تأخذك إلى أعماق الفكر

لماذا لا يُغيّرنا الأدب للأفضل كما غيّر طبيب الغلابة ؟

أيامٌ قليلةٌ انقضت على رحيل صاحب القلب الرحيم الطبيب المصري محمد مشالي ، الملقب بـ “طبيب الغلابة”، الرجل الذي قضى عمره في التباسط والتراحم مع الفقراء والغلابة ليمنحوه حبهم ويصير طبيبًا خاصًا بهم ويصير لقبه لقبهم. كان الرجل يعمل في صمتٍ قرابة النصف قرن ولا يطلب شهرةً ولا سمعةً ولا حتى أجرًا، صار الدكتور مشالي واحدًا من الفقراء بزيِّه وتباسطِه معهم في الحديث وفي الأجر الذي يتلاقاه عن الكشف عليهم، ليقنعهم أنه مثلهم تمامًا ولا يشعرهم بالنقص ولا بالحرج من زيِّهم أو ظروفهم المعيشية، لم نكن نعلم بأمر ذلك الملاك الرحيم الساكن في مدينة طنطا إلا حينما تناولته إحدى حلقات برنامج “باب الخلق” الذي يقدمه “محمود سعد”.

فتح محمود سعد باب النقاش والسرد للدكتور محمد مشالي ليتحدث عن طفولته ونشأته والعوامل المؤثرة في شخصيته والتي دفعته لأن يصبح طبيبًا للغلابة، من بين العوامل المؤثرة في شخصية دكتور مشالي والتي زادت من شعوره بالفقراء والغلابة قراءته رواية “المعذبون في الأرضلعميد الأدب العربيطه حسين“، والتي تعاطف مع أبطالها بشكلٍ كبير، ونمَّت لديه الشعور بالفقراء والمعذبين في الأرض.

لماذا أثَّر الأدب في شخصية الدكتور محمد مشالي ؟

“إلى الذين يجدون ما لا ينفقون، وإلى الذين لا يجدون ما ينفقون”

يحكي طبيب الغلابة عن والده وأنه كان رجلًا بسيطًا متواضعًا مثله وكان دومًا ما يوصيه بالفقراء، توفي والد دكتور مشالي يوم تخرجه وترك له خمسة أخوة صغار، كان على الدكتور أن ينحت في الصخر حينها ليوصلهم لبرِّ أمان ويتجاهل تمامًا احتياجاته الخاصة، وفي الوحدات الريفية التي عُيِّن فيها رأى حالاتٍ شتى من الفقر المدقع، رأى أناسًا كالذين رآهم في “المعذبون في الأرض” لا يجدون ما يُنفقون. نشأة دكتورمشالي في أسرة بسيطة الحال كان من الممكن أن تجعله جشعًا للمال والسطوة والشهرة، لكنَّ والدَه المُعلمَ علمه أن يتواضع ويزهد فيما بأيدي الناس وألا ينسى أبدًا المُعذبين في الأرض، وأن يَقْنع من الدنيا بالقليل.

حادثةٌ أخرى أثَّرت في نفسية الدكتور محمد مشالي في بداية مسيرته العملية وجعلته يعيد حساباته كثيرًا فيما سيصبح عليه في المستقبل حينما تصير لديه عيادته الخاصة، الحادثة يرويها دكتور مشالي دومًا في كل حواراته حينما يُسأَل عن المواقف التي أثَّرت فيه خلال مسيرته المهنية، فيحكي عن الطفل الريفيِّ الفقيرِ الذي كان يشكو لوالدته سوءَ حالته وتدهورَ صحته لمعاناته من مرض السكري، ويتوسل لها أن تحضر له حقنةَ الأنسولين لتخفف عنه عذابه، فأجابته الأم أنها لا تملك سوى عشرة جنيهات هي ما ستشتري بها طعامًا لأخوته الصغار، فلم يجد الطفل الصغير خيارًا سوى أن يحرق نفسه فوق سطح المنزل ليستريح من عذابه وليخفف عن والدته أعباء الحياة، كل ذلك حدث على مرأى ومسمع من الدكتور مشالي ومات الطفل بين ذراعيه.

إعلان

هذا الموقف القاسي حوَّل مسار حياة دكتور مشالي الذي كان من الممكن أن يصبح طبيبًا وقته من ذهب، والكشف لديه يحتاج لادِّخارٍ وميزانيةٍ خاصة، وجعل منه طبيبًا لمن لا يملكون قوت يومهم. أحيانًا يكون علينا اتخاذ قراراتٍ قاسيةٍ مثل حالة الأم التي كان عليها أن تختار بين إنقاذ طفل واحد أو جميع الأطفال، وهذا ذاته القرار الذي اتخذه دكتور مشالي بأن ينقذ ويرفق بكل فقير على حساب سعادته وهنائه الشخصي ووجاهة الدنيا، واختار إنقاذ الفقراء من انتحارٍ محتملٍ بسبب الفقر الذي يجدون على ترفٍ التخلي عنه لن يُميته.

هل الأدب يصنع فارقًا؟

لا يوجد كاتب لم يسأل نفسه هذا السؤال يومًا ما: ما جدوى الكتابة؟ ولا يوجد قارئ إلا وحاسب نفسه على الوقت والمال اللذين ينفقهما في قراءة الأدب، ما جدوى الأدب؟ هل يمكن للأدب أن يغيرنا للأفضل حقًا؟ وهل يصلح الأدب لأن نتلقى منه العظات؟ كلها أسئلة تدور في ذهن الكاتب والقارئ على حدٍّ سواء، أليس من الأيسر أن نتلقى العظات والقيم النبيلة من الوعاظ والحُكماء وليس من الحكايات الخيالية؟!

إنها الحكاية بسحرها، وتأثيرها، وقدرتها الخارقة على توريط الكاتب والقارئ على حدٍّ سواء في قضية ما، سحر القصة وقوة التخيِّل التي نجدها في الأدب، والتي تساعد على إعمال العقل واستشعار القلب لكل شاردةٍ وواردةٍ في العمل الأدبي الذي نقرأ. إذا كنت شخصًا صادقًا في قراءتك متفاعلًا مع الشخصيات والأحداث ستخرج من الحكاية وكأنك خرجت من تجربة شخصية لتوِّك، ستخرج ممتلئًا بتفاصيل الحكاية متأثرًا بأحزانها ومنتشيًا بأفراحها. ستجوب عوالم لم تطأها من قبل، وتصادق أشخاصًا لم ترهم، وستندمج مع بيئة لا تعرفها، وتتورط في قضايا لا تخصك فقط من خلال قوة التخيّل. 

لماذا لا يغيرنا الأدب؟

ربما لأننا لا نقرأ بصدق ولا نتفاعل مع النصوص التي نقرأ كأنها كائن حيٌّ من لحم ودم، منذ صارت القراءة “موضة” ودلالةً على التفتح والرقي، وكثرت تحديات القراءة والتي تجعلنا نلهث لإنجاز أكبر كمٍّ من الكتب ونحن لا نعي ما نقرأ ولا نتأثر بما قرأنا. الأجيال التي سبقتنا صاروا جميعًا عُشاقًا حينما قرأوا قصص يوسف السباعي وأشعار نزار قباني، وحينما كانوا يقرأون قصيدة وطنية لأحمد شوقي أو مقالًا سياسيًا لأحد الكتاب كانت عروقهم تنتفض بالوطنية والرغبة في التغيير، كانت القراءة في حد ذاتها متعةً وهوايةً لها طقوسها وفنونها الخاصة من تفرغٍ وصفاء ذهنٍ وحضور بال.

وربما لأننا لا نجد في واقعنا الذي نحياه تربةً صالحةً تستقبل بذرة الفكرة التي يغرسها الكاتب في حكايته، لم تكن قصة حياة الدكتور مشالي لتتغير لو أنه كان قرأ “المعذبون في الأرض” فقط. لو لم يكن والده يحفزه ويحثه دومًا على الشعور بالفقراء لما تأثَّر بالرواية، ولما أسقط كل واقعةٍ إنسانيةٍ يراها بعد ذلك على الظروف المعيشية للفقراء، ولما حمَّل نفسه مهمة التعاطف معهم والشعور بهم حتى يشبهَهم وإن لم يكن منهم. برغم كثرة أشغال الدكتور مشالي إلا أنه كان لا يمل القراءة ولا يكف عنها رغم تقدمه في السن، وكان نصف حديثه تقريبًا في الحلقة المذكورة عن القراءة وأهميتها في تشكيل الوعي والضمير، وأن ساعة يقضيها مع كتاب خير له من الدنيا وما فيها. كانت “المعذبون في الأرض” أيقونة دكتور مشالي التي حركت فيه الكثير من المعاني النبيلة، وبالتأكيد ليس هو الوحيد من وجد في الأدب شيئًا يلمسه ويُغير من وجهة نظره في الحياة. الحقيقة أن الأدب يمكن أن يصنع فارقًا كبيرًا فقط لو أردنا ذلك، ولو سمحنا لأنفسنا بتذوقه بصدق حينها فقط يمكن أن يغيرنا الأدب للأفضل. 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: دينا سعد

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.