تأخذك إلى أعماق الفكر

مقدَّسات تحت مطرقة النَّقد (عن البخاري وصحيحه)

2- أخر آيات التّنزيل: كمثل حظّ أوّل آيات التّنزيل فقد كان لآخر آيات التّنزيل أيضًا ثلاتة أحاديث صحيحةٌ أوّلها أنّ آخر الآيات هي «اليومُ أكملت عليكم دينكم وأتتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» والثّاني أنّ آخر الآيات هي «ومن يقتل مؤمنا متعمّدًا فجزاءه جهنّم» والثّالث أنّ آخر الآيات هي «يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة».

3-الإساءة للمرأة: عن أسامة عن النّبي قال: «قمت على باب الجنّة فكان عامّة من دخلها المساكين وأصحاب الجدّ محبوسون، غير أنّ أصحابَ النَّار قد أُمِرَ بهم إلى النّار، فإذا عامّة من دخلها النِّساء»، وعن عبد الله بن عمر، قال: «سمعت النّبي يقول: إنّما الشّؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدّار»، وحديث أسامة بن زيد عن النّبي قال: «ما تركت بعدي فتنةً أضرُّ على الرّجال من النّساء»
ففي الأحاديث السابقة تقليل واضحٌ من شأن النّساء، فهنّ غالبيّة أهل النّار، وثانيَا شؤم وفتنةٌ للرّجال وفي ذلك عدم اتّساقٍ مع تصرُّفات الرّسول مع نسائه ومع تعاليمه.

4-خرافات: عن أبي هريرة، أنّ الرّسول قال: «إذا وقع الذّباب في إناء أحدكم فليغمسه كلّه ثم ليطرحه، فإنّ في أحد جناحيه شفاءٌ وفي الآخرِ داء»، وروى البخاريّ في صحيحه عن أنس بن مالك قال: «أنّ ناسًا كان بهم هزلٌ شديدٌ، اجتووا في المدينة فأمرهم النّبي أنْ يلحقوا براعيه _يعني الإبل_ فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلحقوا براعيه فشربوا من ألبانها وأبوالها، حتّى صَلُحت أبدانُهم»
وفي كلا الحديثين تعارضٌ مع العلِمِ الحديث حيثُ أنّ بول الإبل وغمس الذّبابة في الطّعام هي من التّصرّفات المنافيةِ، والمُعارضةِ للصّحةِ السّليمة فهي عاداتٌ قبيليّة قديمة يكاد يستحيل توافُقُها مع نصّ العلِمِ أو الطّبِ الحديث.

5-التّبرك بنخامةِ الرّسول وجوازُ البصق في المسجد: روى أنّ عروة بن مسعود قال لقريش: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنّجاشي، والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّدٍ محمّدًا، والله إن تنخّم نخامًة إلا وقعت في كفِ رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلده».

وروي أنّ الصّحابة كانوا يزدحمون على ماءِ وضوءِ سيّدنا ونبيّنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام يتبرّكون به، وإذا تنخّم أو بصق يأخذون ذلك ويتمسّحون به، وازدحموا على الحلّاق عند حلقِ رأسه، واقتسموا شعره يتبرّكون به، وشرب عبد الله بن الزّبير دمه لما احتجمَ، وشربت أمّ أيمن بولَه، فقال لها: “صحّة يا أمّ أيمن”.

إعلان

وحديث أبي هريرة، أنَّ رسول الله رأى نخامًة في جدار المسجد فتناول حصاه فحكّها فقال: «إذا تنخّم أحدكم فلا يتنخّمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى».
بالإضافة إلى وجود العديد من الأحاديث الأُخرى التّي يظهر جليًا فيها التّعارضُ مع المنطقِ والتّصرُّفِ السّليم كحديث إرضاعِ الكبير، وأحاديث أخُرى تُسيءُ إلى الرسول كحديث نومه عند إمرأةٍ متزوجةٍ وحديث أمره، بالقتلِ والتّمثيلِ بجثث بعض الأشخاص.

إنَّ اعتمادنا المُطلقَ على تراث الأقدمين، والاتّباع المُطلق لكلّ ما كتبوه وكأنّهم وحدهم حاملو شعلة العلم الوضّاءة، يسري بنا إلى إلغاء إعمال عقلنا، وتقديم الموروثاتِ -فالخيرُ في اتّباع من سلف، والشّر في اتّباع من خلف- وفي ذلك الاعتماد على ينبوع القدامى في ريّ ظمئنا تاركين نهر الحاضر، غاضّيْن أبصارَنا عامدين مُعتمدِين أنّ التُّراث هو العلم والمعرفة المُطلقة، بينما جلّ ما في التّراث هو إجتهادات وأراء -ليست شخصيّة- إلى حدٍ كبير، وليست من المعرفة في شيءٍ، لذا فإنّ إدراجها في صفّ المعرفةِ أو العلم المُطلق خاطئ إجمالًا.

بالإضافة إلى أنّ هذا التّقديس المُطلقَ للتّراث يؤديّ تباعًا إلى ركودٍ في التّفكيرِ المُعاصر، وانسياقٍ تامٍ خلف رواياتٍ تاريخيَّةٍ ما قبل حداثيَّةٍ، فالرّفضُ التّامّ أو القطيعةُ المعرفيّة للتُّراثِ إجمالًا هو فعلٌ أهوج، لكنّ التّسليم المُطلقَ بكلّ ما جاء به هو لبُّ الحماقةِ بعينها. إنّ إعمال العقل هبةٌ تميّزَ بها البشرُ عن غيرهم « إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، لكنّ اتّباع النّقل يؤديّ بنا إلى مصافِ الكائناتِ غير العاقلة، فما بين النّقل والعقل، ما بين الاتّباع والابتداع، ما بين تبنيّ تراث الأقدمين جملةً وتفصيلًا أو محاولةِ تفكيكِهِ وتحليلهِ بحسٍّ نقديّ كي تسمو بذلك ثقافتنا العربيّة، وينهضَ العقلُ العربيّ من سباتِهِ الذّي دام نحو أكثر من ألف عام.

فالنّهضة العربيّة لا تتحقّق إلّا بالعودةِ إلى الأصولِ، والوقوف على كيفيّة تشكُّلِها والتّمييزِ بين المعقولِ واللّامعقولِ منها بهدف بناء الذّات العربيَّةِ وتطويرها بالشّكلِ الذّي يسمح لها بالوجود على ساحة الفِكْرِ الإنسانيّ المُعاصِرِ، فالتُّراث يمثِّلُ عنصرًا أساسيًّا في عمليّةِ تكوين وتشكيلِ العقلِ العربيّ الإسلاميّ معرفيًا وسُلوكيًا. فالإنسانُ العربيّ مُؤطّرٌ بتراثه، أيْ أنّ التُّراث يعتريه ما يعتريه ممّا يفقدهُ إستقلاليّته وحريّته، فهو يتلقّى تراثه منذ ميلاده ككلماتٍ ومفاهيمَ، كلغةٍ وتفكيرٍ، كحكايات وخرافاتٍ وخيالٍ، كطريقةٍ في التّعامل مع الأشياء، كأسلوبٍ في التّفكير، كمعارف وحقائق.[10] لذا فمن الضّرورةِ العودة إلى التّراث ولكن ليس بغرضِ تقديسهِ جُملةً وتفصيلًا ولكن لنقدهِ وإختبار مصداقيَّته كي نصبو إلى مصيرنا ومصير ثقافتِنا المرجوّةِ.

المراجع
[1]. ما وراء تأسيس الأصول –د.علي مبروك.
[2]. سير أعلام النبلاء – شمس الدين الذهبي.
[3]. تاريخ بغداد – الخطيب البغدادي.
[4]. أصول السنة –للإمام أحمد بن حنبل.
[5]. صحيح البخاري نهاية أسطورة –رشيد إيلال.
[6]. أقدم المخطوطات العربية في مكتبات العالم المكتوبة منذ صدر الاسلام حتى 500 هـ -كوركيس عواد.
[7]. أضواء على السنة المحمدية – محمود ابو رية.
[8]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري – لابي حجر العسقلاني.
[9]. جناية البخاري: إنقاذ الدين من إمام المحدثين – زكريا أوزون.
[10]. العقل العلمي العربي - خالد قطب.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد حسن

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.