تأخذك إلى أعماق الفكر

أحمد الشنطوري يكتب للمحطة ماذا لو جربنا هذا النوع من الإنتحار ؟

انتشرت في الآونه الأخيرة قصص الإنتحار ، وانتشرت معها حكايات شاعرية تتعاطف مع المنتحرين وتجعل الآخرين يفكرون في عمل نفس الشئ، وكأن الله تعالي يتعامل مع البشر وفق تعاطفهم مع بعضهم، لا وفق معايير العدالة المطلقة الإلهية، وقد قررت أن انظر إلي هذا الموضوع بشكل مختلف، وأن أساهم في وضع بعض الأسباب التي ربما تعين أصحاب الفطر السليمة، التي تتميز بركنين أساسيين: وهما العقل الراجح الناظر في حقائق الأمور، والقلب السليم الخالي من الهوي ومن اتباع شهوات النفس، لعل هذه الأسباب تحد أو تمنع من انتشار هذه الظاهرة، ثم سأوضح في النهاية نوع من الإنتحار ربما يكون أقل ضررا من الإنتحار المعروف لدينا..
الأقاويل كثيره حول السبب الذي يجعل الأشخاص تنهي حياتها بهذا الشكل الماسوي، الإكتاب أحد هذه الأسباب، وفي الغالب هو ناشئ عن أشياء مهمة لدى المنتحر، ربما لم يستطع أن يحقق أحلامه، أو أن الحياة أصبحت صعبة للغاية لدرجة أنه لا يستطيع أن يعيش،لا يستطيع أن ينفق علي أولاده، عموما كل أسباب الإنتحار غالبا تدور حول هذه المحاور، تدور حول الأهداف والأحلام الشخصية أي أنها أسباب أنانية..
من الأسباب التي تعين على مقاومة التفكير في الإنتحار

كيف تتغلب على الإنتحار ؟

الإيمان بيقين حقيقي والعيش لقضية حقيقية عالمية لا شخصية، نعم لو تأملنا حياة النبي محمد صلي الله عليه وسلم والصحابة معه، لوجدنا أنهم تعرضوا للظلم بكافه أنواعه، بل تعرضوا للمجاعة والإذلال قبل الهجرة وانحسروا في شعب أبي طالب يأكلون ورق الشجر من الجوع، وعذبوا وحرموا من أبسط حقوقهم في حرية إختيار المعتقد والدين، رغم أنهم كانوا على الحق من وجهة نظرهم على الأقل، ومع كل هذا الألم الذي عانوه لم يفكر أحد منهم بأن ينهي حياته، وذلك لأنهم كانوا يعيشون لا لأنفسهم، وإنما عاشوا لأجل قضية الإيمان الذي تغلغل في قلوبهم تغلغلا عميقا، جعل معه كل عذاب في الدنيا نعيم لأجل تحقيق الغايه ونشر العداله، وهكذا هم من يعيشون لغاية كبرى لا يهتمون بحايتهم حتى ولو كانوا غير مسلمين، فهناك الكثير من غير المسلمين الذين تحملوا العذاب والمشاق في سبيل دعوتهم وحربهم ضد المسلمين، لأنهم يعتقدون أنها غاية شريفة سيكرمون عليها في الأخره، وإذا كان هؤلاء قد فطنوا لأن هناك أخرة، وأن هناك تكريم من الله لمن صبر وعمل لغاية إرضاءه في الدنيا، فالأولى بنا نحن أن نفقه ذالك ونعمل لأجله، ولا عجب من أولئك الذين ذاقوا ألم السجون وناموا علي أرضها، وتعفنوا في قذوراتها، ومع ذلك يبتسمون لأنهم دخلوها لأجل قضية وإيمان بالحرية والعدل، وكل الأمثله الآخرى التي أود ذكرها غير الصحابة لو تأملتها لوجدت أن السبب هو ذاته إيمان بقضية وإخلاص لها والفناء في سبيلها.

لماذا يقبل الشباب على الإنتحار ؟

لنتأمل حياة شبابنا اليوم لنرى ما هي قضاياهم التي يعيشون لأجلها، فقط قضايا شخصية أنانية، فهذا يريد أن يتزوج بمحبوته، وهذا يريد أن يصبح كاتبا مشهورا ليلتقط مع الجميع الصور والتذكار، وذاك يريد أن يصير غنيا وأن يشتري سياره فخمه و…..و….و….و…. كلها أمور شخصية أنانية يحيون لأجلها، وبالتالي إذا لم يستطيعوا أن يحقوقها فما الفائدة من الحياة ،مع أنهم حتي لو حققوها سيموتون ويتركونها فلا فائدة من ورائها، وسيخرج واهم ويقول سأترك أثرا في الحياة انتفع به بعد الموت، وهنا أقول له هل كنت تنوي أن تترك أثرا بعد موتك أم تنوي إرضاء الله، لأنه ببساطة حتى غير المسلمين يعملون ليتركوا أثرا بعد موتهم ولن ينفعهم هذا الأثر، لأن نيتهم غير متوجهه لوجه الله، وأنما فقط لتحقيق الأثر والسيرة العطرة، فهؤلاء أنانيون يسخرون من أنفسهم، إن من يعمل لاجل الأثر لا يفكر حتى في أن هناك سيرة لهم ستذكر بعد موتهم هم فقط لا يرون إلا ارضاء الله، ومن ساعدهم على ذلك هم الأباء فمنذ الصغر والأباء يزرعون في قلوب شبابهم ذلك، أن يعمل حتي يحصل علي الأفضلية في الدنيا، وحتى علاقتنا مع الله علاقة سطحيه تنحصر فقط في سبيل تحقيق هذه الأهداف الدنيويه، الصحابة كانوا يعيشون للدين، فكان الواحد منهم لا يدخل في عمل إلا ويفكر كيف سأخدم ديني وقضيتي بهذا العمل، فالطبيب يفكر والمهندس والمجاهد يفكر هل فعلا سأستطيع أن أخدم ديني بهذا العمل أم لا فأغيره، فأحلامهم كانت أن يصبح العالم مكانا أفضل، لذالك يضحون بما يريدون لأجل ذلك، أما نحن فنعيش بالدين وليس له، بمعني أننا نشأنا وعلمنا أن هناك جنة ونار وأنه لكي تدخل الجنه لا بد من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكسب الحلال و….و…و…، فنحن نقوم بهذه الطقوس الدينيه فقط لأننا مجبرون علي أدائها وإلا لن دخل الجنه، ثم نتشدق بالكلمات ونقول أن علاقتنا بالله جيدة، ومع ذالك يراودنا شعور بالإنتحار فأي علاقة تلك، أنها علاقة فاسدة لا تنشئ إيمانا صريحا يجعل المرء يتحمل أقسي درجات العناء في سبيل الغايه العالية، ومن العبارات التي يسقط قائلها من نظري وأري أنه شخص سطحي لم يفقهه من الدين شيئا قولهم (ما عند الله لا ينال الا بطاعة الله) وكأننا نعبد الله فقط لكي ننال ما عنده، فتجد هذا الشاب الذي استيقظ ليلة الإمتحان في جوف الليل لا ليعبد الله ربه، وإنما ليعقد رشوة مع الاله، يقول له لقد قمت وصليت لأجلك وفي المقابل أريدك أن تنجحني في هذا الإمتحان، وهي علاقة سيئة وسأضرب لها مثالا لو كنت ابا مثلا لأحد الأولاد وكلما جئت من سفر تريد أن تعانق ولدك الحبيب وتضمه إلي صدرك، وإذا به أول ما رآك فرح كثيرا وجرى نحوك لتضمه إلي صدرك ثم بعد ذلك وجدته يقول لك أبي أريد كذا وكذا، بالتأكيد ستعطي له ما يريد فإذا تكرر الأمر كثيرا بالطبع سيصيبك الحزن والآسى من هذا الطفل الذي لا يعانق والده إلا عندما يريد منه شيئا فهل هذه علاقة تليق بجلال الله ..
أعلم جيدا أيها الشاب أن الله قال (يدعوننا رغبا ورهبا )ولكن رغبا في رضا الله عنهم ورهبا من سخط الله عليهم وقبل هذه الجمله قال (أنهم كانوا يسارعون في الخيرات) أما أنت فلا تسارع إلا لأجل الدنيا فكفاك سخرية من نفسك وتصديقك لأوهامك..
وفي الختام أريد أن أقترح إنتحارا من نوع آخر، بدلا من إنتحار الحياة لماذا لا ننتحر من الدنيا، نعم في عهد الأمويين حينما زاد الظلم والطغيان على المسلمين ودخلت الخمر المدينه قاصدين بذلك أن يلهوا شباب الصحابة ويفسدوهم، حتى لا يطالبوا بالخلافه، وضيقوا كل الطرق على الدعاة والمصلحين والعلماء الذين يعيشون لله فقط لا لأنفسهم، لم يعد ينفع نصح أو وعظ وبالتالي فإن مهمة هؤلاء العلماء لم تعد تجدي نفعا وعليهم أن ينتحروا، وهذا ما فعلوه فقد تركوا الدنيا وصعدوا إلي الجبال وظلوا يتعبدوا ويزكوا أنفسهم تاركين الدنيا وشهواتها وحكامها وملذاتها كلها، وأطلق عليهم الناس في عصرهم إسم المتصوفة، ومن هنا نشأت هذه الطائفة الطيبة التي تركت شهوات الدنيا وأفنوا حبهم وحياتهم لله، فلماذا لا نجرب مثل هذا الإنتحار ، إن من ينتحرون قد تعبوا من بؤس الحياة وشقائها، إذا فاتركوها وتوجهوا إلى الصحراء الواسعة والحقول الناضرة، اشربوا القليل وكلوا القليل وتعبدوا للجليل حتي يفيض عليكم من رحمته الواسعه وفتوحاته التي لا تنتهي، هذا ما فعله أمامنا الجليل ابو حامد الغزالي بعد ما وصل لأعلى درجات العلم في عصره، لكنه ظل حائرا من الدنيا وحقيقتها وكان يعلم أنه بعلمه هذا إنما أراد الشهرة لا وجه الله، حينها إنتحر من الدنيا وفارق الأهل والأحباب في رحلة طويله قضاها بين المساجد والصحاري والكهوف، ثم عاد منها المتصوف الزاهد العارف بالله الإمام الجليل أبو حامد الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، وليست الشجاعة في إنهاء الحياة، كما يقول بعض قاصري النظر، لأن إنهاء الحياة جبن واضح إنه يخاف أن يراه الناس في مثل هذه الحالة البائسه لذلك ينتحر، لأن خياله لم يصور له قط إلا أنه سيكون شخصا عظيما، فإذا لم يستطع أن يحصل علي هذه العظمة كره أن يراه الناس في هذا الانحطاط..
وهذه هي الشجاعة الحقيقيه أن تترك كل شئ فقط وتهيم علي وجهك لأجل الله
ولكن ماذا أقول إن شبابنا مغيبون، قد فعلت التنمية البشرية بهم ما فعلت حتي أصبحوا وهمهم في الحياة أن يحققوا أحلامهم الشخصية الأنانية، لا يعبئون بخدمة دينهم خصوصا في هذا الوقت الذي يهوى فيه الدين إلي القاع، فقط يفكرون في أنفسهم أنهم مستعدون لقراءة آلاف الصفحات يوميا من رواية لشكسبير، ولكنهم غير مستعدين لقراءة ولو عشر صفحات من كتاب ديني ينمي فكرهم ويزيده خصوبة، أنهم مستعدين أن يسخروا من أي شئ ديني له إحترامه عند بعض المتدينين، ولكنهم يصفقون ويدعمون أي شئ يتوافق مع هواهم أيا يكن، أعلم أن السبب في ذلك هو كثرة علماء الضلال وعرض الدين بطريقة عقيمة لا تنشئ أجيالا محبة لدينها، ولكن إذا كان ذلك كذلك فالأولي بنا إذا أن ننكب علي تراسنا نقرأه ونفهمه جيدا، وأن نعيد نحن بلورة ديننا بفهم صحيح يتناسب مع عصرنا، لا أن ننحاز لكل من يسب ويظهر مواطن الضعف في ديننا وقضيتنا، وكأننا تركنا العلماء الذين يعرضون الدين بطريقه عقيمه، إلي علماء آخرين يسخرون من كل ما هو ديني، فلا معنى لعقولنا إذا، فنحن مسخرة بين هؤلاء وهؤلاء فقط نتبع العلماء الذين يشبعون رغبات اهوائنا المريضة، ضاربين بالحقيقة عرض الحائط،
الأطفال البريئة يقتلون ويغتصبون بغير ذنب كل يوم في بورما فقط لأنهم يقولون لا اله الا الله، ومع ذلك لم نسمع أن أحدا منهم إنتحر ليخفف عن نفسه الألام الجسدية، فالموت في حالتهم أفضل من الحياة، ولو إنتحروا لتعاطف العالم كله معهم، ولخرجوا بصك جديد يدخل المنتحرين الجنه، ونحن هنا ننتحر لأننا لم نحقق حلما شخصيا أنانيا في الحياة، أليس الأجدر بنا أن نسخر من أنفسنا..

إذا كان ذلك كذالك فستنقلب المبادئ رأسا على عقب وسيكون الخطأ صواب، و الإنتحار فضيلة ..

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

العلوم الزائفة كيف ظهرت أشباه العلوم .. ولماذا يقبل الناس عليها

مغالطة العالم العادل The just world fallacy

فيلم جراد البحر “السلطعون” The Lobster ما الذي تفعله بنا الغربة؟

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.