تأخذك إلى أعماق الفكر

متى كُتبت التوراة؟

بدأت التنقيبات الأثرية في فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكان السبب الرئيسي للتنقيبات هو إثبات صحة التاريخ التوراتي بالبحث عن أدلة أثرية داعمة للتفاصيل التاريخية التي وردت في العهد القديم، فما حدث وقتها كان محاولة لاستنطاق الاكتشافات الأثرية لتشير إلى نتائج محسومة مسبقًا.
مع تقدم الزمن وإجراء الكثير من التنقيبات ظلت الهوة تتسع بين ما تنطق به الاكتشافات الأثرية وبين ما يريد الباحثون إجبارها على قوله، وأصبحت المهمة أصعب على المدرسة المحافظة بقيادة وليام أولبرايت وأتباعه في سد الفجوات التي بدأت في الظهور بقوة أمام منهجهم البحثي.

في سبعينات القرن العشرين بدأ الاتجاه الراديكالي باقتحام المشهد بنظرياته التي قلبت مسار البحث تمامًا، أصبحت الشواهد الأثرية حرة لتخبرنا بالحقيقة أو الاقتراب منها بأكبر قدر ممكن، وبينما كان البحث قديمًا يدور حول إثبات الوجود التاريخي لعصر الآباء والمملكة الموحدة أصبح الكلام في هذا اليوم مجرد حديث عابث لا يؤخذ على محمل الجد. وكان هذا ما أنتج الجيل الجديد من الباحثين المحافظين.

بخلاف المدرستين المحافظة والراديكالية لدينا نظرية مهمة استعملها الباحثون المحافظون في أبحاثهم، وهي نظرية المصادر التي قدمها يوليوس فلهاوزن بوجود أربع مصادر للنص التوراتي: المصدر الإلوهيمي (يرد فيه الإله باسم إيلوهيم)، المصدر اليهوي (يرد فيه الإله باسم يهوه)، المصدر التثنوي (يبدأ من سفر التثنية وينتهي بالملوك الثاني، وتُدعى بالأسفار التاريخية)، المصدر الكهنوتي (المصدر الذي يضم الجزء الباقي المتعلق بالتشريعات والأمور الكهنوتية). وأورد فلهاوزن أن الأسفار الأولى الخمسة (التناخ) -التي ظُن لزمن طويل أن كاتبها هو موسى نفسه- لم يكتبها شخص واحد ولم تدون في نفس الفترة، بل إن كل منها له خلفيات وأهداف مختلفة.

الأيديولوجيا التوراتية تحت مجهر التاريخ:

على ضوء الأبحاث الحديثة للاتجاه الراديكالي تراجعت المدرسة المحافظة كثيرًا عن غاياتها في إثبات تاريخانية كل العصور، وانحصر الخلاف بالتدريج بين المدرستين في عصر صعود مملكتيّ السامرة (إسرائيل) ويهوذا، وحول وقت التدوين. لكن الاكتشافات الحديثة جعلتهم يتفقون حول عدم تاريخانية عصريّ الآباء والمملكة الموحدة، بخلاف النقش المكتشف في بيت دان المكتوب عليه “بيت داود” والذي لا يحمل أي أهمية حول تاريخانية شخصية داود، من المحتمل أن هناك زعيم لقبيلة في منطقة المرتفات باسم داود، لكن الأكيد أن داود هذا لا يتماس في أي شيء مع داود التوراتي لما قدمته التنقيبات الأركيولوجية من أسباب، ومن المرجح أن المحرر التوراتي استخدم الاسم فقط، بالأخص أن ممثل الجانب المحافظ الحديث إسرائيل فلكنشتاين لا يختلف حول أن التاريخ التوراتي هو تاريخ هويّاتي أيديولوجي، فالنقاش حول وجود تاريخي لشخص اسمه داود مجرد عبث لن يفيد في مجرى البحث.

يصر إسرائيل فلكنشتاين في مناطق متفرقة من كتابه “التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقها” أن مطلع عصر الحديد أتى ببداية تكوّن ثقافة مختلفة عن الثقافة الكنعانية، لكنه يناقض كثيرًا من الأدلة الأركيولوجية والتاريخية التي يوردها هو نفسه. في أحد المقاطع يورد نص من سجلات سرجون الثاني التي تحكي عن كيفية استيلاء آشور على إسرائيل، ومما ذكره من ضمن الغنائم هو سبي آلهتهم، مما يشير إلى الجو التعددي الذي ينتمي إلى ثقافات الشرق القديم، والدمى العشتارية المكتشفة في العديد من المواقع التي تشير إلى آلهة كنعانية، على الأرجح أن يهوه هو بعل تحت مسمى آخر، وقد تم تحوير صفاته على يد عزرا ونحميا ليصبح إله توحيدي شمولي متماشي مع مخططات الثقافة الفارسية التي أعادت إحياء يهوذا بعد السبي تحت اسم يهودا أو مقاطعة اليهودية، وكذلك تشير كل القرائن إلى استمرار الثقافة الكنعانية بشكل واضح كما تتبعه السواح في كتابيه  “آرام دمشق وإسرائل” و”تاريخ أورشليم”، إن كان هناك أي فرصة لصعود ثقافة مختلفة فهذا بالتأكيد لم يحدث قبل القرن الثامن على أقصى تقدير.
لكن يظل الخلاف الأكبر حول من كتب التوراة، ومتى؟

إعلان

متى كتبت التوراة؟

للباحث التوراتي ريتشارد إليوت فريدمان المنتمي إلى مدرسة فلهاوزن كتاب بعنوان “من كتب التوراة؟”، وبالرغم من أن سؤال “من” الذي طرحه يسعى لتحري أكبر قدر من الدقة، لكنه في الواقع غالى في الاستنتاجات بناءً على البنية اللغوية دون دعم أثري وتاريخي حقيقي في بعض الأحيان، لذلك يمكن لسؤال “متى” أن يساعدنا في تتبعه من خلال مناهج بحثية مختلفة لثلاثة باحثين:

تقول لنا نظرية المصادر كما قدمها فلهاوزن وأتباعه لاحقًا: بأن هناك أربع مصادر للعهد القديم وهي كما ذكرتها سابقًا، وعلى هذا النهج كتب ر. إ. فريدمان كتابه المهم “من كتب التوراة؟” في محاولة منه لتقصي الأزمنة التي تم تدوين المصادر فيها ومعرفة الكاتبين. بينما يقف الاتجاه الراديكالي موقفًا سلبيًا من نظرية المصادر كما فعل توماس طومسون والباحثون المنتمون إلى نفس المدرسة مثل فراس السواح في كتابيه “آرام دمشق وإسرائيل” و”تاريخ أورشليم“، فالسواح يكتفي بالقول: أن عزرا والكهنة عند تدوين التوراة في مرحلة ما بعد السبي اعتمدوا على مصادر أقدم لكن بدون أي تحديد لماهية المصادر، ودون إعطائها أهمية كبيرة. هناك عدد من الباحثين ممن رفضوا أن يكون تدوين التوراة قد تم مرة واحدة بعد السبي كما فعل إسرائيل فلنكشتاين، نجده لا يولي اهتمامًا كبيرًا لأي من المصادر سوى المصدر التثنوي، في نظر فلنكشتاين أن التوراة دونت في عصر الملك يوشيا، أي قبل السبي، وقد استمر التدوين خلال السبي وبعده أيضًا.

بنظرة فاحصة للنظريات الثلاث لا يمكن أن نقول أن أحد هذه النظريات صحيحة مطلقًا دون الأخرى، فهناك بعض المشاكل في هذه النظريات سأحاول تتبعها هنا.

المصدر الإيلوهيمي والمصدر اليهوي:

لكي نستطيع أن نفهم هذه المصادر بنظرة صحيحة يجب أن ندرك الحالة الدينية في الشرق القديم، لكي نعرف أن المصدرين الأقدم -وهما المصدران الإيلوهيمي واليهوي- منبعهمها الأصل هو ديانات الشرق القديم، بينما يقف فريدمان على أوقات تدوينهم والخلفيات التي انطلقوا منها ومرحلة ضمهم سويًا بعد سقوط السامرة والمملكة الشمالية بأكملها، وحدد وقت تدوينهم في القرنين التاسع ق.م (إيلوهيمي) والثامن ق.م (يهوي)، لكن هذا التدقيق ما يثير حفيظتي في كتابات فريدمان، لأنها تعتمد على النقد النصي غير مصحوبة بدقة تاريخية وأركيولوجية (أثرية) كبيرة، فالكاتب وقع في مغالطات تاريخية عديدة أثناء الكتاب.

كان المرجح في هذا العصر هو التداول الشفوي لأساطير الشرق القديم، ثم تم تحريرها في مرحلة  لاحقة لتتناسب مع الأيديولوجيا التوراتية، وهذه المرحلة كانت بعد سقوط السامرة (إسرائيل) بالنسبة لفريدمان، وفي القرن السابع في عهد يوشيا بالنسبة لفلنكشتاين، وما بعد السبي بالنسبة للسواح. بالنظر إلى ما وقف عليه فراس السواح في العديد من كتبه في مقارنات الأديان أو في تقصيه الظاهراتي لأديان الشرق القديم، بالإضافة للدراسة المقارنة التي قدمها خزعل الماجدي في كتابه أنبياء سومريون ويُرجع فيها أصل جيل الآباء العشرة الأوائل من آدم إلى نوح إلى ملوك سومريين، وغيرها من كتابات علم الأديان، نعرف بوضوح أن منبع هذه الأساطير من الشرق القديم، لكننا لا نستطيع الجزم بوقت تدوينها داخل العهد القديم، وقد كان هناك العديد من التقابلات النصية التي أجراها فريدمان في بيان اختلاف المنبع الديني والاجتماعي في المصدرين، بل إننا نجد نفس القصة بطريقتين مختلفتين، كل قصة يمكن فصلها عن الأخرى وجعلها وحدة مستقلة بنفسها، مثلما عرض في قصة الطوفان وغيرها. (1)  من خلال النقد النصي وصل فريدمان إلى العديد من التقابلات بين المصدرين اليهوي والإيلوهيمي على المستوى الاجتماعي الكهنوتي والمكاني، لكن هذا لا يقطع بوقت التدوين. فنظريتيّ فلنكشتاين عن التدوين في ما بعد عصر يوشيا، وفراس في التدوين ما بعد السبي، أكثر تماسكًا واتساقًا مع الأركيولوجيا والتاريخ مما أورده فريدمان.

ولا أعرف كيف لفريدمان أن يقول باختلاف يهوه عن آلهة الشرق القديم، بينما يخبرنا علم الآثار وعلم الأديان بعكس ذلك، فيهوه هو تحوير لبعل الكنعاني كما قلت سابقًا، اُستخدم الاسم في بعض القبائل في عصر الحديد كمعادل لبعل، لقد اقترن اسم يهوه مبكرًا باسم زوجته عشيرة أو عشتروت أو تانيت، وهي الإلهة التي اقترنت ببعل أيضًا، كما اقترن اسم يهوه لاحقًا بسارية.(2) ما نريد الوقوف عليه هو قدم المصدرين بالفعل، لكن مع الاختلاف مع فكرة تدوينهم بعد سقوط السامرة، والقول بانتماء الأساطير إلى العالم القديم وليس إلى جماعة جديدة متمايزة، وتم استخدام هذه الأساطير لبناء الدين التوراتي لاحقًا.

المصدر الكهنوتي:

عندما ننتقل إلى بحث فريدمان عن كاتب المصدر الكهنوتي ووقت كتابته نجد أنه أولاه أهتمامًا كبيرًا وأرجع وقت تدوينه للقرن الثامن ق.م في عصر حزقيا، وقف فريدمان على عدد من الاختلافات بينه وبين كل من المصادر الثلاثة، الإيلوهيمي، اليهوي، التثنوي.. فنجده يركز على ذكر بعض التقابلات بين الاثتين:

الانتصار لهارون لإبراز شأنه (كهنوتي، يهوي)/التركيز الأكبر على موسى (تثنوي، إيلوهيمي)- إعلاء شأن سليمان (كهنوتي، يهوي)/ تركيز أكبر على شخصية داو(تثنوي، إيلوهيمي)-  دون في عهد حزقيا (كهنوتي)/دون في عهد يوشيا (التثنوي، مع سيره على خطى المصدرين الإلوهيمي واليهوي)- كهنة من أبناء هارون من كتبوه (كهنوتي)/كتابة أرميا (تثنوي) كتبه كهنة من شيلو (إليوهيمي)  مؤلف مجهول من يهوذا (يهوي) ..

وكان هذا في تفصيل حديثه عن لماذا المصدر الكهنوتي واليهوي أكثر انتصارًا لهارون وسليمان وحزقيا من المصادر الأخرى التي تتبنى الجانب الآخر؟ وأرجع هذا إلى أنقسام كهنوتي داخل القبائل نفسها وعلو شأن كهنة موسى عن كهنة هارون في هذا الوقت.
لكن بنظرة أكثر تعمقًا نجد أن الاختلافات بين المصدر الكهنوتي والمصادر الأخرى أعمق من هذا، حيث نجد هذه التقابلات الهامة:
عقيدة سماوية (كهنوتي)/ عقيدة أرضية (إيلوهيمي-يهوي- تثوي)- إله ذو خصائص تجريدية (ك)/إله ذو خصائص وثنية (إ. ي. ت)- توحيدي (ك) /تفريدي (إ. ي. ت)- إله شمولي عالمي (ك)/ إله قبلي (إ. ي. ت)، إله تغلب عليه الرحمة (ك)/ إله مدفوع بالغضب.

بالرغم من قدرة فريدمان على التقصي وتحديد أوقات تدوين المصدر الكهنوتي ومنطقيته، إلا أن خصائص المصدر الكهنوتي كلها تتناسب أكثر مع أورشليم العصر الفارسي، والدين والسياسة الفارسية التي سعت إلى توحيد الجميع تحت راية إله واحد في خصائصه، تشابه مع إله السماء أهورا مازدا.(3)  وهذا يوضح الجزء الثاني من التقابلات التي عرضتها في خصائص المصدر الكهنوتي من كونه أكثر دلالة على عقيدة  سماوية توحيدية، وشمولية نظرتها للإله الرحيم تجريدية وليست تجسيدية، كما سعى الفارسيون إلى ترك هامش قليل جدًا باحتفاظ كل ديانة باسم إلهها القديم وبعض سماته الأولى. لم يكن عزرا والكهنة معه بعد السبي (القرن الخامس ق.م) مجرد محررين للمصادر أضافوا بعض التشريعات كما قال فريدمان، بل إنني أعتقد أن دورهم أكبر من مجرد الجمع، وإذا كان انتصار المصدر الكهنوتي لهارون وأبنائه أكثر -كما لاحظ فريدمان في المصدر الكهوتي، وبرهن عليه من خلال الحالة الدينية والسياسية وقتها- فهذا أيضًا لا يثبت انتماءه للقرن الثامن، لأن عزرا أيضًا كان من كهنة هارون.

المصدر التثنوي:

أما عن المصدر التثنوي فقد حدد فريدمان وقت كتابته في القرن السابع ق.م في عصر الملك يوشيا، نجد أن التثنوي بأغراضه السياسية والاجتماعية هو الانطلاقة الحقيقية للتوارة كما وصف فلكنشتاين، بينما رأى فريدمان أنه استلهم المصدرين السابقين وسار على نهجهم في محاولة لبلورة مفهوم كل إسرائيل من خلال تجذير تاريخ خاص بهم ينطلق من داود ووعد داود للرب بسيادة أهل بيته، وهو ما يعلي من شأن يهوذا في مقابل السامرة (إسرائيل) ويؤيد وحدة العبادة المركزية في هيكل أورشليم.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد إبراهيم

تدقيق لغوي: محمد جمال رياض

تدقيق علمي: ريهام عطية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.