تأخذك إلى أعماق الفكر

ما الذي تُخبرنا به ميكانيكا الكم عن طبيعة العالم؟

هل الذرات موجودة بالفعل، أم هي مجرد بناء افتراضي؟ بالطبع هي موجودة. الجميع يؤمن بوجودها، حتى أولئك الذين لا يؤمنون بنظرية التطور أو تغير المناخ، وإذا لم تكن موجودة فكيف امتلكنا القنابل الذرية؟

وقد كان اليونانيون القدماء أول من تخيلوا الذرات وبدءوا بتسميتها، إلا أننا لم نكتشفها عمليًا حتى القرن الماضي.

وأول دليل على وجود الذرات جاء في ورقة بحثية نشرها ألبرت أينشتاين عام 1905، وهو نفس العام الذي نشر فيه نظريته النسبية الخاصة، وقد كانت الذرة قبل ذلك بمثابة بناء افتراضي يساعدنا فقط في كثير من الحالات، وتم إثبات وجودها عمليًا بفضل عمل أينشتاين، وأثبتَ أينشتاين، في نفس الفترة، أن الضوء يتكون من جسيمات تُسمَى “فوتونات“، وتحمل هذه الجسيمات كمًّا من الطاقة، وكان ذلك خلال ورقته عن الظاهرة الكهروضوئية. وبذلك أثبتَ الطبيعة الجسيمية للضوء، ليتم إثبات الطبيعة المزدوجة للضوء بعد ذلك. في البداية لم يلاحظ أحد اكتشافه الجديد، إلا أن هذا لم يزعج آينشتاين؛ فهو يرى أنه “يجب أن تكون النظرية ما تقرر ما يمكن أن نلاحظه”.

إعلان

واكتشافه هذا كان بدايةً لعلم ثوري جديد غيّر مفهومنا عن طبيعة العالم، واستبدل حتمية العلم بالاحتمال. فقد كان اكتشافه بداية لميكانيكا الكم، وهي بمثابة الفيزياء التي تحكُم العالم الميكروسكوبي من الذرات ومكوناتها الأصغر، وكما يقول آدم بيكر في كتابه “ما الواقع؟” عن ميكانيكا الكم أنها “تُعتبر أنجح نظرية في كل العلوم، وتنبؤاتها دقيقة بشكل مدهش، وتكمن قوتها في قدرتها على إدراك العالم الميكروسكوبي غير المنظور؛ مما حقق لنا معجزاتٍ عديدة، لكن مشكلتها أنها غريبة، وتتحدى حدسنا البديهي”.

لأكثر من نصف قرن والجدل في ازدياد حول طبيعة عالمنا، فقد أُقيمت مؤتمرات وندوات عدة حول ذلك تكفي لملء مجلات بأكملها، وقد قال ريتشارد فينمان قبل وفاته -وهو يُعتبر من أفضل من فهم ميكانيكا الكم-: “مازلت أشعر بالتوتر عند تعاملي معها، فأنا لا أستطيع تحديد المشكلة الحقيقية؛ لذا أشتبه في عدم وجود مشكلة، لكنني لست متأكدًا من عدم وجود مشكلة حقًا”، فالمشكلة ليست في النظرية والقيام بالحسابات، ومن ثم استخدامها في تطبيقات هندسية؛ بل تكمن المشكلة فيما تعنيه النظرية، وبما تخبرنا به عن الواقع.

فمن وجهة نظر معينة، ميكانيكا الكم ما هي إلا مجرد مجموعة من المعادلات والأدوات المفيدة. فإذا كنت تريد أن تصنع ليزرًا يقوم بوظيفة معينة، أو ترانزيستور، أو ربما تُحسن من خصائص التلفاز، أو تقلل من استهلاكه للطاقة مثلًا، فستجد معادلة شرودنجر وغيرها من معادلات ميكانيكا الكم أصدقاءً لك في هذه المهمة.

لكن تبدأ المشكلة فقط إذا عُدتَ للخلف، وبدأت تتساءل عما إذا كانت الكميات والجسيمات التي تتضمنها المعادلات موجودةً بالفعل، وما هي طبيعة هذه الجسيمات، ثم تواجه مشكلات أُخرى، مثل:

ازدواجية الموجة والجسيمالمادة والطاقة وكل القوى المعروفة تتصرف أحيانًا بشكل سلس ومستمر كالموجة، وأحيانًا أُخرى تتصرف كالجسيمات؛ فالكهرباء في تدفقها عبر الأسلاك تشبه الموائع، وأيضًا تندفع كوابلٍ من الإلكترونات. هل يمكن لكلا الحالتين أن تكونا صوابًا في نفس الوقت؟

مبدأ عدم اليقين: اكتشف هايزنبرج أنه عند محاولتك معرفة -مثلًا- موقع الإلكترون بدقة، فلن تستطيع أن تحدد سرعته، والعكس صحيح؛ فيجب أن تثبت أحدهما وتحاول تحديد قيمته، ولكنك لن تستطيع أن تحدد قيمة الكميتين بدقة في نفس الوقت. وينطبق هذا على أي خاصيتين مقاستين من خواص ميكانيكا الكم، فلن تقدر على تحديدهما بدقة إلا في حدود معينة، مهما تطورت أدوات القياس المُستخدمة.

معضلة القياس: تتعامل ميكانيكا الكم مع الاحتمالات عِوضًا عن اليقين، فظهور الجسم في مكان معين مرتبط بالاحتمالات، فيمكن أن يظهر هنا باحتمال معين، ويمكن أن يظهر في مكان آخر ويحدث ذلك احتمالًا أيضًا؛ وللذرات الغير مستقرة احتمال أن تتحلل عند زمن معين، وقد يحدث ذلك أو ربما لا. لكن عند إجرائنا لتجربة في المعمل، يكون هناك ناتج واضح ومحدد، فبعد ملاحظتك للذرة الغير مستقرة تجدها تحللت أو لم تتحلل، فكأنّ إدخال أي شخص في التجربة بالملاحظة والقياس جزء لا يتجزأ من النظرية، ويؤثر في الناتج؛ فكأنه يحول الاحتمال إلى نتيجة مُحددة.

كأن واقع عالم الكم يظل مجهولًا وغير محدد إلى أن يتدخل عالِمٌ -مثلًا- في التجربة ويقوم بالقياس، فقطة شرودنجر -كما قد تكون سمعت- تظل في حالة بائسة ويمتلكها الرعب، فهي لا حية ولا ميتة، طالما كان الصندوق مُغلَق، لكن بعدما يأتي أحدهم ويقوم بفتح الصندوق، تختفي إحدى الحالتين وتصبح حية أو ميتة. وقد قال هايزنبرج -وهو من علماء ميكانيكا الكم العِظام-، إن الجسيمات الكمية غير حقيقية، فهم يشكلون عالمًا من الاحتمالات بدلًا من حقيقة حتمية.

 

ولقد اكتسبت ميكانيكا الكم -بخلاف باقي مجالات العلوم- ميتافيزيقيّتها الخاصة، فكأن لها فقط قواعدًا ظاهرية تشير إلى بعض الحقائق، ويمكنك التفكير في هذا الأمر، كما قال هيزنبرج، كأنه بناء أيدولوجي، ويبحث هذا الجانب في الأساس الذي تقوم عليه مكيانيكا الكم، وهذا مثير للسخرية؛ لأن هذه النقطة، حيث تتوقع أن تجد تلك الأسس، تجد فقط رمالًا متحركة.

تُسمي المناهج المختلفة لتوضيح تلك الأسس تفسيرات “interpretations“، وهناك العديد، لكن أولها وأهمها إلى الآن ما يُسمي بـ”مدرسة كوبنهاجن”، وقد كان معهد نيلز بور هناك بمثابة مقر عالمي غير رسمي لميكانيكا الكم التي بدأت في عشرينات القرن المُنصرم، ويعتبر التفسير الذي وضعته مدرسة كوبنهاجن أمرًا مضادًا للتفسير، فكما يقول بور: “أنه من الخطأ النظر للفيزياء على أنها تبحث عن ماهية الطبيعة، فالفيزياء تهتم بما يمكن أن نقوله عن الطبيعة”.

ففي عالم بور، لا يوجد شيء محدد حتى تتدخل في التجربة وتلاحظه؛ كل شيء معتمد على الاحتمالات، فيمكن للفيزياء أن تساعدنا في تجربة ما، لكن لا تنتظر أن تعطيك صورة كاملة عن الواقع. ويوجد ثلاث كلمات شهيرة تلخص تفسير كوبنهاجن: “فلتصمت وتقم بحساباتك”.

في القرن العشرين، حين كان علماء ميكانيكا الكم يحققون قفزات واسعة في فيزياء الجوامد وفيزياء الطاقة العالية، انزعج بعض هؤلاء العلماء من تلك الأسس الغريبة، لكن دائمًا كانت هناك المعضلات الفلسفية تقف سدًا يُقلق كل من يهتم بتلك الأُسس.

أحد التفسيرات المختلفة لميكانيكا الكم هو تفسير الفيزيائي الأمريكي ديفيد بوم “David Bohm“، حيث قدم في منتصف القرن العشرين بديلًا جذريًا في محاولة منه للقضاء على ازدواجية الموجة والجسيم، حيثُ تَصور موجات إرشادية “pilot waves” توجه كل جسيم، كأن تفسيراته انقلابٌ على مدرسة كوبنهاجن، أو ربما محاولة لتجاهلها، وتفسيرات ديفيد بوم لها مؤيدون إلى اليوم.

تعتمد بعض التفسيرات الأخرى على المتغيرات الخفية “hidden variables” لحساب كميات تم افتراض وجودها مُسبقًا، ومن أشهر هذه التفسيرات حديثًا هو تفسير العوالم المتعددة “many-worlds interpretation“، حيث أن كل حدث كمي بمثابة مفترق طريق يَنتُج عنه عالم جديد.

ومن هذا المنطلق، فإن قطة شرودنجر مازالت حية في أحد العوالم، وحُكِمَ عليها بالموت في عالم آخر، ويمكننا أيضًا أن نتخيل عددًا لا نهائيًّا من أنفسنا، حيث حدث كل ما لم يحدث في عالم مختلف، حيث يقول ديويت “Bryce DeWitt“: “إن كل انتقال كمي يحدث في كل نجم موجود في كل مجرة في أحد أركان الكون، يقسم عالمنا على الأرض إلى عدد هائل من العوالم، كل منها يضم نسخة من الأرض”.

بالطبع قد تعتبره تفسير غريب ومُضحِك، فكما أطلقَ عليه جون ويلر بأنه “حمولة ثقيلة من الأمتعة الميتافيزيقية”، فكيف يمكننا أن ننفي أو نُثبت نظريةً كهذه؟

لكن نظرية العوالم المتعددة تلك لا يمكن رفضها بسهولة، فالعديد من العلماء قد يتوسلوا لكي لا يتم رفضها، مُتعللين بقدرتها -على سبيل المثال- على تفسير القدرة الفائقة للكمبيوتر الكمي (الذي لم نقترب حتى من صنعه، وذلك بشهادة الجميع).

 

في النهاية، أي من هذه التفسيرات يمكنها أن تفسر طبيعة عالمنا؟ ربما يشير عنوان كتاب آدم بيكر إلى البحث في ماهية الواقع، إلا أنه لا يقدم لنا إجابة محددة؛ فيبدو أن القصة مازالت بعيدة عن الانتهاء والتوصل إلى تفسير مُحدد.

فعندما يبحث العلماء عن طبيعة أو معنى شئ في ميكانيكا الكم، قد ينحرفون إلى منطقة بعيدة عن العلم بين الدين والفلسفة، حيث يفقدون هناك أدوات العالِم التي ينظُر ويرى بها العالَم فيصبحوا مجرد بشر يتأثرون بعواطفهم ومعتقداتهم.

يقول السير أنتوني ليجيت “Anthony Leggett“، الحائز على جائزة نوبل، وهو من رواد مجال الميوعة الفائقة: “إذا راقبتني يومًا، ستراني جالسًا على مكتبي، مُنهمِكًا في حل معادلات شرودنجر تمامًا كزملائي، لكن ليلًا عندما يظهر القمر، أفعل ما يكافئ بالنسبة للفيزيائيين التحول لمستذئِب، وأتساءل عما إذا كانت ميكانيكا الكم هي الحقيقة الكاملة والنهائية حول الكون!”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر
تعليقات
جاري التحميل...