تأخذك إلى أعماق الفكر

ميشيل فوكو: السلطة والصراع

يشرح الكاتب ديبورا كوك في هذا المقال عمل مفكر "حذّر من الطاعة العمياء لإرادة السلطة".

لقد تأثرت حياة ميشيل فوكو الباكرة بشكل حاسم بالحرب العالمية الثانية. فعندما سُئل من قبل الصحفي في عام 1978 لماذا قرر أن يصبح فيلسوفاً، أجاب فوكو حينها “عندما كنت في العاشرة أو الحادية عشر من عمري، لم نكن نعلم فيما إذا كنا سنصبح ألمانيي الجنسية أم أننا سنبقى على هويتنا الفرنسية. لم نكن نعلم فيما إذا كنا سنموت أم لا بالتفجيرات”. بعمر السادسة عشر، أدرك فوكو شيئاً واحداً فقط: أن الحياة المدرسيّة قدمت له” بيئة محمية من التهديدات الخارجية”. وقد أضاف فوكو أنّ “المعرفة تحمي وجود الفرد وتؤمّن إدراك العالم الخارجي”. المعرفة هي “وسيلة للبقاء عن طريق الإدراك”.

في عام 1946 سُمح لفوكو بالتقدم إلى مدرسة الأساتذة École Normale Supérieure. وفي عام 1952 تم منحه درجة علمية في علم أمراض النفس، وعمل مع مرضى نفسيين في مستشفى القديسة آن في باريس، وأكمل هناك دراسته في الطب النفسي. خلال ذلك الوقت عمل على مساعدة وترجمة كتاب لودفيغ بيسوانغر Ludwig Binswanger الحلم والوجود* (Traum und Existenz) – وقد كتب من أجل هذا مقدمة طويلة جداً. في عاميّ 1953 و1954 درّس فوكو علم النفس في جامعة ليل Lille، ونشر أول كتبه: كتاب عن الصحة العقلية وعمل آخر قصير تقفّى من خلاله أثر تاريخ الطب النفسي من عام 1850 إلى عام 1950. باستحواذه على منصب مدير Maison de France في Uppsala منتصف الخمسينات، بدأ ورقته البحثية في تاريخ الجنون في الغرب والذي سيصبح فيما بعد أطروحته الأساسية في السوربون.
بعد إمضاء عام في جامعة وارسو، تم تكليفه بإعادة فتح مركز الجامعة المعنيّ بالحضارة الفرنسية، حيث عُيّن فوكو مديراً ولمدة قصيرة للمركز الفرنسي في هامبورغ. في عام 1960 قََبِل عرض التدريس كأستاذ زائر، وبدأ بتدريس علم النفس في جامعة كليمونت فيراند Clermont-Ferrand، ثم بعدها في عام 1961 استلم درجة الدكتوراه من السوربون. في نفس العام تم نشر كتابه “الجنون والحضارة” Folie et déraison، ثم تلاه كتاب “ولادة العيادة”Naissance de la clinique بعامين. بحلول عام 1966 والنجاح الاستثنائي الذي حققه كتاب الكلمات والأشياء Les mots et les choses، أصبح فوكو من المثقفين المهمين في فرنسا. في أيلول من ذات العام، غادر فوكو فرنسا ليدرّس في جامعة تونس، ليعود لاحقاً في 1986 ليستلم منصب بروفيسور الفلسفة في جامعة Vincennes. وفي عام 1969 أبصر النور كتاب “حفريات المعرفة” L’archéologie du savoir.
في عام 1970 مُنح فوكو كرسي رفيع المستوى في كوليج دو فرانس Collège de France. منذ ذلك الحين وحتى مماته في 1984 (باستثناء سنة الإجازة)، قدّم فوكو محاضرات عن مواضيع مرتبطة ببحثه. من ضمن محاضراته الأولى (والتي تمت ترجمتها بالكامل إلى اللغة الإنكليزية)، “النظريات العقابية والمؤسسات” (1971–72)، “المجتمع التأديبي” (1972–73)، “السلطة النفسية” (1973–74)، و”الشواذ” (1974–75) جميعها متصلة ببحثه الذي أدى إلى نشر كتاب المراقبة والمعاقبة Surveiller et punir في 1975. خلال الفترة من 1975 إلى 1978، قدم فوكو محاضرات عن السلطة الكهنوتية، السلطة الحيوية وجينالوجيا الدولة في الغرب. بعض المواد من تلك المحاضرات كانت مدموجة مع الكتاب الأول من تاريخ الجنسانية 1976، بينما ارتبطت مواد أخرى بمواضيع ناقشها فوكو بمقالات كان قد نشرها في نهاية السبعينات. محاضرات فوكو الأخيرة “عن سلطة العيش” (1979–80)، “تفسيرات الذات” (1981–82)،”سلطة الذات والأخرون” (1982–84)- قُدمت بالتتالي كمادة بحثية لكتابه ذو الثلاث أجزاء تاريخ الجنسانية L’Histoire de la sexualité.
كشفت محاضرات فوكو عن المواضيع المختلفة والأفكار التي استغرق بدراستها في أعماله في سبعينات وثمانينات القرن المنصرم؛ كما أنها ساعدت على إعادة تشكيل التغيرات العديدة في أفكاره. مع ذلك، يبقى من الصعب وصف أعمال فوكو. غالباً ما نفى فوكو بأنه صاحب نظرية، والذي قصد به الشخص الذي يعمل ضمن نظام شامل. واصفاً نفسه بالمجرب، غالباً ما أكّد فوكو على الطبيعة المؤقتة والمجزئة التي اتسمت بها بحوثه. اتسمت أعماله أيضاً بعدم التنظيم بالشكل الذي يسمح استكشاف منطق ميكانيزمات معينة، تكنولوجيات واستراتيجيات السلطة. هذا الفحص أيضاً يتطلب الانتباه الدقيق للظروف التاريخية والتي تحدّت فرديتها التصنيف تحت مسمى التاريخ الكوني. لكن نفور فوكو من التفكير المنظم عنى بطريقة أخرى حماسه الشديد لمتابعة اتجاهات جديدة في بحثه ( دراسته الأخيرة في “الانهمام بالذات” في يونان القديمة وروما الهلنستية هو مثال على ذلك)، وقد أقرّ بدون تردد بالتفاوتات بين كتاباته المبكرة والأخيرة.
تُعتبر كتب فوكو ومحاضراته تواريخ أصلية إلى حد كبير والتي ركزت على علاقات السلطة، من ضمنها الصراعات التي نشبت، والتي تستمر بالحدوث تجاه الأشكال السائدة من سلطة الفرد والجموع في مختلف الأرجاء. بمعنى أخر، إن نظرة فوكو للتاريخ تلقي ضوءً على التنافر، النزاع والصراع الذي يشققه التاريخ، ولهذا السبب، يعترف فوكو بالفضل لهذا كله لماركس. على أية حال، بدلاً من فحص القوى الاقتصادية التي شكلت التاريخ الغربي، درس فوكو العلاقات السلطوية في كلا المؤسسات وفي الدولة الحديثة. كما أشار في العديد من المقابلات، أن اهتمامه بالسلطة تجذّر من خلال تجاربه بالحرب العالمية الثانية.لقد كان للتهديد الثنائي للفاشية والستالينية أثر كبير على فوكو، قاده للتركيز على علاقات السلطة التي أنتجتها تلك العلاقات بثبات.
ماذا تعني إذاً علاقات السلطة؟ بتبنيه لنظرة فريدريك نيتشه للسلطة، يؤكد فوكو أن علاقات السلطة تتألف من تنافس قوى بحيث أن كل قوّة ترتبط بالأخرى عن طريق محاولتها لجلبها لسيطرتها ونفوذها (بدءاً من النشاطات اللطيفة، كتعليم شخص ما كيفية عمل شيء معين، وانتهاءً بأفعال مؤذية تتضمن الإجبار والإكراه). فعندما يُثبت أن قوة ما أضعف من أُخرى، سوف تكون القوة الأكبر قادرة على توجيه سلوك القوة الأضعف “بنسق ثابت تماماً و بيقين معقول”. بالإضافة إلى أن القوة الأعظم سوف تشكل هويّة القوة الأضعف. وبما أن السلطة تُمارس بكل مكان، أصرّ فوكو على أن الصراع هو أيضاً كليّ الوجود. المجتمع إذاً يتشكل من “صراع دائم ومتعدد الأشكال” لأن “علاقات السلطة لا محالة تحث وتحرض وتدعو بشكل ثابت لاحتمالية المقاومة”.
على الرغم من ادعاءاته بالوجود المطلق للسلطة و الصراع، رفض فوكو النقد الذي يختصر كل شيء بالقوة. في الواقع علاقات السلطة لا يمكن بأي حال أن تشرح جميع الظواهر التاريخية؛ السلطة ليست مبدأ نهائي تعليلي، لأن بقية القوى (من ضمنها القوى الاقتصادية) ساهمت في تشكيل التاريخ أيضاً، وفي بعض الحالات، علاقات السلطة لا تكون حاسمة. والأكثر من ذلك، أن القوة ليست كلية النفوذ. بل بالعكس: ناقش فوكو بأن توظيف “العديد من علاقات السلطة، العديد من أنظمة التحكم، والأشكال العديدة للمراقبة” توضح فقط ماهيّة القوة الضعيفة. لقد أنكر أيضاَ بأن الأشكال السائدة للسلطة تحدد الأفراد “بشكل كامل”. وبما أن مثل هذه القوى تحدد بشكل انتقائي قدرات معينة، تسوقها و تجبرها، بينما تتجاهل البقية، فمن الممكن أن يستمتع الأفراد بهامش أكبر أو اقل من المناورة فيما يتعلق بهم. في الحقيقة لقد قال فوكو أنه كان “مصعوقاً” بأن يجد بعض القرّاء بكتاباته “التأكيد على الحتمية التي لا يمكن للفرد الهروب منها”.
في سياق دراسة العلاقات السلطوية، درس فوكو أيضاً “سلالة المعرفة، العلاقة التي تتواجد بين مختلف الأنواع في الحديث والممكن إدراكه في الثقافة، وفي الشروط والظروف التاريخية، والاقتصادية، وفي الظروف السياسية لتشكلهم”. تركِّز بعض دراساته بشكل خاص على المشاكل التاريخية، بحيث أنّ اختراع مفاهيم جديدة وإعادة تشكيل تلك القديمة يتجاوب مع تلك الظروف. على سبيل المثال، في جينالوجيا الجنسانية، أشار فوكو أن المفهوم الحديث للجنس ظهر عندما بدأت السلطة السيادية للدولة تضبط وتُعالج نسبة السكان في مقتبل القرن العشرين. أصبح حينها للجنس اهتمام مُركز في مختلف المجالات (من ضمنها البيولوجيا والطب)؛ هذه المجالات شُيّدت حول الجنس “معدات هائلة لإنتاج الحقيقة”، تُحوّل “حقيقة الجنس” إلى “شيء أساسي”، لأن الجنس ظاهرياً يحدد لبّ مجتمعنا.
وفي استجابة مباشرة لمحاولات السلطة السيادية للتحكم بحياتنا الجنسية، نشبت النزاعات، والتي ناشدت “بالحق” بالحياة، بالجسد، بالصحة،بالسعادة، وبتلبية الاحتياجات الأساسية. كان فوكو حاسماً فيما يتعلق بالآثار المهلكة لمثل تلك السيادة: انتقد إخضاع السلطة للأفراد تماشياً مع أشكال الهويّة الذاتية التي يُحدثها الإخضاع. كما كان لديه اهتمام خاص بأن علاقات السلطة اليوم تميل إلى إنتاج أفراد مخضَعين يطيعون بشكل أعمى رؤساء السلطة. وبشكل عام صرّح فوكو بأن التاريخ الغربي عاصر ثلاث أنواع من النزاعات: الكفاحات ضد العِرق، السيادة الاجتماعية والدينية، نزاعات ضد “أشكال الاستغلال التي تفصل الافراد عن منتوجاتهم” والكفاحات “التي تربط الفرد بنفسه وتخضعه للآخرين” (نزاعات ضد التبعية، ضد أشكال الهويّة الذاتية، والخنوع). فنوع واحد من الكفاح ممكن أن يظهر في فترة تاريخية معينة، ولكن من الممكن أن تتداخل أنواع النضالات فيما بينها. وحتى وإن تداخلت، سيسيطر نوع واحد فقط. وعالمنا اليوم يقع تحت سيطرة الكفاح ضد التبعية.
الهدف الأساسي للنزاعات ضد الخضوع هو تعزيز استقلالية الفرد. وقد أعلن فوكو نفسه بشكل واضح أنه بطل الاستقلال بالحس الكانطيّ Kantian sense للتشريع الذاتي والحكم الذاتي. وقد قال أيضاً، أنه لتحقيق الحكم الذاتي يجب أن تُحوّل العلاقات الغير المتماثلة بين المؤسسات (من ضمنها الدولة) والأفراد. داعياً تحويلات تلك العلاقات ب “التنوير”، ناقش فوكو “ما يجب على عصر التنوير **Aufklärung فعله، والذي يتم عمله حالياً، هو بالضبط إعادة توزيع العلاقات بين حكم الذات وحكم الآخرين”. بدراساته للمقاومة، كشف فوكو سؤالاً ملحاً “كيف لا تُحكم بمثل تلك الطريقة وبذلك النهج باسم هذه المبادئ، وبمرأى من تلك الأهداف وبوسائل مثل تلك الطرق، لكي تنأى نفسك عن هذا الحكم من أجل هكذا مبادئ، ومن قَِبل هكذا سلطات؟”. إيضاحاً أكثر للنقطة السابقة، اصطفّ فوكو بجانب أولئك الذين يسألون نفس السؤال عندما قال بأن السؤال الأساسي في دراساته هو”كيف يُمكن أن نتجنب أن نصبح محكومين؟”.
“ما الأشكال التي تأخذها العلاقات السلطوية لكي تعزّز الخضوع؟”. تتطلب الإجابة على هذا السؤال إلقاء نظرة أقرب على جينالوجيا العلاقات السلطوية الحديثة الفوكويّة. بالنسبة لفوكو فقد تقفى أثر نمطين من السلطة والتي بنى دراساته كلها عليهما – السلطة التأديبية والسلطة السياسيّة – رجوعاً بسلطة أسماها فوكو “السلطة الرعوية”.  ناقش فوكو في دراساته ومقالاته فكرة أن العلاقات السلطوية بالعصر الحديث متجذرة بتقنيات وممارسات كانت قد تطورت بالعصر المبكر للكنيسة المسيحية في محاولاتها المنسقة لتحكم روح الأفراد. (أراد فوكو أيضاً ان يشرح أن تطور الرأسمالية يدين بالكثير للممارسات الرعويّة).
بمنهجٍ كان “فريداً بشكل مطلق في التاريخ”، كتب فوكو بأن المجتمع الديني يكوّن نفسه ككنيسة. فمنذ بدايتها، حاولت الكنيسة كمؤسسة أن تهدف إلى “حكم البشر بحياتهم اليومية على الأرض لقيادتهم إلى الحياة الأبدية. ومع ذلك بعيداً عن الأفراد الحاكمين، أرادت الكنيسة أن تسيطر على مستوى أكبر: وليس ببساطة “على مستوى مجموعة محددة….وإنما جموع البشرية ككلّ”. كل الأفراد Omnes et singulatim .لقد أرادت الكنيسة أن تحكم الجموع المسيحي ككلّ، بالإضافة إلى كل الأغنام الفردية. ولإنجاز هذه المهمة بحكم الجموع؛ استعارت الكنيسة مجموعة من الممارسات (من ضمنها الفحص الذاتي والممارسات التقشفية) التي نشأت في يونان القديمة وروما. على الرغم من أن هذه الممارسات قد صُممت لتبني الاستقلال والحكم الذاتي، إلا أن الكنيسة قد حوّلت تلك الممارسات عندما أوفدت سلطة الحكم إلى الكهنة.
في الواقع، لقد حولت الكنيسة المسيحية تلك الممارسات لمدى كبير، لدرجة من أنه بدلاً من الترويج للاستقلالية، فقد طبعت في الذهن الخنوع. من وجهة نظر فوكو، واحد من الأهداف الأساسية للممارسات الرعوية والتقنيات التي تم تبنيها من قِبل السلطة السياسية والتأديبية هو ترويج الطاعة العمياء والمطلقة لأولئك الخاضعين لها. لكن السلطة السياسية والتأديبية تكشف جذورها في وظيفة راعي الكنيسة لدرجة كبيرة بحيث أنها تشجع على نكران الذات أو نبذ الذات. بحسب فوكو، فإن الغرب قد ورث “تقاليد المبادئ الأخلاقية المسيحية والتي تجعل نبذ الذات شرط من شروط الخلاص”.
وبعكس هؤلاء الذين روَّجوا للحكومة الذاتية في يونان القديمة؛ فإن الرعوية الكنسية أصرت على الإذعان للآباء الروحيين. مُقارناً الراعي ب” الطبيب الذي يأخذ على عاتقه مسؤولية كل روح ومرض كل فرد”، أضاف فوكو بأن الراعي يتطلب أيضاً “خنوعاً كاملاً” من قِبل الأفراد. مع الراعي تصبح الطاعة نهاية بحد ذاتها أي أن “المرء يُطيع لكي يصبح قانتاً حتى يصل إلى حالة من الطاعة”. هذه الطاعة لأفراد السلطة يجب أن تُرافق بالخنوع والإذلال. أن تكون متواضعاً يعني عملياً “معرفة أن أي إرادة من إرادة المرء هي إرادة سيئة”. بالنسبة لفوكو، “إذا كان يوجد نهاية للطاعة، فهي حالة من الطاعة المعرّفة بشكل كامل ومحدد من نبذ إرادة المرء”. بكلمات أخرى،”بالسلطة الرعوية…يوجد نمط من الفرد والذي لا يتواجد عن طريق تأكيد الذات فحسب وإنما يستلزم تدميرها”.
على الرغم من ذلك بالنسبة لفوكو، فإن واحدة من أهم الممارسات التي انتشرت عن طريق الكنيسة المسيحية بمحكمتها الروحيّة، والتي لا يوجد لها نظير في رعاية الذات الكلاسيكية التي نشأت في اليونان. تلك كانت ممارسة الاعتراف أو قول الحقيقة: الكشف للآخر عن حقيقة النفس. ادّعى فوكو أيضاً بأن الاعتراف قدم “نمط علماني أساسي، أي النمط القضائي، إلى الممارسة الرعوية المعتادة”. أي بالأصل الممارسة القضائية، لذلك كان سيتحول الاعتراف في النهاية إلى طقس ديني مُلزم لكل المسيحيين. ولكن فوكو أصرّ على أهمية تلك الممارسة حتى وقتنا الحاضر.
بالحث على تبني الطاعة، حوّل القساوسة والكهنة الاعتراف إلى ممارسة “بحيث أي حقيقة داخلية سريّة مخبئة للروح المخفاة تصبح أساس تُمارس عليها سلطة القسيس، وتُمارِس عليها الخضوع، وبحيث تتأكد العلاقة الكاملة للطاعة، ويمر من خلالها تدبير الاستحقاقات والعيوب”.لقد ادعى فوكو بأن استجواب الوعي في الاعتراف المسيحي هو “إبداعي بشكل مطلق” في هذا السياق. إن الرعوية “واحدة من اللحظات الحاسمة في تاريخ المجتمعات الغربية” لأنها كانت أولى أشكال السلطة التي شكلت موضوع “خاضع لشبكات مستمرة من الطاعة” و…غير موضوعية [subjectivé] من خلال الانتزاع القسري للحقيقة”.
بقيت السلطة الرعوية منفصلة عن السلطة السياسية لعدة قرون. وبعد حركة الإصلاح الديني***، ناقش فوكو فكرة أنه وُجد “انتقال تدريجي من السلطة الرعوية للروح إلى الحكومة السياسية للجسد”. ونوّه فوكو-معلّقاً على هذا الانتقال- إلى أن “إعادة تنظيم عميق للسلطة الرعوية” حدث عندما قُدّم فن الحكم الرعوي إلى “السياسة”، في نهاية القرن السادس عشر والقرنين السابع والثامن عشر.على الرغم من أن الدولة قد عدّلت من الفن الرعوي لحكم سلوك الأفراد،إنما كانت ستفعل ذلك فقط بتحويل الفنون المسيحية للحكم إلى “ممارسة محسوبة ومنعكسة”. وبذلك فقد كان هذا مؤشر “بداية الدولة الجديدة”.
إن ّالسلطة التأديبية، والتي تُمارس في المؤسسات الحديثة (من بينها المدارس،المشافي،والجيش) والسلطة السياسية التي تُمارس من قبل الدولة الحديثة كلاهما متجذرَين بشكل قاطع في السلطة الرعويّة. كما تُظهر جينالوجيا فوكو للدولة، التي تبدأ بتطبيق تقنيات السلطة الرعوية مع فكرة حكم القطيع ككلّ. فالحكومة وعن طريق الدولة تمتد من “العراقة البيولوجية للأفراد من خلال النوع والصنف وصولاً إلى المظهر والتي تعطي المرء تأثير وسلطة من قِبل الجموع”. بالطبع، فإن الفنون الكهنوتية للحكومة والتي تبنتها الدولة والمؤسسات التأديبية لم تعد تدّعي قيادة “الأفراد إلى خلاصهم في العالم الآخر”. عوضاً عن ذلك، حاولوا تأكيد خلاصهم في هذه الحياة. فالخلاص الدنيويّ يهتم “بالصحة، بالسعادة (والتي تتمثل بالثروة الوفيرة، ومستوى معيشي مقبول) وبالأمن، والحماية ضد أي حادث.
باختصار، الممارسات الكهنوتية عُدّلت عن طريق الدول الغربية والمؤسسات حالما بدأ التأثير الكنسي المسيحيّ بالتضاؤل (مع مجيء المسيح إلى العالم مرة أخرى وبما دعاه فوكو ب “إعادة الحوكمة الذهنية للكون****”degovernmentalization of the cosmos). سلطة الكهنة أو القساوسة، والذي أُسس على ظنهم بإمكانية وصولهم إلى سلطة أعلى، قد استبدل بنمط جديد للسلطة تأسس على المهارة والخبرة. في هذا الانتقال، “تزايد المسؤولون عن السلطة الرعوية”؛ وبذلك أصبحوا يضمون الشرطة، الأساتذة، مكاتب الرفاهية الاجتماعية، والأطباء. وبمجرد سعي السلطة الرعوية لحكم الكل والجميع، فإن المعرفة البشرية سوف تدور حول محورين: الأول عولميّ وكمي، يهتم بعدد السكان؛ بينما الثاني فهو تحليليّ يهتم بالفرد”. بهذه المعرفة “بدأت السلطة الرعوية بالانتشار بشكل مفاجئ في كامل الجسد المجتمعي”.
لقد أشرت مسبقاً إلى أن الانتقال التاريخي من السلطة الرعوية إلى السلطة التأديبية والسياسية سمح للسلطة العلمية والعلمانية أن تحل محل السلطة الدينية. غير أنه وبمجرد أن تصبح الدولة ومؤسساتها الشريكة “مسؤولة ومؤتمنة على توجيه الأفراد الجدد”، سيلجؤون إلى نسخة معدّلة من ممارسة الاعتراف. في الغرب، يتألف الاعتراف الآن من تعرية روح الفرد لكهنوت علمي – للأطباء الجسديين، للأطباء النفسيين، ولآخرين – مع فكرة المعالجة الطبية والنفسية، وأمراض أخرى. وبما أنّ السلطة السياسية والتأديبية قد خففت من ممارسات وتقنيات السلطة الكهنوتية، فقد كتب فوكو قائلاً بأن السلطة الكهنوتية “لم تختبر بعد الثورة العميقة والتي كانت وبدون شك سوف تبددها من التاريخ”.
“إن السلطة الكهنوتية بشكلها الحديث، طُبقت إلى مدى أوسع عن طريق المعرفة الطبية، المؤسسات،والممارسات”. بتطوير موضوع كان كامناً في كتاب تاريخ الجنون، قال فوكو بأن الطب “واحد من أقوى السلطات التي وُرثت إلى الوظيفة الرعوية”. فالطب يكشف روابطه مع الممارسات الكهنوتية عندما يُخضع الأفراد للفحص الدائم والمراقبة بهدف تبني التكيف والانسجام للمعايير التي تُبلغ عنها. وفي كتاب (ولادة العيادة) أشار فوكو إلى أن العلوم الاجتماعية (والتي ولدّتها المؤسسات التأديبية) قد استعارت معاييرها من الطب. بعدها بعشر سنوات، أشار إلى أن بمعاييرها الطبية الظاهريةquasi-medical، فقد اخترعت المؤسسات التأديبية “نوع من الهرمية المكوّن من أفراد مؤهلين بشكل كبير وأفراد مؤهلين بشكل أقل، هرمية من أفراد يطيعون معايير معينة وأفراد يحرفونها، هرمية من أشخاص يمكن تهذيبهم وأشخاص لا، هرمية من أشخاص يمكن تهذيبهم بتقنيات معينة وأشخاص يستلزم ممارسة تقنيات أخرى معهم”.
آراء فوكو عن الطبيعة المستبدة للسلطة في الغرب ساعد أيضاً على شرح الأبعاد المعتقة في أعماله، واهتمامه بالاستقلال الذاتي، أو – كما وصفها كانط في “جواب على سؤال: ما هو التنوير” – فهدفه هو تحرير الأفراد من وصاية الأولياء عليهم. اهتمامه أيضاً بالسلطة السياسية والتأديبية فسّر أيضاً لماذا قضى آخر سنين حياته بدراسة يونان القديمة وروما الهلنستية. بإعطاء السلطة الرعوية وورثتها التغلغل، آمن فوكو بأن الأفراد في الغرب “تكونوا عن طريق ممارسات الخضوع والخنوع”، بدلاً من “طرق استقلالية أكثر”، عن طريق ممارسات الحرية وحرية الفكر كما في العصور القديمة. وفيما يشبه نيتشه،  ركز فوكو على فكرة “تنصرنا العميق” in-depth Christianization. فحاول فضح الممارسات المريبة للمسيحية وإيجاد طرق فعالة لمكافحة تلك التأثيرات من الخضوع والطاعة.
درس فوكو الممارسات في يونان القديمة وروما الهلنستية ردّت المرء إلى ذاته بطريقة حرجة وذاتية التأمل, حتى لو تبنوا حضارة الذات وفن الحياة التي تهدف إلى تقوية الاستقلال الذاتي للأفراد مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف والأحداث التاريخية. كشف فوكو نتيجةً لذلك كيف يمكن أن نعدّ “الفن” متجذر في السلطة الرعوية “في إدارة، توجيه، توصيل، إرشاد، الأخذ باليد، ومعالجة الناس فن قادر على مراقبة الناس وحثهم خطوة بخطوة، فن مع مهمة رعاية البشر بشكل جماعي وفردي خلال حياتهم وفي كل لحظة من وجودهم”. مع ذلك فإن فوكو لم يعرض فكرة أن يتم تبني الممارسات اليونانية كما هي telles quelles؛ فهو أوضح أن تلك الممارسات قد روّجت لفكرة الحكم الذاتي والذي ابتكر في الماضي، وقد أضاف بأنه لأي ممارسات جديدة تُبتكر القدرة على جعل الأفراد يحكمون ذواتهم بشكل أفضل.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.