تأخذك إلى أعماق الفكر

ما الذي يحدث بالسعودية ؟

في يوم السبت الموافق الرابع من نوفمبر أصدر الملك سلمان قرار بإنشاء لجنة لمكافحة الفساد برئاسة ابنه محمد ولي العهد وكانت من أهم اختصاصاتها هي حصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات التي لها علاقة بالفساد الخاص بالمال العام، وإصدار أوامر القبض على المتهمين، ومنعهم من السفر، وكشف الحسابات في البنوك السعودية وتجميدها، وتتبع أموالهم والأصول ومنع نقلها أو تحويلها من قبل الأشخاص والكيانات أياً كانت صفتها.

عقب ساعتين من تشكيل اللجنة تم إغلاق المطارات الملكية وتوقيف 19 أمير و388 وزير سابق وحالي وكان من بين المقبوض عليهم أسماء لها وزنها سواء في مجال الإقتصاد أو مجال السياسة في السعودية

بعض ممن اتهموا بالإضرار بالمال العام كان (الملياردير الوليد ابن طلال – والملياردير صالح كامل وابنيه -رئيس مجلس إدارة شركة الإتصالات السعودية “سعود الدويش” -بكر بن لادن -رجل الأعمال حسين العمودي -صاحب مجموعة MBC “الوليد الإبراهيم – ناصر بن عقيل آل طيار صاحب أكبر شركة سياحة في السعودية – ورجل الأعمال منصور البلوي ورجل الأعمال ناصر الطيار)

أما المنافسين السياسيين منهم (الرئيس السابق للديوان الملكي “خالد التويجري – أمير الرياض السابق “تركي بن عبدالله بن عبدالعزيز – وزير الإقتصاد والتخطيط الحالي “عادل فقية – واحد من الأهداف الرئيسية ومربط الفرس لهذه الإعتقالات الأمير متعب بن عبدالله – نائب وزير الدفاع وقائد القوات البحرية السابق “فهد بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن )

ما حدث كان استكمالًا لحملة التطهير التي يقوم بها محمد سلمان للتخلص من منافسيه السياسيين المحتملين حيث بدأ بعزل ابن عمه محمد بن نايف وزير الداخلية الأسبق

إعلان

وفي مصادفة غريبة وعجيبة يوم الأحد بسقوط طائرة هيلكوبتر كان على متنها نائب أمير منطقة عسير وأمين المنطقة وعدد من مسؤوليها في منطقة عسير جنوب غرب المملكة.

لماذا حدثت هذه الإعتقالات ؟

من المؤكد أن معظم المقبوض عليهم لديهم تهم فساد وغسيل أموال ومنهم من له مصالح تربطه بالإخوان وبإيران وغيره وغيره، ولكن لم يكن هذا هو  السبب الأساسي للقبض عليهم، بل السبب الرئيسي والأهم هو توحيد وتكديس بن سلمان لكل القوة (سياسية واقتصادية) في ايده، وغالبًا بعضهم كان غير مهم وغير مؤثر وغير ضروري القبض عليه ولكن لكي تبدو عملية التطهير وكأنها ليست موجهة ضد أشخاص أو أهداف محددة بعينها.

بداية من الواضح جدًا سعي الملك سلمان توريت الحكم إلى إبنه كما يتضح تعطش محمد ابن سلمان لإستلام السلطة بأقصي سرعة، فكل التطهيرات والإعتقالات التي تمت والتي مازال يتم التحضير لها مجرد تحضير لبسط سيطرته وأحكام قبضته علي جميع مفاصل المملكة، وإسكات أي صوت معارض قد يسبب له قلق في المستقبل.

طبقا للأعراف والقواعد التى أرساها الملك عبد العزيز بن سعود مؤسس المملكة فإنه يتم توريث الحكم للإبن الأكبر للملك، يتقلد الأخ الأكبر سنا مقاليد الحكم بعد وفاة أخيه وبعدها أنشأوا مجلس إستشاري لاختيار الحاكم الأصلح بعد وفاة جميع أولاد بن سعود المباشرين، ولكن الملك سلمان ضرب كل هذه القواعد عرض الحائط وصعد ابنه للصفوف الأمامية والقيادة وتجاوز كل من هم أحق منه في تولي تلك المناصب وأهمها ولاية العهد ووزارة الدفاع مما أدى إلى اعتراض الكثيرين من أفراد العائلة المالكة، والقيادات العليا في المملكة فبعضهم يجد من الصعب إتباع أمير صغير أقل من نصف عمرهم ويرونه متهور وطائش، وأعتقد أن هذا هو السبب المباشر لحملة الإعتقالات والعزل التي تمت للقادة السياسيين

ومن ناحية أخرى واضح جدا سعي ابن سلمان في احداث إصلاحات وتحولات اقتصادية كبيرة في طبيعة وهوية المملكة التقليدية وتحويلها كما أعلن في مؤتمر نيوم الي “موبيل سمارت بدلا من موبيل عادي” هذا الطموح من جانب ابن سلمان يصطدم بضعف الإقتصاد السعودي الذي تأثر بكل تأكيد من حرب اليمن، وشراء الأسلحة، والتدخل في سوريا، ودعم ثورة 30 يونيه في مصر، ودعم سعد الحريري في لبنان، فكان لابد من إيجاد مصادر تمويل لتنفيذ رؤية ابن سلمان للتنمية المستدامة 2030، أو تجريد الأمراء ورجال الأعمال من سلاح المال الذي من الممكن أن يستخدموه في المستقبل كورقة ضغط ضده عند خلافة والده رسميًا، خاصة أن بعضًا منهم لديه اعتراضات على سيطرة ابن سلمان المطلقة على مفاصل المملكة وأعتقد أن هذا سببًا مباشرًا لإعتقال الوليد ابن طلال اللى إنه هدد في إجتماع للأسرة الحاكمة منذ أيام بسحب أمواله من الخليج إلى أوروبا إذا لم يتم إطلاق سراح الأمير محمد بن نايف

وقـدرت المبـالغ التي تم الاستيــلاء عليها من الأمــراء ورجال الأعمــال الموقـوفيـن بحسب ما تداولته قائمة أسمائهم قرابــة تـريـليـونـي ريال سعودي “2000 مليار ريال “، سيتــم مصـادرتها إلى أجـل غيـر مسمـى، وهو ما يمكن أن يخضع بعد ذلك لمرحلة المســاومة والابتــزاز من أجل الرضــوخ لإمــلاءات ابن سلمان

بعد ثاني وراء حملة الاعتقالات وهو طبيعة تولي الوظائف في المملكة والذي بيصطدم أيضًا برؤية 2030 للتنمية المستدامة لأن من الأشياء الإلزامية في السعودية تولي كل فرد في العائلة وظيفة كبيرة، وهو ما أدى إلى تولي العديد من الأمراء وظائف ليس بحكم كفاءتهم أو خبرتهم ولكن بحكم نسبهم للأسرة المالكة وهو ما تسبب في وجود فساد إداري كبيير، أوضح مثال أن “متعب بن عبدالله” وارث منصب الحرس القومي من والده (الملك السابق عبدالله)

يبدو أن نظام تقلد الوظائف لا يتماشى مع رؤية ابن سلمان كملك مستقبلي وأن أصحاب المصالح الخاصة في العائلة والقيادات العليا سيكونوا عقبة في كل خطواته الإصلاحية التي لا تتفق مع مصالحهم وسيتأمروا عليه في محاولة لإفشاله فكان لابد من سبقهم بخطوة وأحكام السيطرة عليهم وتعليق الكرباج لهم ولغيرهم.

أخيرًا
من الواضح ان ابن سلمان قرأ كتاب الأمير لميكافيكي ويدرك جيدًا ما يفعله، ويعلم أن انتقال السلطة في الأنظمة الديكتاتورية دائمًا ما يسبقها المكائد والدسائس واعتقال المنافسين المحتملين فأخذ هو المبادرة وسبق بخطوة، وبالتأكيد يجب إضفاء مسمى قانوني لتلك الإجراءات كمحاربة الإرهاب أو محاربة الفساد، والطريف أن الملك سلمان لو طبق هذه الأحكام بحيادية سيكون أول شخص هو وابنه متهمين بإهدار المال العام . (إللي بيعمله في زيارة واحدة من زياراته لأي بلد أو أي إجازة من اجازته كفيل أنه يدخل بيه السجن حتي مماته وممات ابنه) ، كم أن معظم تهم الفساد التي تم إعتقال الأمراء بسببها كانت تتم بعلم أو غض طرف الملك شخصيا _سواء كان الملك سلمان أو السابقين_.

سيطرة ابن سلمان على وزارة الدفاع، وعزل ابن عمه من وزارة الداخلية، واعتقال ابن عمه متعب ابن عبدالله قائد الحرس الوطني، يأكد بما لا يدع مجالا للشك سعي ابن سلمان للسيطرة علي جميع مقاصد المملكة وأن توليه السلطة مجرد مسألة وقت إذا نجح في ما يقوم به.

ابن سلمان يقوم بأعمال قد تصبح تداعياتها وعواقبها وخيمة عليه أو لصالحه، ولكن الثابت أن معظم القادة العرب أسودا على بعضهم البعض نعاجًا أمام أعدائهم .

المصادر

1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9

مساهمة من أحمد أبو السعود

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.