تأخذك إلى أعماق الفكر

بينهم حائز على جائزة نوبل، تعرّف على علماء مسلمين يقبلون نظرية التطور

عرض لبعض أبحاثهم وإنجازاتهم

الجدل حول نظرية التطور في العالم العربي والإسلامي لا يهدأ، بل يستمر ويتجدد مع كل “ترند” جديد. رغم ذلك فإن أغلب النقاش حول النظرية لا يكون في شقها العلمي، إلا في تفاصيل دقيقة للغاية لا تعطي المساحة للمتعاركين حولها في الغالب من الإطلاع على أساسيات هذا العلم ونظرياته الأساسية. في حين أن أغلب النقاش يكون حول رفضها من منطلق ديني، مع إدعاءات أن التطور (رغم عدم الإطلاع الكافي لدى الكثيرين على أساسياته للأسف) يؤدي إلى الإلحاد وأنه يهدم العقيدة وغيرها من الدعاوى. وخطورة هذا الموقف، رغم تفهمي لمنطلقات متبنيه وأسباب تبنيهم لهذا الرأي، لا تكمن فقط في رفض النظريات العلمية أو التبخيس من قدر العلم،  بل الأخطر هو وضع العلم في صراع مفتعل مع الدين تدفع بالكثيرين إلى اختيار طرف مقابل الآخر في معركة صفرية أو تبدو كذلك.

وهذه النظرة، رغم خطرها على التفكير والبحث العلميين في العالم العربي والإسلامي، تُشكل خطرًا أكبر على الإيمان والدين، بربطهما في صراع لا يمسهما من الأساس. فالكثير من العلماء التطوريين المؤمنين أسهموا في وضع نظرية التطور وتوسيعها على مدار الـ150 عامًا الماضية، ومنهم آسا غراي، أهم علماء النباتيات في القرن التاسع عشر والذي تواصل مع داروين نفسه، وثيودور دوبجانسكي أحد مطوري النظرية في القرن العشرين، أو كينيث ميلر أحد أبرز المدافعين عن النظرية في وقتنا الحالي.

لكن في هذا المقال نود الإشارة إلى جانبٍ آخر من عدم التعارض هذا، وهم العلماء المسلمون الذين يقبلون نظرية التطور بل ولدى العديد منهم إنجازات في ميدان الأبحاث التطورية بالفعل. هدفي من هذا المقال هو التعريف ببعض العلماء الذين أسهموا في مجال التطور، وتبيين أن البعض يبحث عن نقاط تلاقي بينما البعض يبحث نقاط تعارض، وأن من يبحث عن هذه أو تلك سيجد ما يبحث عنه.

الدكتور محمد نور

دكتور محمد نور هو رئيس قسم  علم الأحياء في جامعة ديوك، متخصص في علوم التطور والوراثيات. يتخصص في تطور ذبابة الفاكهة (دروسوفليا) وعملية الانتواع  وكان من أوائل العلماء الذين أظهروا الانتواع بالتجربة عن طريق الانعزال التكاثري. كما أنه محرر مجلة “التطور” العلمية ورئيس “نور لاب” في جامعة ديوك.

إعلان

حصل الدكتور محمد نور على ميدالية داروين-والاس من الرابطة اللينية في لندن لقيمة أبحاثه في مجال التطور ويقدم مساقًا خاصًا بالتطور والأحياء على منصة كورسيرا. [1]

الدكتورة علياء كيوان

باحثة بيولوجيا جزيئية في جامعة هايدلبرغ، ألمانيا. فلسطينية الأصل وأردنية المنشأ. حاصلة على الدكتوراة في الأحياء الجزيئية من جامعة هايدلبرغ ومركز السرطان الألماني وكانت طالبة لدى الدكتور أوغور شاهين مكتشف لقاح كورونا.  وهي أيضًا مديرة مجلة وجمعية المرأة العربية في ألمانيا وعضوة في شبكة زدني التعليمية ومنصة فتبينوا لمكافحة الخرافات.

من هوايات الدكتورة علياء كيوان الكتابة وتبسيط العلوم ولها  مشروع سلسلة قصص علمية للأطفال (صوفيا الباحثة الصغيرة) لحث الأطفال على استخدام المخيلة والمنهج العلمي.

الدكتور هشام سلّام

عالم جيولوجيا مصري حاصل على شهادة دكتوراة في الحفريات الفقارية من جامعة أوكسفورد ببريطانيا.  مكتشف ديناصور المنصوراصورس والذي كان أول ديناصور يكتشفه فريق مصري بالكامل.

يحكي الدكتور هشام عن التحديات التي واجهته عندما سافر إلى جامعة أوكسفورد أول مرة قائلًا:

“كنت كمعظم الشرقيين أميل إلى العزلة. وكنت أيضًا أؤمن بأن “التطور خرافة”، وأن أتباع تلك النظرية “ملحدون”. أما التحدي العلمي فتمثَّل في “معرفة (صفر) معلومة عن الحفريات الفقارية”.

بعد شهرين من وجوده في البعثة، قرر مراجعة أفكاره. سواء على المستوى الثقافي أو العلمي. أدرك بعد شهور أخرى قضاها في الدراسة أن التطور هو الحياة!”

أسس الدكتور بعد عودته إلى مصر مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ويستضيف فيه الكثير من الزوار من الكبار والصغار والرجال والسيدات المهتمين بالعلم، إذ أنه يؤمن بأهمية تربية الجيل على الأحلام، ويطلق على زوار المركز من الأطفال “زملاء المستقبل”.

يرأس الدكتور هشام سلام فريقًا من الباحثين والذين يشرف على تدريبهم، وقام فريقه خلال العام المنصرم 2020 بنشر العديد من الأبحاث والملخصات في مجلات ومؤتمرات متخصصة ناهيك عن تنظيم رحلات استكشافية للصحارى المصرية متاح للهواة المشاركة بها.[2]

الدكتورة رنا دجاني

دكتورة رنا دجاني عالمة أحياء خليوية وأستاذة البايوتكنولوجي بالجامعة الهاشمية بالأردن. حصلت الدكتورة رنا على شهادة الدكتوراة من جامعة أيوا ولها أبحاث حول الخلايا الجذعية.

حصلت الدكتورة على جائزة فولبرايت الثقافية مرتين كما أنها زميلة في معهد رادكليف بجامعة هارفارد، وسبق لها التدريس في مركز  جامعة ييل للخلايا الجذعية ومركز جامعة كامبريدج للخلايا الجذعية.

الدكتورة رنا دجاني تعرّف نفسها كثيرًا بأنها ترتدي أكثر من قبعة، أو أكثر من حجاب بما أنها محجبة. منها دور الأم والمعلمة، فإن لها الكثير من المشاريع والمبادرات التعليمية في العالم العربي، لعل أبرزها هي مبادرة “نحن نحب القراءة” والتي انطلقت لتشجيع الأطفال على حضور حلقات قراءة في مساجد أحيائهم. كبرت المبادرة ودربّت أكثر من 7000 امرأة على مهارات القراءة لنشر ثقافة القراءة بين البيوت والأسر.

نشرت الدكتورة دجاني مقالًا في مجلة نيتشر حول تدريسها التطور لطلابها المسلمين. ففي محاضراتها الجامعية تقوم الدكتورة بشرح نظرية التطور لطلابها، ودفعهم للتفكير فيها ومناقشتها باستقلالية. هدف الدكتورة هو تعليم الطلاب منهجًا عقليًا يمكنهم من تكوين آرائهم بدلًا من التسليم بلا تفكير.[3]

الدكتور إيهاب أبو هيف

الدكتور إيهاب أبو هيف، هو بروفيسور أحياء تطورية في جامعة مكغيل الكندية وأستاذ وباحث في جامعة ولاية أريزونا بأمريكا، كما أنه رئيس سابقٌ وعضو مؤسس للجمعية الأمريكية للتطور النمائي، وعضو في الجمعية الكندية للعلوم ومحرر لمجلة Molecular Developmental Evolution العلمية.

تهدف أبحاث فريقه إلى فهم الكيفية التي تتفاعل بها الجينات مع البيئة خلال التطور لتنتج التنوع في السمات الظاهرة للكائنات (Phenotype)، كما أن لدى البروفيسور وفريقه ما يربو على 60 بحثًا منشورًا، منها أبحاث في مجلتي نيتشر وساينس.

للدكتور أبو هيف مناظرات يرد ويفند فيها على دعاوى رافضي التطور مثل هارون يحيى، وفيها يستشهد ببعض أبحاثه التي يقوم بها في معمله، مؤكدًا أن نظرية التطور لا تتعارض بتاتًا مع إيمانه والتزامه بالإسلام.

الدكتور عزيز سنجار

الدكتور عزيز سنجار هو بروفيسور أحياء خليوية تركي، حائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2015 عن أبحاثه حول أليات معالجة الحمض النووي (DNA repair). وهو بروفيسور أحياء في جامعة نورث كارولينا في تشابيل هيل بأمريكا وتهتم أبحاثه بآليات معالجة الحمض النووي والساعة البيولوجية للثدييات.

أبدى سنجار استياءه لقرار إزالة تدريس التطور من مناهج التعليم التركية، واصفًا إياها بـ”المعارك الفارغة” التي تخلف صراعات وأزمات لا داعي لها، معلقًا بأنه “مؤمن بالله، ولا يشكل فارقًا كون التطور حدث أم لم يحدث. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. مؤكدًا في الوقت ذاته أن “التطور حقيقة لا يمكن إنكارها، فليقل من شاء ما شاء. لا يمكن تغطية الشمس بالغربال“.[4]

سألني أحد الشباب يومًا عن العلم والإيمان. أجبته قائلًا: أنا مسلم ومؤمن بالله. لا يوجد شيء اسمه الإيمان بالتطور. التطور حقيقة وليس مسألة إيمان.

الدكتور محمد سامح

مسلمين يقبلون نظرية التطور

الدكتور محمد سامح، مدير إدارة الجيولوجيا والحفريات بقطاع حماية الطبيعة بجهاز شئون البيئة في مصر، كما أنه مدير عام لمحمية وادي الريان التي تم تسجيلها ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، وبفضل الإدارة والرعاية الممتازة للمحمية فقد حازت على المركز الاول في تقييم الاتحاد الدولي لصون الطبيعة التابع لموقع التراث الطبيعي العالمي.

شارك الدكتور في عدة أبحاث واستكشافات في مصر، منها اكتشاف نوع من الحيتان القديمة “إيجيسيتوس جيهيني” (Aegicetus gehennae) قد يمثل حلقة وصل بين الحيتان التي مشت على أقدام والحيتان البحرية، واكتشاف حفرية أول طائر بجع في مصر في فترة الإيوسين منذ 35 مليون سنة والذي يفتح مجالات جديدة للبحث عن أصل الطيور.

الدكتورة سناء السيد

مسلمين يقبلون نظرية التطور

دكتورة سناء السيد هي نائب مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية ومدرس مساعد بقسم الجيولوجيا. وهي عضوة في فريق الدكتور هشام سلام البحثي. كانت سناء السيد ضمن الفريق البحثي الذي اكتشف ديناصور المنصوراصورس، ولها أبحاث عن تطور أنواع الأسماك القديمة في مصر، إذ هي تعتبر أول باحثة في الحفريات الفقارية في الشرق الأوسط تتمكن من النشر في دورية علمية مرموقة هي دورية بلوس وان.[5]

اختيرت الدكتورة سناء السيد من ضمن بعض الشخصيات النسائية العلمية الناجحة في العالم ، وتم سرد قصص نجاحهن وتجاربهن العلمية في كتاب “Rebels, Scholars, Explorers” الصادر من جامعة جون هوبكنز الأمريكية.

الدكتورة فاطمة جاكسون

الدكتورة فاطمة جاكسون هي بروفيسورة علم الأحياء بجامعة هوارد بأمريكا ومديرة مركز مونتايغ كوب البحثي. تتركز أبحاثها حول علاقة تطور البشر بالنباتات، كتأثير المواد الكيميائية النباتية على العمليات الأيضية لدى البشر.

فاطمة جاكسون هي أيضًا عالمة أنثروبولوجيا حيوية، وتدرس تاريخ الأمريكيين الافارقة حيويًا كما أنها طورت نظامًا حسابيًا لتحليل الفوارق الصحية بين المجموعات الإثنية المختلفة. حازت فاطمة جاكسون على جائزة تشارلز داروين من الرابطة الأمريكية للأنثربولوجيا، وتعد أول أمريكية من أًصل افريقي تحصل على هذه الجائزة.[6]

للدكتورة فاطمة جاسكون أيضًا بعض الندوات حول التطور والدين، وتقول أنها درست التطور ولم يمنعها ذلك من أن تصبح مسلمة

الدكتور شعيب أحمد مالك

مسلمين يقبلون نظرية التطور

أستاذ مساعد بجامعة زايد بدبي، حصل على دكتوراة في الهندسة الكيميائية من جامعة نوتنغهام في بريطانيا والتحق منذ تخرجه بعده معاهد إسلامية.  الدكتور شعيب يصف نفسه بأنه “عالم ترك المجال العلمي للمجال الفلسفي اللاهوتي”، فهو وإن لم يكن متخصصًا في علوم التطور فقد  تخصص فيما بعد في نطاق فلسفة العلم والدين والإلحاد والعلاقة بينها، ويعد الآن دكتوراة في هذا المجال ناهيك عن العديد من الأبحاث والكتب التي نشرها بالفعل.

يعقد الدكتور شعيب عدة لقاءات على قناته على اليوتيوب مع معهد فاطمة إليزابيث يشارك فيها مع العديد من العلماء والمفكرين والباحثين المسلمين والغربيين عن مواضيع علمية ودينية وفلسفية عديدة من بينها التطور وعلاقة النظرية بالدين الإسلامي وإشكالاتها الفلسفية وغير ذلك الكثير.  كما أنه يستعد لإطلاق كورس “التطور والإسلام” في الـ23 من يناير الجاري بالتعاون مع العديد من الباحثين المسلمين؛ وهي مادة جامعية معتمدة من 4 معاهد ومراكز بحثية إسلامية وتتناول نظرية التطور وتاريخها وعلاقتها بالإسلام وإشكالياتها الفلسفية والدينية والأطروحات الموجودة التي تحاول التطرق للقضية.

كما ترى، كل هؤلاء العلماء والباحثين مقتنعون بنظرية التطور ولا يرونها تتعارض مع إيمانهم البتة. ويمكننا أن نطيل القائمة أكثر من ذلك، ونضيف أسماءً مثل الدكتور أحمد شوقي حسن، أستاذ علوم الوراثة بجامعة الزقازيق ومؤلف كتاب “ثلاث قصص علمية”، أو الدكتور سامي زلط، أستاذ علم الحيوان بجامعة قناة السويس ومترجم كتاب “لماذا التطور حقيقة”، ناهيك عن علماء في مجالات أخرى غير التطور مثل نضال قسوم وباسل الطائي ومعتز إمام وعلاء الدين السبيعي، وغيرهم الكثيرين ممن لا يرفضون لا العلم ولا الإيمان عند أول لحظة تعارض بل يحاولون البحث عن إجابة. ولم يمنعهم كذلك من الاستمرار في البحث العلمي، فالعلم كما ترى ليس حكرًا على فكرة أو عقيدة أو مذهب معين بل هو -رغم كل الإشكاليات الموجودة- نتاج لتراث وتفاعل إنساني عالمي.

نرشح لك: آدم -عليه السلام- بين نظرية التطور ونصوص الخلق

[1] Introduction to Genetics and Evolution - Mohamed Nour
[2] هشام سلام من مشتول السوق إلى منصوراصورس 
[3] لماذا ادرس نظرية التطور لطلابي المسلمين؟
[4] Nobel Ödüllü Aziz Sancar'ın Evrim Hakkındaki Düşünceleri: Evrim Bir Gerçektir
[5] حفرية قرموط وادي الحيتان: حوار مع الباحثة المصرية سناء السيد
[6] Fatimah Jackson to Receive the Charles R. Darwin Lifetime Achievement Award

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زياد حسنين

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.