تأخذك إلى أعماق الفكر

مرحلة المرآة في فيلم الجوكر: لاكانيات سينما التحليل النفسي

تفقد ذات آرثر فليك عن وجودها أية حقيقة قد تستند عليها مُنذ حدث ولوجها إلى المسرح المرآوي. لقد وقع الجوكر في شباك “آخر” المرآة {الأنا التخيلي}؛ الذي ليس بصورة واقعية، مثل اختلاقاته النرجسية ل “ذات المهرج”،هي في أغلب الأحوال استثمارات مسحوبة دومًا من تأليفات المرآة وتاريخها العابث بتشكل الأنا. ومن هنا كانت المرآة بالنسبة له، منطقة تقع بين المُقبِل وما مضى؛ بين الحقيقة والوهم، بين الخيال والواقع، بين الوعي واللاوعي. ما من حقيقة تترآى “لآرثر فليك” حول هويته الذاتية، إنه يعيش أمام المرآة قلق الشتات الجسدي والاستلاب الذاتي والعودة إلى سديم الصُور العتيقة القابعة في خوافي النفس.

تظهر الحاجة إلى المرآة لدى “آرثر فليك” في لحظات التّفكك النفسي. حيث يبدأ في الالتفات إلى تلك الصورة المُتوحدة – آرثر الفرح – ليرى ما الذي طرأ عليها بالفعل، وما الذي تعكسه مما يجري في داخله، وما الذي ينوي عمله بعد ذلك كُله. فالمرآة إذن تعكس إلى الخارج ذلك العالم الداخلي لشخصية “فليك”. لنقل أن نشأة القناع الأخير المُعبِّر عن “جوكر” قد كانت من حُطام الوجه الأمومي بوصفه مرآة لآرثر فليك. كما لا يعود منشأ المرض الذي شُخص به “جنون الضحك المرضي” أو “إضطراب التعبير العاطفي اللاإرادي” إلى سبب أو منشأ عضوي كما احتُمِل في الفيلم، إثر تعرّض هذا الأخير للضرب في رأسه أثناء طُفولته.

فمن زاوية نظر أخرى، نُرجع هذا الاعتلال النفسي عند “آرثر فليك” إلى اضطرابات الوجه، الذي تعتصر في واجهته ثنائية المشاعر المتناقضة {ضحك / بكاء}. بمعنى أوضح، إن آرثر فليك مُتوحد مع الصورة المفروضة عليه من الأم الفصامية، صورة المهرج الفرح happy دومًا، وهو اللقب الذي كانت تناديه به. بينما هذا القناع، الذي تُحمَلُ عليه شخصية personna جوكر، تتناقض تمامًا مع داخله المؤلم والتعيس. وربما هذا ما يفسر لنا ضحكاته القهرية، إنها ضحكات مذبوحة – مثل تلك الابتسامة التي رسمها على خذوذه في مُنتهى الفيلم – لأنها لا تعكس حقيقة ذاته.

أما المرآة فقد شكلت الفضاء المُتوثر الذي تستيقظ فيه هذه البنية الفصامية لدى “آرثر فليك”، والتي حاول فهمها من منطلق ذاتي، فجمع النقيضين معا قائلًا: “كنت أعتقد أن حياتي تراجيديًا، أما الآن فصرت موقنًا أنها كوميديا”. أو ليست ذات البطل تعيش فصامها السعيد !
ما من مشهد سُريالي وغير مُتوقع، كفعل مَبيت “آرثر فليك” داخل ثلاجة بيته، بعد قتل أمه، مُحاكيًا في قُعوده وضعية الجنين وهو لا يزال في بطن الأم. فبكيفية لاواعية أخذت الثلاجة على خشبة المُتخيل، شكل الرحم البارد، والذي فيه سيحدث مخاض ولادة شخصية “جوكر”، وإحداثه القطيعة التامة مع الهويات السابقة، وهو يعيش جدلية البناء والتخريب إزاء رغبته. لننتبه في هذا المشهد إلى دلالة الصورة الخصائية من الناحية اللاشعورية. فقد وجدت “المرآة المزيفة” الحاملة صورة تعريفية عن “آرثر فليك” انكسارها الرمزي في انمحاء “وجه الأم الوهمية”. كيف ذلك؟ وبماذا يُفسّر هذا الاقتران؟

إن وجه الأم يُعد أول مرآة للطفل، إذ هناك مرآة تسبق مرحلة المرآة، وهي تلك التي تتكون من خلال النظرة المتبادلة بين “عين الطفل” و “وجه الأم”، حيث ينعكس وجه الأم بوصفه “مرآة” يرى فيها الطفل ذاته ويُمكنه من خلالها أن يُطل على العالم الخارجي. يُمكن القول أن هذه التجربة، كما عدّت على مُتخّيل “آرثر فليك”، قد منحته انعكاسًا لوجوده من داخل وجه أمه. ولذلك، فبعد اكتشافه لحقيقة كونه ابن بالتبني، حدثت لديه صدمة عميقة أعادت له اضطراب الزمن المرآوي. إن قتل “الأم الوهمية” قد أشرط من حيث السبيية النفسية بانكسار المرآة المزيفة – أي صورته حول ذاته التاريخية، هذه الصورة المنسوخة من وجه الأم باعتبارها مرآة كما بيّنا ذلك. الشيء الذي يشرح لنا توترات القناع كوجه مرآوي، كُتب فيه القدر المأساوي لشخصية جوكر*.

إعلان

إلى جانب ما ذُكر، نرى أيضًا أن الدلالة الرمزية للقناع تحتوي كل صور التخريب والتدمير للوجوه الأخرى، وجه المجتمع ووجه الأم المزيفة والوجه الخصائي للأبوة ووجه النظام بالأساس. فالجوكر هو رمز لشخصية تفصل بين هويتها النفسية وقناعها الرمزاني هوة سحيقة تجعل من التطابق مع “الدال” السيد (القيم والأفكار والأيديولوجية) مسألة شبه مستحيلة.

ختم:

أيصحُّ الكلام عن جوكر المرآة ؟ أو بصياغة أخرى، هل هنالك من صلة لشخصية جوكر في وجودها وتخليقها بالمرآة ؟ إذا ما أخذنا بفكرة كون المتخيل هو ما يعكس الرغبة في الصورة التي تحملها الذات عن نفسها، سيبدو لنا أن هذا الأنا الآخر alter-egoالذي يحاول “آرثر فليك” بجنون العثور عليه في نفسه، هو صورة “جوكر” التي وجدها خارج ذاته “آخر الذات”. وهي صورة رامزة – من وجهة نظر التحليل النفسي – إلى صراع ذاتي محضنُه المرآة. لهذا كانت هي الشاهد الحقيقي على ميلاد وموت فونتازم جوكر، لأنه صورة عن اللاوجود أو ما لا يوجد وراء المرآة (15). وكانت أيضًا كيفية لأقأويل حُمق “جوكر”، بقلب معنى الحمق، كما جاء في وصف لاكان للهوية المستلبة: فهذا الأخير هو من يقول إنه هو الآخر (16).

يُصيب الجمهور بدوره نصيب لا محدود من بدع ودُوار وأوهام هذا المسرح المرآوي. فالشاشة السينمائية هي أيضًا مرآة تعكس لنا صور الآخر في ذواتنا نحن. ليس “جوكر” بشخصية سجينة الزمن الفيلمي ومنتهية الصلاحية خارجه، فهناك صدى لهذه الشخصية على صعيد كل ذات تعيش تشوشها الخاص مع المرآة. إذ ثمة مهرج نائم في لاوعي كل واحد منا، واستيقاظه يعني أن هناك ذاتًا تخيلية تطفو على سطح وعينا المشوش بحقيقة كاذبة عن أنفسنا.

بقي أن نختم هذا العرض التحليلي النفسي، بإيداع حكمة وجيزة في بريد الفيلم، تقول: “عندما يوضع الإنسان في قفص فإنه يتخبط في البداية، ثم يبدأ بتزيين قفصه”. فالمرآة كاستعارة للقفص هي المكان الذي سجن فيه الأنا التخيلي الذي منه انحدرت شخصية “جوكر” في فيلم دافيد فيشر، أما تلك الزينة التي توضع على القفص/المرآة، فهي كل التشكيلات الوهمية المُضفاة من طرف ذات غائبة يقع وجودها خارج تفكيرها في نفسها “يوجد جوكر حيث لا يفكر”. ما من شك، أن حصاد هذه التفسيرات يؤول إلى الخلاصة اللاكانية المسحوبة من مرحلة المرآة. وهي أشبه ما تكون بديلًا أركيولوجيًا حول تاريخ “الأنا” منظور له كبنية قصة خيالية.

هوامش:
1. يجري وصف مرحلة المرآة من خلال محاضرتين: مرحلة المرآة the looking-glass phase المقدمة لأول مرة إلى المؤتمر الدولي الرابع عشر للتحليل النفسي المنعقد في مارينباد marienbad سنة 1936 تحت رئاسة إرنست جونس. و مرحلة المرآة باعتبارها مُشكِّلا لوظيفة "الأنا"؛ مداخلة قدمها لاكان إلى المؤتمر الدولي السادس عشر للتحليل النفسي بزيوريخ، في 17 يوليوز 1949. راجع: المجلة الفرنسية للتحليل النفسي، العدد 4 أكتوبر – نوفمبر 1949، ص ص 455 – 499.
2. جاك لاكان، مجلة بيت الحكمة، العدد الثامن، السنة الثانية، مطبعة النجاح الجديدة، 1988، ص 19. 
3. جاك لاكان، موسوعة ستانفورد للفلسفة، ترجمة: سليمان السلطان، "مرحلة المرآة، الانا، الموضوع"، عن موقع حكمة من أجل اجتهاد ثقافي وفلسفي.4. يبدو أن جاك لاكان يستعمل تعبيري "مرحلة المرآة" أو "طور المرآة" دون تمييز بينهما، مع ميل خفيف إلى تفضيل التعبير الثاني.
5. هذا التطور في تفكير جاك لاكان يتضح في مقالته الأخيرة بعنوان "تخريب الموضوع وجدلية الرغبة".
6. كاترين كليمان، التحليل النفسي، ترجمة، محمد سبيلا، حسن أحجيج، منشورات الزمن، 2004، ص 57.
7. راجع: جاك لاكان، بعض الانعكاسات على الأنا، 1953.
8. كاترين كليمان، التحليل النفسي، مرجع مذكور، ص 57.
9. جاك لاكان، مجلة بيت الحكمة، مرجع مذكور، ص 26.
10. Jacques lacan , L’angoisse ; 1962-1963.
11. لاكان، بيت الحكمة، مرجع مذكور، ص 40.
12. نفس المرجع، ص 43.
13. راجع: جاك لاكان، الكتابات، ص 101.
14. راجع: لاكان، الكتابات، ص – 181 (أقوال حول السببية النفسية). 
* نفهم مع لاكان أن اللاشعور مصاغ وفق أثر الشيء الذي يفعل فعله ليشكل الذات. (وضعية اللاشعور؛ كتابات، 1966).
15. تبرز ظاهرة التماهي المرآوي المصاحبة لنمو الأنا، كمعيار مُنظم لمسار حياتها، والذي لا يستطيع أن يوجد إلا من خلال اختفاء الصورة وراء المرآة: فوحدة الأنا يلازمها الموت كغياب – ومن تمت يتبين "عدم الوجود" أو "الفقدان لوجود" الذي يسم كينونة الذات، وحيث الموت المقيم كصورة في المرآة، هو إذن النهاية القادمة لكل حياة، إنه النهاية الحاضرة منذ البدأ في الانفتاح الذي يشكل المتخيل.
16. التحليل النفسي، مرجع مذكور، ص 58.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: يوسف عدنان

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.