تأخذك إلى أعماق الفكر

نهاية فيلسوف البدايات

فيتجنشتاين والموت

لقد كان يمقت الغرور الفكري، سواء في نفسه أو في الآخرين. فقد قال ذات مرة لأحد أصدقائه: “إذا أخبرني أحدهم أنه ذهب إلى أسوأ الأماكن، فلا يحق لي أن أحكم عليه، لكن إذا أخبرني أن حكمته العظيمة هي التي مكنته من الذهاب إلى هناك، فأنا أعلم أنه مخادع… إن دوري هو إيقاف الفلاسفة السيئين” . حتى أنه هو نفسه لم يسلم من سيف نقده، فيقول في “التحقيقات” إن “كاتب الرسالة المنطقية الفلسفية مخطئ”، كما يكرر بصورة أوضح “لقد أُجبرت على الاعتراف بالأخطاء الجسيمة في ما كتبته في الكتاب الأول”. ولهذا لم يستطع أبدًا احتمال أولئك الذين لم يفكروا فلسفيًا بشكل مستمر مثله. وكان يحترم فقط الأشخاص أنقياءَ السريرة، وكان يعبر عن رأيه الصادق في من حوله بمنتهى النزاهة، وبعيدًا عن أي مجاملات اجتماعية. لكن شخصيته المعقدة وحِدَّتَه النارية الناقدة جعلته مكروهًا اجتماعيًا. فكان يعلم في قرارة نفسه دائمًا أن معظم من حوله هم من المعجبين به، والذي يحترمونه أكثر مما يحبونه.

المنهجية الفلسفية

وقد اجتمع هذا القيد الفلسفي الأخلاقي مع الدافع الفلسفي المعرفي، لتكوين المنهجية الفلسفية المميزة التي هي إرثه الحقيقي، أو الفلسفة باعتبارها نشاطًا علاجيًا. فقد كان يرى أن مشاكل الفكر نابعة من إغراء اللغة لغرورنا بأن ندعي وجود أطروحات كلية، ولهذا كان لزامًا على الفلسفة علاجنا من هذه الفتنة، من خلال أن يكون دورها أن نرى الواقع بكل حالاته الجزئية كما هي، فالهدف من الفلسفة هو “أن تُظهِر للذبابة طريق الخروج من مصيدة الذباب”، أي أن تحررها من قيود الأطروحة الكلية التي تختزل الإنسان والظواهر الإنسانية، متعددة الأوجه والجوانب، في نظرية واحدة أو مفهوم واحد.

فالاختزال إلى نموذج مبسَّط لا يؤدي إلا إلى وضوح وهمي خادع على صورة سجن مفاهيمي، “صورة تحتجزنا باعتبارنا أسرى”، أي سيؤدي إلى إغفال التفاصيل، والتشويه في نهاية المطاف، حيث سنُسقط من المشهد “عائلة معقدة للغاية من الحالات”، فنعمي أنفسنا عن الفروق الدقيقة والتعقيد باسم الدقة الزائفة والتعميم الشامل. فعلى سبيل المثال، إذا أحرقنا شخصًا حتى أصبح رمادًا، ثم وصفنا الرماد بأنه “كل حقيقته”، فإن “قول هذا قد يكون له سحر معين، ولكن سيكون مضللًا تمامًا”، لكن الحقيقة هي “يتطلب الأمر الكثير من الأنماط المختلفة لصنع العالَم”. وبهذا تكون مهمة الفلسفة هي “حل عقد تفكيرنا. وبالتالي يجب أن تكون نتيجتها في النهاية بسيطة، ولكن يجب أن تكون عملية الحل نفسها، أي الفلسفة، معقدة بقدر تعقد العقد”. ولهذا كان فيتجنشتاين يكرر دائمًا “كم هو صعب بالنسبة لي أن أرى ما هو ماثل أمام عيني”. فبالنسبة له، كانت الفلسفة تعيد بناء الإنسان؛ حيث “تعمل في المرء، وفي تصوراته، وفي كيفية رؤيته للأشياء”.

نرشح لك: فتغنشتاين: موقف من الإلحاد والإيمان

ولكن لأن هذه الرؤية التحليلية الجديدة للعالم لا يمكن تعليمها بشكل مباشر، كان كل ما يمكنه أن يقدمه هو طريقته الفلسفية التي تطورت من حواراته المستمرة مع نفسه. كانت محاضراته بمثابة دعوة لتلاميذه لمشاركته في عملية التفكير. وقد انعكست طريقته في التفكير على أسلوبه الكتابي، فيقول في مقدمة “الرسالة المنطقية الفلسفية”: “أظن أنه لن يفهم هذا الكتاب إلا من سبق وأن طرأت له نفس الأفكار الواردة فيه أو على الأقل أفكار شبيهة بها. ولذا فهو ليس كتابًا مدرسيًا”. أما بالنسبة إلى الكتاب الثاني “التحقيقات”، والذي خرجت من بين صفحاته معظم اتجاهات الفلسفة التحليلية في النصف الثاني من القرن العشرين وربما حتى الآن، فلم ينشر إلا بعد وفاته وفق رغبته في ألا يُنشر وهو حي، فقد اكتفى عند كتابته بأن يجمع أفكار مرحلته المتأخرة، ويشرح أفكاره لتلاميذه وأصدقائه بغرض النقاش فقط. ويرى المرء بوضوح عبر صفحاته أن فيتجنشتاين يتحدث إلى نفسه؛ أو أن هناك حوارًا دائرًا بينه وبين محاورٍ مثالي.

لهذا يقول “أتمنى ألا توفر كتاباتي على الآخرين عناء التفكير. ولكن أود، إن أمكن ذلك، أن تثير في الآخرين أفكارهم الخاصة”. وتظهر تلك النزعة في أوضح تجلياتها في كتاب “عن اليقين”، حيث يقول في تعليق له على أحد الشذرات: “أعتقد أن ما قد يثير اهتمام الفيلسوف، من باستطاعته التفكير بنفسه، لقراءة ملاحظاتي، أنه حتى وإن كنت لم أتمكن من إصابة الهدف إلا نادرًا، فإنه سيدرك ما هي الأهداف التي كنت أحاول إصابتها بلا هوادة” . فهو لم يكن ينتظر أبدًا أن يقنع قُرَّاءه بنتائجه باعتبارها نهاية لعملية التفكير، لكن كان يتوقع أن يقنعهم بطريقته التحليلية في التفكير الفلسفي.

إعلان

الحياة الرائعة

في بعض اللحظات النادرة التي يهدأ فيها عقله، كان يظهر جانبًا شعريًا في رؤيته للعالم، فعلى سبيل المثال، قال لأحد أصدقائه في ليلة لا يضيئها سوى القمر، “إذا تُرِك لي تخطيط العالم، لم أكن لأخلق الشمس أبدًا” . وفي ليلة أخرى، عندما بزغ الفجر، صمت طويلًا ثم قال، “أتمنى أن يظل النور هكذا للأبد” . لقد كان يعشق صمت العالم من حوله، لأنه لم يصمت جوانيًا أبدًا، “ففي حين يحب الآخرون سماع أنفسهم وهم يتحدثون، كان هو يحب سماع نفسه وهو يكتب”. ويمكننا القول أن لا أحد عرفه على حقيقته، وربما ولا حتى هو نفسه، فقد كتب في مذكراته الخاصة ” هذه هي حالة معرفتي بالذات: عندما تخفى الأحجبة ذاتي، فإني أرى تلك الأحجبة بوضوح. ولكن إذا خلعتها كلها بحيث أتكمن من رؤية ذاتي، فإن صورتي تصبح ضبابية وغير واضحة على الإطلاق”.

لقد كان فيتجنشتاين شخصية شديدة التعقيد، حتى أن أصدقائه المقربين لم يفهموا مغزى جملته الأخيرة عندما قال لزوجة الطبيب التي كانت تعتني به في لحظاته الأخيرة “أخبريهم أني قد عشت حياة رائعة”، لأنهم لطالما اعتقدوا أن حياته كانت حزينة بائسة. لكن ربما يكون ألم فيتجنشتاين الذي اعتبروه حزنًا، لم يكن سوى مبرر رؤيته لحياته على أنها رائعة. لكننا، في ضوء ما سبق، قد نفهم تلك العبارة. لقد كانت حياته رائعة لأنه أمضاها في مطاردة البدايات التي أثارت دهشته بشكل مطلق، وبما أن “الفلسفة هي الشيء الوحيد الذي يشعره بالإشباع بحق”، فإن حياته هي خير حياة يمكن أن يمتلكها فيلسوفٌ مثله. وبما أن “خوف المرء وهو يقف في مواجهة الموت هو أوضح علامة على أن حياته سيئة وزائفة” ، فإن حياته التي كانت على العكس من ذلك، جعلته يلاقي الموت كما يلاقي المرء صديقًا طال انتظاره، الصديق الذي قد يحمل وحدَهُ الإجابة اليقينية.

 المراجع: 
 Ludwig Wittgenstein - A Memoir, Norman Malcolm, (Clarendon Press, Oxford, 2001), p. 131
 On Certainty, Ludwig Wittgenstein, #470
 On Certainty, Ludwig Wittgenstein, #532
  Ludwig Wittgenstein - Public and Private Occasions, (Rowman & Littlefield Publishers, 2003), p. 129 
  Bertrand Russell, Ronald Clark, (Penguin, London, 1975), p. 211.
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, (Blackwell, Oxford, 1998), p. 50
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, p. 60
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, p. 74
  Wittgenstein in Cambridge: Letters and Documents 1911 – 1951, Brian McGuinness, (Blackwell, 2012), p. 61
  Ludwig Wittgenstein - Public and Private Occasions, p. 151
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, p. 92
  Recollections of Wittgenstein, Rush Rhees, (Oxford University Press, Oxford, 1984), p. 79
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, p. 71
  On Certainty, Ludwig Wittgenstein, #471
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, p. 9
  Ludwig Wittgenstein - Public and Private Occasions, p. 59
  Wittgenstein, Notebooks 1914-1916, (Blackwell, Oxford, 1998), p. 2
  Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico-Philosophicus, 6.41 - 7
  Ludwig Wittgenstein, Lecture on Ethics
  Wittgenstein and the Vienna Circle: Conversations, Friedrich Waismann, (Harper and Row, 1979), p.68, 118.
  Recollections of Wittgenstein, Rush Rhees, p. 108
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, p. 85
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, p. 99
  Recollections of Wittgenstein, Rush Rhees, p. 77
  Recollections of Wittgenstein, Rush Rhees, p. 112
  "تنويعات التجربة الدينية" - ترجمة تصدر قريبًا عن مركز نهوض للدراسات والنشر.
  Recollections of Wittgenstein, Rush Rhees, p. 194
  Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations, #309
  Ludwig Wittgenstein, Zettel, #452
  Culture and Value, Ludwig Wittgenstein, p. 24
  On Certainty, Ludwig Wittgenstein, #387
  Wittgenstein: Conversations 1949-1951, O. K. Bouwsma, (Hackett, 1986), p. 12 
  Recollections of Wittgenstein, Rush Rhees, p. 131
  Ludwig Wittgenstein - Public and Private Occasions, p. 99
  Wittgenstein, Notebooks 1914-1916, p. 75

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: علي رضا

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.