تأخذك إلى أعماق الفكر

منظور “البطل المهووس” .. رسائل سينمائية ودرامية لعالم مُعتَل

توافق “الفنّ والطّب”:

وعلى الرّغم من الاختلافاتِ التَّي تقعُ عادةً، بينَ خيالِ صُنَّاعِ الأعمالِ الفنيَّةِ، والمُتخصّصين في مجالاتِهم في الواقعِ الفعليّ، إلَّا أنّ الطّب هذهِ المرّةَ يتفّقُ مع أغلبِ مايقدِّمهُ صُنّاعُ السّينما والدّراما حول شخصيَّةِ السّيكوباتيّ ودوافِعِه، والألاعيبِ التَّي يلجأ لها للإيقاعِ بضحاياه.

الأعمال ُالفنيَّةُ التّي تتناولُ تلكَ الشّخصيَّة على اعتبارِها خارقةَ الذّكاءِ، تجيدُ حياكَةَ المُؤامراتِ وإعمالِ العقلِ في ألاعيبَ شريرةٍ بهدفِ الانتقامِ، وجدت لها أسانيدَ علميّة ودراساتٍ تؤيّدُ كونَ “السّيكوباتيّين” وعلى الرّغم ممَّا يعانون  من خللٍ وقُصورٍ في معالجةِ المعلوماتِ، إلَّا أنَّهم “مميزون” بشكلٍ ما أو بآخرَ.

في أحدث دراسات جامعة هارفارد المُستندَةِ إلى قائمةِ المُراجعةِ النَّفسيّةِ للمرضى النّفسيّين، والتَّي تُعدُّ المَرجِعَ القياسيّ للجمعيَّةِ الأمريكيَّةِ للأطباءِ النّفسيّين الذّي يتضمَّنُ أكثرَ من 450 تعريفًا مُختلِفًا للاضطراباتِ النّفسيّةِ، فإنّ “الأشخاصَ السّيكوباتيّين” يمتلكونُ قُدرةً مُبهرَةً على التَّصرُفِ، وأنَّ قُصُورَ دماغِهم عن معالَجةِ المعلوماتِ الكافيةِ التَّي من شأنِها أنْ توجّههم لصناعةِ القَرارِ، يجعلُهم أكثرَ شراسةً وتصميمًا على بُلوغِ أهدافِهم، حتَّى لو كانت انتقاميَّةً ومُدمّرةً.

قد يهمك: اعترافات سوسيوباث1

عالِمُ الأعصابِ والنَّفسِ التّجريبيّ “جوشوا باكهولتز”، ذَكرَ في تلكَ الدّراسةِ أنَّه لجأ في تحليلِ “السّيكوباتيّين” إلى أساليب تحفيز سلوكيَّةٍ ووراثيَّةٍ، وتَصويرِ الدّماغِ وتحفيزِ الفَهمِ، لرصدِ سببِ اختلافِ البشر بشكلٍ كبيرٍ في قُدْرَتِهم على ضبطِ النَّفسِ، ووجدَ أنَّ الاختلالَ الوظيفيّ الدّماغيّ لدى السَّيكوباتيّين يؤدّي إلى اتِّخاذِ قراراتٍ مُتهوّرةٍ، مثل الإدمانِ والإيذاءِ والعُدوانِ، وأنَّهم يتصرَّفونَ باندفاعٍ نتيجةَ “عدمِ القُدرةِ على مُمارسةِ ضبطِ النَّفسِ”، وهو أحدُ الأعراضِ الأساسيَّةِ التّي تُبيّنُ وجودَ خللٍ وضعفٍ في نطاقِ الوظائفِ العقليَّةِ.

وكشفَ أنَّ الأمرَ الذَّي يَظهرُ بشكلٍ ساحرٍ على الشَّاشةِ، إنّما يُكلّفُ العالَمَ قرابةَ التريليون دولار سنويًا، لمعالجةِ السُّلوكِ المُعادي للمُجتَمعِ، المُرتبطِ بـ”السَّيكوباتيّين” أو المُعتلّين نفسيًا، ممَّن يُقبِلون على قراراتٍ مُتهوّرةٍ، ويندفعونَ بشكلٍ يؤدّي إلى السِّجنِ وتعاطي المُخدراتِ وإيذاءِ الآخرينَ. ويُوضِّحُ أنَّ الأمرَ مَردُّهُ إلى وجودِ خللٍ في طريقةِ توصيلاتِ الأعصابِ أو التَّشبيكاتِ في الدِّماغِ، يؤدّي إلى قُصُورٍ في التَّعامُلِ معَ المَعلوماتِ، وأنَّ الأمرَ المُشتركَ في المعالَجةِ السِّينمائيَّةِ للأمرِ، أنَّ السَّيكوباتيّ يسيطرُ عليهِ شعورٌ بالمتعةِ الشَّديدِة، تجاَه السُّلوكِ العدوانيّ الذَّي يقومُ به، بديلًا عن الإحساسِ بالذَّنبِ والنَّدمِ عند النَّاسِ العاديّين أو المنضبطيّن نفسيًا، وأنَّه يتعمَّدُ ممارسةَ الأفعالِ الإجراميَّة، لكي يحصلَ على هذا الشُّعورِ الذَّي بشكلٍ ما يجعلُ معنىً لحياتِهِ.

إعلان

وأفاد “جوشوا باكهولتز” بأنَّ قائمةَ المُراجعةِ النَّفسيَّةِ للمرضى النَّفسيين، سجَّلت بناءً على تجارب عديدةٍ ومشاهداتٍ دقيقةٍ، أنَّ السَّيكوباتيّ لديه طريقة ساحرة، لاتُغنِي عن كَونِهِ متهورًا وكاذبًا في كثيرٍ من الأحيان، لايشعرُ بالرّضا والإشباعِ الفوريّ، لذلك لديه نشاطٌ أعلى في الدِّماغِ، ويكونُ حدُّ الإشباعِ عنده يتجاوزُ المعهودَ، إلَّا أنّه في النّهايةِ يُخفِقُ في تحمُّلِ المسؤوليَّةِ عن سُلوكِهِ.

و يحيلنا تحليلُ عالِمِ النَّفسِ والأعصابِ، إلى كافَّةِ الصّفاتِ التّي تنطبقُ تمامًا على بطل “مسلسل you” والجاري تحضيرُ جزءٍ ثالثٍ بعد نجاحه الذَّي تَواصَلَ على مَدارِ الموسميْن الماضيين.

الشّريرُ يُشبهنا

أحد أغرب أشكالِ تَعاطِي المُشاهد مع المُعالجاتِ الدّراميَّةِ والسّينمائيَّةِ للبطلِ المُعتلّ نفسيًا، تمثَّلت في حالةِ إبداءِ تعَاطُفٍ مع الشَّخصيَّةِ الشّريرةِ وإيجادِ “مُشتركٍ إنسانيّ” مع “وحشٍ دمويّ” في هيئةِ إنسانٍ، وهو مايُحيلُنا إلى فلاسفةِ العَقدِ الاجتماعيّ ومنهم الفيلسوفُ الإنجليزيّ توماس هوبز الذَّي يَعتبرُ أنّض “الحالةَ الطّبيعيّة” لعمومِ البشرِ تَصبغها “الهمجيَّةُ”، ليدفعَ بأنّ الإنسانَ كائنٌ شريرٌ بطبعِهِ، ليظهرَ له أضدادٌ بالطَّبعِ، أمثال المفكِّر والسياسيّ الانجليزيّ جون لوك الذَّي يدفَعُ بالنّقيضِ تمامًا و أنَّ الحالةَ الطّبيعيَّةَ للبشريَّةِ هي الحالةُ الجيدةُ.

وقد سارت العديدُ من الأفلامِ والمسلسلاتِ المُتعلّقةِ بهيمنةِ “بطلٍ شرير” مع رؤيةِ هوبز ونظرتِهِ، حيثُ بات المُشاهِدُ أو المُتلقيّ في حالةِ تَماهٍ مع “السَّيكوباتيّ” وإبداءِ التَّعاطُفِ الشّديدِ معَ كُلّ نمطٍ سيكولوجيّ أو سلوكيّ، ينتجُ عن الشُّعورِ بالعجزِ والضّيقِ والانسحاقِ.

وقد وصلَ الإعجابُ بتلكَ الشَّخصيَّاتِ حدَّ الجزمِ بأنّ التّصرف كشخصيَّةٍ سايكوباتيَّة، مماثلة تمامًا للتَّي يتمُّ تجسيدُها ومعالجتُها دراميًا، يمكنُ أن يفيدَ الإنسانَ على صعيدِ حياتِهِ المهنيَّةِ والعاطفيَّةِ، وهو ما صاغّهُ، أستاذُ علِمِ النّفسِ في جامعة أوكسفورد كيفين داتون، في كتابه “دليلُ السّايكوباتيّ الصّالح للنّجاح“.

ودافع داتون عن وجهةِ نظرهِ قائلًا: ” لا يوجدُ شيءٌ بعينهِ يجعلُ المرءَ سايكوباتيّا، وتلك الخصلُ لدى مُعظمِ السّايكوباتيّين لو استخدموها بطريقةٍ مُعيّنةٍ لجعلَتهم الأفضلَ في مجالاتِهم، لأنَّهم يملكونَ الجُرأةَ والإندفاعَ ونقصَ التّعاطُفِ والثِّقةَ المُتزايدةَ بالنّفسِ وقلَّة النَّدم”.

ختاما، وعلى الرَّغم ممَّا يستدعيه مصطلحُ المُعتلّ نفسيًا، أو “البطلِ السّيكوباتيّ”، في أذهاننا، من صور لنماذج سينمائيّة أو دراميَّة عديمة الرّحمة، شريرة بالغة الذّكاء مُتحجِّرةَ القلب، إلّا أنّ كلّ ماسبق لايزالُ يشكِّلُ تيمات فنيّة مُذهلة، ومادّة خصبةٍ للإبداعِ الاستثنائيّ.

نرشح لك: الجوكر “البطل السيكوباتي”.. قصة ما قبل الشر

المصادر:
إذاعة ألمانيا، الصحة العالمية: كل 40 ثانية ينتحر شخص حول العالم.

https://www.dw.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%83%D9%84-40-%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D8%AD%D8%B1-%D8%B4%D8%AE%D8%B5-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/a-50359554
الاعتلال النفسي وفقا لدراسة متخصصة على 400 فيلما.
 https://www.businessinsider.com/famous-psychopaths-study-400-movies-most-realistic-2017-12
بي بي سي .. هل يمكن لصاحب الشخصية السيكوباتية أن يكون قائدا ناجحا؟

https://www.bbc.com/arabic/vert-cap-41920541
30 فيلمًا سيكوباتيا عظيما يستحق وقتك.
 http://www.tasteofcinema.com/2015/30-great-psychopath-movies-that-are-worth-your-time/تعرف على أشهر الشخصيات السيكوباتية في الأفلام السينمائية

https://www.noonpost.com/content/16802

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.