تأخذك إلى أعماق الفكر

ولادة مُسبقة قصة قصيرة

كانَت السّاعةُ تشيرُ إلى الثّانية عشَرة، وقبلَ أن تنتهي ورديّتُها المسائيّة؛ خلعَت رداءها الأبيَض و راحَت تتجوّل بينَ غُرَف قسمِ الولادةِ، بدأَت تتفقّدُ الغُرفَ قبلَ أن تتركَ المناوبةَ للممرّضةِ الأخرى، وصلَت إلى آخرِ غرفةٍ في الممرّ، كانَ النّوم قد سَرَق والدةَ هذا الطّفلِ الوسيمِ أثناء إرضاعِها لهُ، أخذت الطّفلَ من بينِ ذراعيها، كانَ النّورُ يشعُّ من أجفانهِ المستغرقةِ في النّوم، حدّقت فيهِ لٍثوانٍ ثمّ قالَت بصوتٍ يكادُ لا يُسمعُ:
_ لَو تدري يا صَغيري كَم أشعرُ بالأسى تجاهَك! كيف تتركُ رحِمَ والدتكَ الدّافِئ و تأتي إلى هذا العالِم الباردِ القاسي لا أفهَم! يا تُرى هَل تعلَمُ أنّكَ وقبلَ أن تخرجَ إلى هُنا أحدُهم قامَ باختيارِ اسمكَ والّذي هوَ اسمُ جدّكَ الأكبَر؟ وكأنّك وليُّ عهدٍ أو أميرٌ في زمنِ الدّولةِ العثمانيّةِ ولكيّ تستمرَّ السلالةُ الملكيّةُ حملْتَ اسماً ثقيلاً ولا يناسبُ وجهَكَ الفاتِن، و لَم يكتفوا بهذا فَحسب؛ بَل أنّ شخصاً ما الآنَ أفسحَ مجالاً في حائطِ منزلِكُم لشهادَتكَ الجّامعيةِ وقامَ بحجزِ مكانٍ لكَ في كليّة الطّب المُعقَّدة، لقَد قرّروا مصيرِكَ حتّى قبلَ أن تلامسَ قدماكَ الأرض، لا تَقلق فقَد فعلوا نفسَ الشّيءِ مع والِدكَ وستفعلُ -إن لَم تُدرِك قباحةَ ذلك- ذات الشّيءِ مع أولادِكَ، لا تَقلَق يا بنيّ فهنالِكَ ما هوَ أسوأ: ستبدأُ الحياةُ برميِكَ بكلّ أسلحَتها القَذِرة، و ستقابلُ أحقَرَ الأشخاصِ في هذا العالَمِ، سَتحبُّ فتاةً أو على الأغلبِ فتياتٍ سوفَ يحطّمنَ قلبكَ و يجعلنَهُ كالزّجاجِ المُهَشَّم، سوفَ تعملُ في وظيفةٍ تكرهُها كلَّ الكُره، لا عليكَ! فلَن يهتمَّ أحدٌ بسعادَتِكَ، سوفَ تكونَ مهمّتُكَ هي جمعُ الأموالِ كالمجانينِ ومن ثَمّ سوف تتزوّجُ امرأةً لا تحبُّها بل لا تعرفُ عنها شيئًا سوى أنّ والدتكَ أُعجِبَت بمَظهرِها، وما من مجالٍ للاعتراضِ فهذا يخالفُ قوانينَ اللّعبة، لتُنجِبَ أطفالاً تكون حياتُهم مثلكَ تماماً !
تجاهَلْهُم، وكُن أنتَ..
خيِّبْ آمالهُم وافعلْ ما تُحبّ، كُن فظًّا ولا تسمَع نصائحهُم السخيفة، لا تَدعهُم يعبثونَ بك، أرجوك…لا تعِش حياةً أنتَ لا تريدُها!

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك:

و لكن في جسدٍ واحد ! قصة قصيرة لـ أمل المصري

قناعٌ مَفقود ! قصة قصيرة لـ أمل المصري

سيظل القمر شاهد .. قصة قصيرة لــ إسلام سامي

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.