تأخذك إلى أعماق الفكر

نُصُب جورجيا الغامض ونهاية العالم!

نحن الآن في ولاية جورجيا الأمريكية، وتحديدًا في مقاطعة إلبرت، نقف في طريق ضيق، أسفلته باهت، يجاور مساحاتٍ خضراءَ شاسعةً، تمتد حتى تُلاقي الأفق الغائم المنذر باقتراب المطر. لا تتعجَّب حين تلمح أمامك لوحًا جرانيتيًّا ضخمًا يبلغ طوله نحو ستة أمتار، ويحمل نقوشًا عربيةً، في ذلك المكان النائي الذي لم يشهد بالتأكيد نفوذ دولة الغساسنة، ولا مغامرات امرئ القيس أو عمرو بن عدي اللخمي! لا تتعجب؛ لأنك ستلاحظ أن بجوار هذا اللوح الضخم ثلاثة ألواح أخرى، تحمل مثله على وجهيها سطورًا منقوشةً بلغاتٍ غير العربية، يمكنك بسهولةٍ أن تستنتج أنها تحمل نفس محتوى النص العربي؛ وهذه اللغات هي: الإنجليزية والإسبانية والسواحيلية والهندية والصينية والروسية والإنجليزية. أما النص الذي نُقش على هذه الألواح بلغاتٍ مختلفة، فهو وصايا عشر، أراد روبرت كريستيان (الذي قام بإنشاء هذا النصب)، أن تظل محفوظة للأجيال التي ستتمكن من الاستمرار بعد حربٍ نوويةٍ عالمية (لاحِظْ أن نُصُب جورجيا تم الانتهاء من إنشائه عام 1980 أثناء الحرب الباردة) أو بعد كوارث طبيعية مدمرة (والاحتباس الحراري اليومَ أصبح مشكلةً ملموسةً لها آثارها الكارثية).

أما عن وصايا نُصُب جورجيا فهي:

– أبقوا عدد أفراد الجنس البشري أقل من 500 مليون نسمة في توازنٍ دائمٍ مع الطبيعة.
– وجِّهوا التناسل البشري مع تحسين اللياقة البدنية والتنوُّع.
– وحِّدوا الجنس البشري بلغةٍ جديدةٍ معاصرةٍ.
– تحكموا بالعاطفة وبالعقيدة وبالتقاليد وبجميع الأشياء بمنطق معتدل.
– احموا الناس والدول بواسطة قوانين عادلة ومحاكم منصفة.
– اتركوا الدول تُحكم داخليًّا مع تصفية النزاعات الخارجية في المحكمة العالمية.
– تجنَّبوا القوانين التافهة والموظفين عديمي الفائدة.
– وازنوا ما بين الحقوق الشخصية والواجبات الاجتماعية.
– شجعوا الحقيقة والجَمال والحب، لإيجاد التوافق المطلق.
– لا تكونوا سرطانًا فوق الأرض… أفسحوا مجالًا للطبيعة.

ومن الواضح أن هذه الوصايا تحض على خلاف ما نفعله اليوم، في إشارةٍ ضمنيةٍ إلى أن أغلب نشاطاتنا البشرية في هذا العصر لن تقود إلا إلى خراب الكوكب، وحدوث كوارث قد تؤدي إلى اندثار الجنس البشري وانقراض آلاف الأنواع من الكائنات الحية (وهو ما نشهده حاليًّا فيما يعرف بانقراض الهولوسين أو الانقراض السادس). ولا شك في أن ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الجليد والتغيرات المناخية المتسارعة والانفجار السكاني مؤشرات لا بد وأن نضعها في اعتبارنا، لكي نتجنب المصير المظلم الذي دفع روبرت كريستيان إلى إنشاء مثل هذا النصب.

اليوجينيا، والحكومة العالمية، وضمان الحريات الفردية، وتوجيه أنشطة الفرد في خدمة المجتمع، والاهتمام بالوعي الجمالي، وشحذ قدرات البشر سعيًا إلى كشف أسرار الكون، وتجنب تدمير الكوكب، وتحديد النسل… هذه هي الأهداف التي يجب أن نعمل جميعًا على تحقيقها (وفقًا لوصايا نُصُب جورجيا) لكي نتدارك الكارثة التي تقترب من الجنس البشري بلا إبطاء.

وبرغم الدلالات العميقة لفكرة إنشاء نُصُب جورجيا، ظهر أنصار نظرية المؤامرة، ليشوِّهوا المعاني التي دعت إليها الوصايا المنقوشة، وقال بعضهم إن لهذه الألواح جذورًا تتعلَّق بعبادة الشيطان، وقال آخرون إن نُصُب جورجيا قد أقامه عَبَدة الشمس! برغم أنَّ هدفه لا يتجاوز كونه محاولة لإرشاد البشر في المستقبل إلى القواعد الأساسية لبناء حضارة أرقى على أسس سليمة، وتقديم بعض المعلومات الضرورية لإحياء العلم مثل الاتجاهات الأربعة وتحديد الوقت وطرق الاهتداء بالنجوم وبعض المعلومات الفلكية الأساسية.

إعلان

قبو سڨالبارد العالمي

ولا يمكن أن نتحدَّث عن نُصُب جورجيا الغامض، دون أن نتطرَّق إلى بناءٍ أغرب، أُنشِئ بنفس الغرض، هو قبو سڨالبارد العالمي للبذور Svalbard Global Seed Vault الموجود بالنرويج، والذي يُسَمَّى أيضًا (قبو يوم القيامة)، وهو مدفون تحت الأرض بمنطقة جليدية، ويحتوي مجموعةً كبيرةً من بذور النباتات بهدف حمايتها في حالة اندلاع كارثة عالمية تؤدِّي إلى هلاك البذور المحفوظة في البنوك الزراعية الإقليمية.

بوجود مثل هذين البناءين، يجب أن نلتفت إلى الخطر الذي يهدد مستقبلنا كبشر على هذه الأرض، والذي دفع أشخاصًا ومؤسسات أشد حرصًا على هذا المستقبل إلى اتخاذ مثل هذه التدابير. إن الإنكار (كحيلة نفسية دفاعية)، لم يعد مجديًا في هذه الحالة. يجب أن نذكِّر أنفسنا من حين لآخر، بأننا نحيا على كرةٍ صخريةٍ تدور بسرعة 107200 كلم/ساعة حول جسم عملاق متوهج تتولَّد طاقته الحرارية عن طريق الاندماج النووي! وأن هذه الكرة الصخرية لم تعانِ أزمةً أخلاقيةً كبرى حين انقرض أكثر من 90% من الكائنات البحرية، ونحو 70% من الفقاريات، قبل 251 مليون سنة، فليس مستبعدًا أن يتكرَّر نفس الأمر دون أن يهتز لهذه الكرة الصخرية جفن (إن جاز التعبير).

التعامل باستخفاف مع هذا الكوكب الخَطِر (غير مأمون الجانب)، لن يؤدي بنا إلا إلى دمار قد يتجاوز كلَّ ما سجَّله علم دراسة الطبقات الحيوية خلال تاريخ الحياة على كوكب الأرض، فليس لدينا اليوم إلا الحذر، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

نرشح لك: مرحلة الانقراض الكبرى السادسة

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.