تأخذك إلى أعماق الفكر

مترو مصر الجدیدة

الذین نشأوا في مصر الجدیدة یتربى لدیھم شعور تلقائي بالحذر عند عبور الطریق ، بسبب وجود المترو ، الذي یمر في معظم شوارع مصر الجدیدة الرئیسیة ، المترو یسیر بلا ضجیج – یعمل بالكھرباء – وقد یباغت الإنسان فجأة إذا لم یكن منتبھاً ، ومباغتة المترو لا نجاة منھا ، المرة الأولى ھي الأخیرة أیضاً وتعني بلا أي شك نھایة دامیة ومأساویة للحیاة !

في بدایات تعرفي على المترو فى مرحلة ما قبل المدرسة ، كنت أظنھ قطار ألعاب مثل الموجود في الملاھي ، یركبھ الناس بغرض التسلیة والتنزه ، لأكتشف مع دخولى المدرسة أنھ وسیلة المواصلات الرئیسیة لسكان مصر الجدیدة .. وقتھا ، بدایة السبعینیات. أحد المشاھد التى لا تنسى وظلت عالقة فى الذاكرة ، كانت عندما ذھبت مع جدي ، الذي كان موظفاً على المعاش في شركة مصر الجدیدة ، ولدیھ اشتراكاً مجانیاً في جمیع خطوط المترو ، إلى المحطة الأخیرة في میدان التحریر ، لحظة نزولنا من باب المترو وجدت النیل إمامة ، كنا فى الصباح الباكر ، ورصیف المترو یطل على شارع الكورنیش مباشرة ، والسماء مفتوحة بدون كوبرى ستة أكتوبر ، الذي وإن أسھم فى سیولة المرور ، لكنھ أغلق سماء الشارع وأضفى علیھ شعوراً بالكآبة والاختناق. كان النیل مشرقاً عریضاً ویبعث فى نفس الطفل الذى كنتھ بھجة وشعوراً بالانطلاق وسعادة لا حد لھا ، لا زحام ولا تكدس ، سیارات قلیلة تسیر في الشوارع ، لم تكن مصر قد عرفت بعد المیكروباصات وما تمثلھ من سوقیة وبذاءة وأخلاقیات قاع المجتمع !

السابعة صباحاً موعد الذھاب إلى المدرسة التى تبعد بثلاث محطات عن البیت ، المحطة مزدحمة بالناس ، التلامیذ والطلبة في جمیع مراحل التعلیم من أولى ابتدائي إلى الجامعة ، یقفون فى انتظار عربات المترو ومعھم الرجال والسیدات الأكبر سناً الذین یعملون في وظائف غالباً حكومیة ، ویذھبون إلى أعمالھم في السابعة صباحاً أیضاً ، یتكدس الجمیع عند محطة المترو ، الوسیلة الأسرع والأكثر أمناً ، كان عدد الذین یمتلكون سیارات قلیل فى ھذا الزمن ، ربما بسبب القوانین الاشتراكیة التي كانت تطبق على الناس ، كان من المألوف أن نجد كبار الموظفین من الذین یشغلون وظائف مرموقة یركبون المترو ، قضاة ، مدیرون عموم ، أساتذة جامعة ، الجمیع یفضل المترو على الأتوبیس ، الذي كان فى حالة یرثى لھا بالإضافة إلى قلة أعدادھا ! وھو ما يعني الإنتظار لفترات طویلة بشكل مبالغ فیھ ویدعو للرثاء ، وعندما یصل أخیراً یكون مزدحماً ، لیس بسبب زیادة التعداد والانفجار السكاني ، فلم یكن قد حدث بعد في تلك الفترة ، ولكن بسبب سوء تخطیط الدولة وعجزھا عن توفیر حیاة كریمة لمواطنیھا ، والاندفاع نحو مغامرات سیاسیة كلفت الاقتصاد المصرى نفقات وخسائر ھائلة ، دفع الشعب ثمنھا باھظاً وما یزال بعد انتظار قد یطول قلیلاً یأتى المترو ویندفع الناس نحو الأبواب لكن بشىء من النظام ، یراعون فیھ وجود السیدات والأطفال ، كان ھناك بعض الرحمة والذوق في السلوك العام وقتھا ، لم یكن السلوك العدواني والتصرفات العصبیة قد دمغت الناس بعد ، لكن ھذا لم یمنع أن الزحام كان في ھذه الساعة من الصباح مزعجاً ، خاصة بالنسبة لطفل في سنة أولى ابتدائي یجد نفسھ محشوراً بین السیقان مختنقاً من شدة الزحام !

فیما عدا تلك الساعة المبكرة ، عادة ما یكون المترو غیر مزدحم معظم ساعات الیوم ، وبھ مقاعد شاغرة ، وھو ما أتاح لنا بعد أن كبرنا أنا وزملاء المدرسة فرصاً كثیرة لممارسة شقاوة الصغار ، كان القفز من المترو وھو منطلق بسرعتھ المتوسطة بین المحطات أحد ھوایات تلك المرحلة من العمر ، وخاصة ونحن فى السنة السادسة ابتدائى ، كنا نمارس تلك اللعبة الخطرة بشغف كبیر ، نقفز بمجرد أن فتح باب العربة وقبل أن یھدئ المترو من سرعتھ وھو یقترب من المحطة ، لم یكن الواحد منا یعبأ بصیاح الكمساریة وتحزیراتھم بل وشتائمھم لنا ونحن نندفع كطلقات الرصاص من الأبواب المعدنیة إلى الرصیف العریض ، لنجرى عدة أمتار نسابق فیھا المترو وأیدینا تقبض بشدة على مقبض شنطة المدرسة الثقیلة ! فى منتصف السبعینیات تقریباً ، اشترت شركة مصر الجدیدة قطارت حدیثة للمترو ، القطار یتكون من أربع عربات ، أوسع من عربات المترو القدیم وبھا كراسى جلدیة وثیرة ، وبالطبع كانت القطارت الجدیدة أسرع وأكثر ثباتاً من القدیمة ، كان ھذا أمراً رائعاً سعد بھ سكان مصر الجدیدة كلھم ، كنا نتفرج نحن الأطفال بإعجاب كبیر على ھذه القطارات وھى تمر أمامنا فى داخل مجراھا وسط الشوارع الھادئة.

انتقلت إلى مدرسة طبرى روكسي عند نھایة مصر الجدیدة فى المرحلة الإعدادیة ، كان المشوار طویلاً وظل المترو رفیق رحلتنا الیومیة ذھاباً وعودة للمدرسة ! في تلك الفترة أصبح بمقدورنا الخروج من مصر الجدیدة بمفردنا دون مصاحبة الأھل ، الذین كانوا مطمئنین أن المترو سوف یصل بنا حتى محطة التحریر بأمان ودون أي خوف من حوادث الطریق ، ھذه الرحلة كانت ممتعة للغایة ، وتعتبر نزھة جمیلة عبر خط سیر المترو ، مروراً بالعباسیة والدمرداش إلى أن یصل محطة رمسیس المتمیزة بالتمثال الشامخ لملك مصر الفرعونى الذى تخرج میاة النافورة من تحت أقدامھ ، ویمتد أمامھ حوض واسع یشبھ حمام السباحة !

إعلان

عادة یفرغ المترو من معظم ركابھ فى ھذه المحطة ، لیستمر شبھ خال مخترقاً شارع الجلاء حتى محطة التحریر المطلة على النیل ، ھذا المشوار الذي كان أشبھ بالنزھة ، من مصر الجدیدة إلى محطة التحریر كان یستغرق أقل من ساعة إلا ربعاً !
من العادات المحببة في تلك الفترة ، شرب شاى العصریة فى شرفات البیوت ، تقریباً تجد الأسرة كلھا تجلس في الشرفة حوالي الخامسة عصراً لتناول الشاى ، إیقاع الیوم الھادى والمنتظم ساعد على ذلك ، یخرج رب الأسرة إلى مقعده في الشرفة لیجلس ما یقرب من الساعة یستمع خلالھا إلى إذاعة أم كلثوم ومعھ زوجتھ وأولاده ، فترة استجمام حقیقیة تریح الأعصاب من عناء العمل ومشاق الوظیفة ، بعدھا یستعد للنزول من البیت لقضاء مشاویره المسائیة ، زیارات عائلیة ، مشاركة في عزاء أو مناسبة ما ، الالتقاء بالأصدقاء على كازینو خرینوس أو تریومف أو الأمفتریون أو جروبى ، سھرات لم تكن تمتد لأكثر من العاشرة مساءاً ، فندھا تكون جمیع المحلات قد أغلقت أبوابھا ، وخلت الشوارع من المارة تماماً.

الإنارة كانت تعتمد على مصابیح صغیرة فى جمیع الشوارع الفرعیة والجانبیة ، مما یجعل ھذه الشوارع مظلمة في اللیل ، كان المشي فیھا مرعباً بالنسبة للأطفال رغماً عن إنخفاض معدلات الجریمة فى مصر وقتھا ، وشھامة الناس التي تسارع بإنقاذ أي إنسان یتعرض لورطة أو مشكلة فى الشارع.

العمارت ذات الأربعة طوابق والفیلات ذات الطابقین ، كانت من السمات الممیزة لشوارع مصر الجدیدة ، لابد من وجود حدیقة حول العمارات حسب القانون الذي ینظم عملیة البناء منذ إنشاء الحى ، وھو البناء على مساحة ستین فى المائة فقط من مساحة الأرض وترك مساحة الأربعین فى المائة الباقیة للحدیقة.

الشارع الذى یقع فیھ بیتنا عند میدان الحجاز فى نھایة مصر الجدیدة وبالقرب من الكلیة الحربیة ، كان ھذا الشارع بھ صف من العمارات ذات الأربعة طوابق والصف المقابل فیلات ، والإنارة اللیلیة فیھ ضعیفة ، كان شبھ مظلم وھادئ تماماً لا تكاد تسمع صوتاً لیس فقط فى اللیل ولكن حتى فى النھار ! ھذا الظلام والھدوء كانا یغریان العشاق بالتسلل إلیھ فى فترة بدایة اللیل ، للتمشیة وتبادل الحدیث الھامس بعیداً عن
العیون ، وبرغم أن ھؤلاء العشاق لم یخرجوا أبداً عن حدود الأدب ، لكن ھذا السلوك كان منتقداً وشىء عیب جداً بالنسبة لأھلنا وكل سكان الشارع ، أن تمشي فتاة مع شاب فى شارع جانبي مظلم فھذا یعنى أنھا سافلة وبلا أھل.

من الظواھر المنتشرة خلال ھذه الفترة ، وجود الكثیر من قطع الأراضى الخالیة بین العمارات ، وتزداد ھذه الظاھرة مع الإقتراب من نھایة الحي الذى یشرف على طریقي الإسماعلیلیة والسویس الصحراویین ، في نھایة شارعنا كانت توجد إحدى ھذه المساحات الخالیة ، ومن المؤسف أن بناءھا حدث في منتصف الثمانینیات على المساحة كاملة ، عمارة ضخمة ارتفعت إثنى عشر طابقاً بلا حدیقة أو أى فراغ حولھا ، سد ھذا البناء المخالف للقانون سماء الشارع وأضفى علیھ كأبة ، وكان بدایة وتدشیناً لزمن قبیح قادم یرسخ لقیم مادیة تتعدى على أعراف ونظام الحى !

یوجد في مصر الجدیدة خمسة نوادى ریاضیة ، ھلیوبولیس وھولى لیدو والشمس والطیران والنصر ، ھذه النوادى كانت تستوعب طاقة الأطفال والشباب الفتیة من خلال ممارسة الكثیر من الأنشطة الریاضیة ، كنت في طفولتي أقضي معظم ساعات النھار في أیام الإجازات الصیفیة في نادي الشمس مع أصدقائي ، نذھب في التاسعة صباحاً ، ونتجھ مباشرة إلى حمام السباحة ، نبدل ملابسنا في غرف خلع الملابس ونرتدي المایوھات ونجري لنقفز في المیاه ، وبعد ذلك نلعب الكرة في أحد ملاعب النادى ، بعیداً عن الملعب الرئیسي المخصص للتدریبات ، نغادر النادى بعد العصر فى حوالى الرابعة.

من الأمور المعتادة والتي انقرضت تماماً الآن ، أننا كنا نركب السیارات بطریقة الأتوستوب ، أثناء وقوفنا في انتظار الأتوبیس الذي عادة یتأخر كثیراً ، لم تكن المسافة تزید عن محطتین ، كنا نشیر بالأصبع الإبھام بھذه العلامة المعروفة دولیاً لأي سیارة مارة ، كان الناس یتوقفون في كثیر من الأحیان بمنتھى البساطة والكرم لیقلونا حتى باب النادى كنت أحرص في بدایة العطلة الصیفیة على عمل اشتراك في مكتبة النادي ، لأستعیر منھا الكتب ، التي كنت أقرأھا بشغف فى المساء ، أتاحت لي تلك المكتبة قراءة عدد ھائل من الكتب خلال فترات الإجازات الصیفیة.

دور السینما في مصر الجدیدة لھا تاریخ كبیر ومؤثر فى حیاتنا ، منذ الطفولة وأنا من عشاق الأفلام وأتابع الجدید في السینما ، مع الوصول للمرحلة الإعدادیة سمح لنا الأھل بحضور الحفلات النھاریة في السینما بمفردنا ، قبل ذلك كانت السینما ممنوعة تماماً إلا بمصاحبة الكبار ! في ھذه الفترة من السبعینیات تمیزت مصر الجدیدة بعدد وافر من دور السینما ، كنا عادة ما نذھب أنا وأصدقائي لمشاھدة أحد الأفلام في یوم الجمعة فقط أثناء الدراسة ، أما في الإجازات فكان من الممكن أن نذھب إلى السینما كما یحلو لنا بشرط ألا نتجاوز حفلة الثالثة عصراً.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.