيف نحافظ على المبالغ القليلة منها، وكيف نحميها من الضياع.

لهذا قبل أنْ نخطوَ أيَّ خطوةٍ في طريقِ استثمارِ ما نملكه من مبالغَ ماليَّةٍ، يُفترض بنا أنْ نبحث عن المشاريع الأكثرَ أمْنًا والأقلَّ مخاطرة، يجب علينا أنْ نحميَ رأسَ مالنا الخاص، ولا ننخدع في استثماره في مشاريع غير آمنةٍ تُغرينا بتحقيق المكاسبَ الضخمة، مقابل وجود مخاطرة كبيرة قد تتسبَّب لنا في خسارة كبيرة لرأس مالِنا الأصليِّ.

ومن المهم أنْ ندرس بحرصٍ شديدٍ كل درجات الأمان المصاحبة لهذا الاستثمار، والتي تضمن لنا أنَّنا سنستردُّ أموالنا مع نسبةٍ من المكاسب، وسيكون من المفيد جدًا هنا ألّا نعتمد على خبراتنا ومعرفتنا الخاصة فقط؛ بل يتوجب علينا طلب النصح من الأشخاص المتمرِّسين في التعامل مع الأموال.

الطريقة الخامسة: اجعل منزلك استثمارًا مُربحًا.

من الضروريِّ أنْ يمتلك الإنسان منزلًا خاصًا به، بدلًا من أنْ يقضي عمره في التَّنقل بين المنازل المستأجرة، إنَّ امتلاكنا لمنزلٍ خاصٍّ بنا يجعل حياتنا أكثر استقرارًا وسعادةً. وعلى المدى الطويل، فإنَّ هذه الخطوة ستقلل من التَّكاليف التي سنضطر لِدفعها لاحقًا.

الطريقة السادسة: اضمن دخلًا ثابتًا لمستقبلك.

هناك حقيقةٌ لا مفرَّ منها، وهي أنّ قوة الإنسان تبدأ بالتَّلاشي مع تقدُّمه في العمر؛ لذلك يُفترض بنا أنْ نستغل فترة شبابنا وقوَّتنا في العمل، من أجل ضمان دخلٍ مناسبٍ وآمنٍ في المستقبل، عندما لا نعد قادرين على العمل والكسب؛ من خلالِ شراء العقارات والأصول التي لا تفقد قيمتها في المستقبل، لهذا يجب علينا أنْ نوفِّر مقدمًا من أجل احتياجاتنا الشخصيَّة في مرحلة الشيخوخة.

الطريقة السابعة: زِد من قدرتك على الكسب.

لا شكَّ أنَّنا نتفاوت في المهاراتِ والخبراتِ التي نمتلكها، فقد نجد في نفس العمل أنَّ هناك موظفين مميزين ولديهم مستوًى عالٍ من القدرات، تؤهلهم لإنجازِ أكبرَ قدَرٍ ممكنٍ من الأعمال الموكلةِ إليهم؛ في المقابل هناك فئةٌ أخرى من الموظفين الأقلَّ خبرةً ومرونةً في تنفيذ مهامهم اليوميَّة، بالتَّالي غالبًا ما يكون مقدار ما يكسبه الموظفون المتميزون أكبر مما يكسبه الموظفون الأقل تميزًا، لذلك ينبغي علينا أنْ نتعلَّم المزيد عن العمل الذي نقوم به؛ فكلما تعلمنا أكثر وأصبحنا ذوي خبراتٍ ومهاراتٍ أكبر فيه، كلَّما حصلنا على رواتبَ ومكافئاتٍ أكثر.

هذه كانت الطرق السبعة التي أعطاها حكيمُ بابل لطلّابِه لكي يتمكنوا من تطوير أنفسهم في المجال المالي، و يجب علينا جميعًا أنْ نطبِّقها إذا كانت لدينا الرَّغبةُ الحقيقيةُ في تحقيق النَّجاح الماليِّ.

ما علاقة الفرصة بالحظِّ السَّعيد؟

جميعنا لدينا رغبةٌ في أنْ نصبح أشخاصًا محظوظين في هذه الحياة، بل يعتقد الكثير منّا أنَّ الحظَّ دون سواه هو المسؤول عن كلِّ ما يحدث له من خيرٍ أو شر.

و إذا سمعنا عن أنَّ هناك شخصًا حقَّق إنجازًا  مُعيَّنًا في حياته، فأول شيءٍ نقوم به هو إرجاع سبب هذا الإنجاز المحقَّق إلى الحظ؛ وإذا أخفق في تنفيذ أمرٍ ما، ندبنا حظَّه السيِّء الذي منعه من النجاح، لكن هل حقًا هناك أُناسٌ وُلِدوا مع حظٍّ جيِّد، وأناسٌ كان الحظُّ السيء رفيق دربهم في هذه الحياة؟

وفقًا لحكيم بابل، فإنَّ هناك عاملٌ واحدٌ فقط هو من يحدِّد الحظَّ السيّء والجيِّد؛ بل هو مَن يجلب الحظَّ السعيد إلينا، ألا وهو الفُرَص.

فخلال مشوارِ حياتنا تأتينا العديد من الفرص على شكل صُدَفٍ صغيرةٍ، قد لا ندرك أهميتها في ذلك الحين، لكنّنا في ما بعد نكتشف أنَّنا أضعنا الكثيرَ في حال تركنا تلك الفرصة تذهب من بين أيدينا.

إنّ من يحرصون على انتهازِ الفرص التي تتاح لهم من أجل تحسين حياتهم، هم من يجلبون الحظَّ السعيد لأنفسهم؛ لذا لابدَّ أنْ نسعى لاستغلال الفرص ولا نقف ساكنين، فالحظ السعيد لا يأتي لمن لا يسعى له، بل دائمًا ما يكون مصاحبًا للفُرص.

القوانين الخمسة للمال:

إذا خُيِّرنا بين المال والحكمة، فأيُّهما سنختار؟ بالـتأكيد ومن دون أيِّ تفكيرٍ سنختار المال ونتجاهل الحكمة، وبعد فترةٍ قصيرةٍ، سنكتشف أنَّ اختيارنا للمال كان خطأً فادحًا؛ وذلك لأنّ المال سيتبدّد وينتهي بعد فترةٍ، لكنَّ الحكمةَ ستظل باقيةً على مدى الزمان. لكن ماذا لو استوعبنا أولًا حكمة التعامل مع المال، والقوانين التي تحكم الحصول عليه؟ حتمًا النتيجة ستكون أنَّنا سنحافظ عليه، وسيبقى معنا دائمًا.

لذلك كتب حكيم بابل “أركاد” في ألواحٍ صلصاليَّةٍ القوانين الخمسة التي تحكم التعامل مع المال، وهي كالتَّالي:

1- “يأتي المال بسهولةٍ و بكمياتٍ متزايدةٍ، لأيِّ إنسانٍ يقوم بادِّخار ما لا يقل عن عُشر إيراداته كي يُنشئ ممتلكات من أجل مستقبله، و مستقبل عائلته”.

فأيُّ شخصٍ سيدَّخر عُشر إيراداته بطريقةٍ منتظمةٍ، وسيستثمر هذه المدَّخرات بحكمةٍ، سيُنشئُ بالتأكيدِ ممتلكاتٍ ذات قيمةٍ تعمل على توفير دخلٍ له في المستقبل، فالمال يأتي بوفرةٍ لمن يُطبِّق هذا القانون.

2- “يعمل المال بكدٍّ ورضًا من أجل صاحبه الحكيم الذي يجدُ وسيلةً جيِّدةً لإنمائه، مما يجعله يتضاعف”.

فالمال في واقع الأمر مثل العامل الرَّاغب في العمل، فهو متلهِّفٌ دائمًا للتضاعف عندما تسنح له الفرصة.

3- “يبقى المال في حمايةِ صاحبه الحريص، الذي يستثمره في إطار النُّصح الذي يقدِّمه له الرجال البارعون في التعامل مع المال”.

ففي واقعِ الأمر، دائمًا ما يبقى المال بالقربِ من صاحبهِ الحريص، ويفرُّ من صاحبهِ المهملِ، ولهذا يجب علينا ألّا نطلب النصائح المتعلقة بالأموال سوى من الأشخاص الأذكياء في التعامل معه؛ حتى لا نُعرِّض أموالنا للخطر.

4- “سريعًا ما يفِرُّ المال من بين يدي الإنسان الذي يستثمره في أعمالٍ وأغراضٍ لا يألفها أو لا يوافق عليها مَن هم بارعون في الحفاظ عليه”.

فبالنِّسبة لمن يملكُ المال ولكنْ ليست لديه مهارةٌ في التعامل معه، فإنَّ العديد من الاستخداماتِ سوف تبدو مربحةً أمامه، فالمقترحات الوهميَّة والمشاريع التي يُروَّج لها على أنّها وسيلةٌ للرِّبح السريعِ، دائمًا ما تأتي للأشخاص حديثي العهد بامتلاك الأموال؛ لذلك من المهم أنْ نعرف آراء الأشخاص الأذكياء في التعامل مع الأموال قبل أنْ ندخل في أيِّ مشروعٍ مُقترَحٍ علينا.

5- “يَفرُّ المال من الإنسان الذي يُجبِره على جَنيَ إيراداتٍ غير ممكنةٍ، أو يتبع النصائحَ المُغْرِيةَ التي يُقدِّمها له المحتالون والمخادعون، أو يعتمد في استثماره على خبرته المحدودة ورغباته العاطفيَّة”.

هذه كانت القوانين الخمسة للمال التي يجب علينا أنْ نفهمها جيِّدًا، ونطبِّقها في تعاملنا مع أموالنا؛ حتى نُصبح أكثر حكمةٍ، ونبتعدُ قَدْر الإمكانِ عن التَّسرُّع والطِّيْش الذي سيجعلنا نخسر ما نمتلكه من أموال.

طريقةٌ رائعةٌ لتسديدِ الدُّيون وُجِدت مكتوبةً في ألواحٍ صلصاليَّةٍ، عَثَر عليها علماءُ الآثار على أطلال مدينة بابل:

جميعنا يعرف مأساة الدُّيون التي تحرِم أصحابها حتّى من النوم، وقد يتساءل البعض: كيف يمكن لشخصٍ أنْ يفهم قواعد المال، وقوانين الحصول عليه، وهو مثقلٌ بالدُّيون ولا يستطيع سدادها؟ فقد فاته أوان الاستفادة مِن هذه القواعد والقوانين!

لكن هناك طريقةً رائعةً للغايةِ مرتبطةً بكيفيَّةِ سداد الدُّيون المتراكمة، من خلال تطبيق القواعد والقوانين أعلاه، بل وبنفس الوقت ستُمكِّن الشخص من كسب أموالٍ إضافيَّةٍ إلى جانب تسديد ما عليه من ديون، وهذه الطريقة هي أنْ يقومَ الشَّخصُ المديون بإعداد سجلٍّ بما عليه من ديون، ويتَّفِق مع دائنيه بأنَّه سيدفع لهم نسبةً من أموالهم بصورةٍ منتظمةٍ كلَّ شهر.

وذلك عن طريقِ تقسيمِ دخله أو راتبه الشهريِّ ثلاثة أقسامٍ: القسم الأكبر، وتحديدًا 70%، يتركه لنفقاته واحتياجاته، ونسبة 20% يُخصِّصها لتسديد ديونه، عن طريق تقسيمها بالتَّساوي على أصحاب الديون كل شهر؛ أمَّا عن الـ10% المتبقيَّة، فهي تترك كادِّخارٍ مستقبليٍّ. مع الاستمرار في تطبيق هذه الطريقة بصورةٍ شهريَّةٍ، سيُلاحظ الشخصُ بعد فترةٍ من الزمنِ أنّه استطاع التقليل من ديونه؛ بل والتخلص منها، مع تحقيق قدْرٍ لا بأس به من المكاسبَ التي تمخَّضت عن النسبةِ المدَّخرةِ من الأموال، بل وحتّى بمقدورهِ جَني المزيد والمزيد من المكاسب من خلال استثمار الأموال المتحققة عن الادِّخار.

أخيرًا:

كانت هذه النصائحَ الماليَّةَ الموجودةَ في الكتابِ الأكثرِ تحفيزًا على الإطلاق في مجال الثروةِ والمالِ، «أغنى رجل في بابل». وعلى الرّغم من أنَّ هذا الكتاب قد تمَّ تأليفه في العشريناتِ من القرنِ الماضي، إلّا أنَّ القواعدَ والقوانينَ الموجودةَ فيه لا تزال مفيدةً وصالحةً للتطبيق حتى يومنا هذا.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: رندا الحمادي

تدقيق لغوي: مرح عقل

اترك تعليقا